إسطنبول – “القدس العربي”:
ما زالت الصحافة التركية تكشف المزيد من التفاصيل حول اتفاق المنطقة الآمنة الذي جرى الإعلان عنه قبل أيام بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، وينص على إقامة “ممر سلام” شرق نهر الفرات شمالي سوريا، وذلك عقب مفاوضات عسيرة جرت على مدى أيام بين مسؤولين عسكريين من الجانبين.
وعلى الرغم من أن المعلومات التي نشرتها صحف تركية مختلفة عن تفاصيل الاتفاق التركي الأمريكي حول المنطقة الآمنة تعارضت في الكثير من الجوانب، إلا أنها كشفت في مجملها عن أن الاتفاق المعلن ليس اتفاقاً كاملاً، وإنما اتفاق على خطوات محدودة وقصيرة الأمد مقابل وعود أمريكية بتفهم المطالب التركية وبحثها بشكل تفصيلي أكثر خلال المرحلة المقبلة.
ولعل أبرز ما نشرته الصحافة التركية في أعدادها الصادرة، الأربعاء، هي التفاصيل المتعلقة بالمقترحات الأمريكية الأخيرة التي يجري بحثها بين الجانبين، وتتعلق بدرجة أساسية بطبيعة مراقبة المنطقة الآمنة والتفاصيل المتعلقة بطول المنطقة وعمقها، بالإضافة إلى آلية مراقبتها جواً ومهام مركز العمليات المشتركة الذي بدأت أعمال إقامته في ولاية شانلي أورفا على الحدود السورية جنوبي تركيا.
وعقب ثلاثة أيام متواصلة من المفاوضات التي جرت في أنقرة، أعلنت أنقرة وواشنطن، قبل نحو أسبوع، التوصل إلى اتفاق ينص على (البدء بتنفيذ إجراءات أولية لمعالجة مخاوف تركيا الأمنية، والاتفاق على متابعة تشكيل مركز عمليات مشترك في تركيا في أقرب وقت ممكن، من أجل تنسيق وإدارة منطقة آمنة سيتم تشكيلها في شمالي سوريا، والاتفاق على جعل المنطقة الآمنة ممر سلام، واتخاذ كل التدابير الإضافية لضمان عودة اللاجئين).
والإثنين، كشفت وزارة الدفاع التركية عن وصول وفد أمريكي إلى شانلي أورفا، لإجراء التحضيرات الأولية ضمن أنشطة مركز العمليات المشتركة المتعلق بالمنطقة الآمنة، والأربعاء، أعلنت الوزارة الشروع في أعمال تركيب البنية التحتية لمركز العمليات المشتركة تمهيداً لبدء العمل فيه “بأسرع وقت ممكن ومن دون أي تأخير”.
صحيفة خبر تورك التركية نقلت عن مصادر أمريكية أن واشنطن وافقت مبدئياً على إقامة “منطقة آمنة افتراضية” من الجو، وذلك بعمق 32 كيلومتراً، وعلى طوال المنطقة الممتدة من شرق الفرات وحتى الحدود العراقية، وهو ما رفضت تطبيقه على شكل منطقة آمنة حقيقية على الأرض.
ولفتت الصحيفة إلى أن من أبرز مهام مركز العمليات المشتركة -الذي يجري إعداده في ولاية شانلي أورفا التركية- مراقبة المنطقة الآمنة الافتراضية من الجو من خلال طائرات من دون طيار تراقب المنطقة على مدار الساعة وتكشف تحركات الوحدات الكردية في تلك المنطقة، على أن تتخذ القوات الأمريكية الملاحظات الأمنية التركية التي تكشفها الصور الجوية بعين الاعتبار.
ولفتت الصحيفة إلى أن أبرز تنازل أمريكي في هذا الإطار كان يتعلق بأن تلك المنطقة الممتدة على طول الحدود وبعمق 32 كيلومتراً ستكون بمثابة منطقة حظر طيران ضمنياً.
وحول تفاصيل المنطقة الآمنة على الأرض، نشر موقع “خبر 7” التركي تقريراً قال فيه إن آخر مقترح أمريكي للمنطقة الآمنة يتعلق بمنطقة من ثلاثة مسارات بشروط مختلفة.
وفي تفاصيل المقترح، عرضت واشنطن ثلاثة مسارات بعمق 5 و9 و4 كيلومترات بشروط مختلفة، لكنها قدمت تنازلاً هاماً بأن تشمل هذه المسارات طول الحدود من شرق الفرات وحتى الحدود العراقية بطول أكثر من 430 كيلومتراً، بعدما كانت اقترحت منطقة بطول 140 كيلومتراً فقط.
ويمتد المسار الأول على طول الحدود مع تركيا بعمق 5 كيلومترات فقط ويكون تحت سيطرة أمريكية تركية مشتركة وتسير فيه دوريات مشتركة ويتم تطهيره من كل عناصر الوحدات الكردية، لكنه يتضمن أيضاً عدم السماح للقوات التركية بدخول المناطق السكنية ذات الأغلبية الكردية الواقعة في ذلك المسار، لكن كل مناطق هذا المسار ستكون منزوعة السلاح بالكامل، ويتم إدارة المناطق السكنية فيها من قبل المجالس المحلية المنبثقة عن السكان، على أن يكون لتركيا الحق بطلب طرد العناصر التي تعتبرها مرتبطة بالتنظيمات الإرهابية.
ويشمل العرض مسار ثان بعمق 9 كيلومترات على طول الحدود يكون تحت السيطرة الأمريكية ولا تدخله القوات التركية، على أن يكون منزوع تماماً من السلاح الثقيل بإشراف أمريكي، ولاحقاً طرحت واشنطن -في محاولة لإرضاء تركيا- مساراً ثالثاً بنفس شروط الأول بعمق 4 كيلومترات إضافية ليكون العرض الأمريكي يشمل بذلك منطقة بعمق 18 كيلومتراً منزوعة السلاح الثقيل.
لكن التقرير أشار إلى أن هذا ليس اتفاقاً نهائياً ويجري البحث في تفاصيله، إذ ما زالت تخشى تركيا أن يتحول إلى نسخة من اتفاق منبج وتتحول الدوريات المشتركة إلى إجراء شكلي، في الوقت الذي تسعى فيه تركيا لخطوات عملية سريعة تتعلق بنزع الأسلحة الثقيلة وتدمير التحصينات وطرد العناصر التي تقول إنها تشكل تهديداً على أمنها القومي.
من جانبها، نشرت صحيفة تقويم التركية تقريراً قالت فيه إنه جرى الاتفاق على مناطق ستجري فيها دوريات مشتركة في المرحلة الأولى، ولفتت إلى أنه جرى التوافق على خطوط سير هذه الدوريات والعربات العسكرية التي ستشارك فيها ومناطق دخولها من تركيا إلى الأراضي السورية، مشيرة إلى أنها سوف تبداً من منطقة عين العرب وستمتد لتصل منطقة القامشلي.
وأشارت الصحيفة إلى أنه على الرغم من التوافق على الكثير من الجوانب وموافقة الجانب الأمريكي على أن تمتد المنطقة على طول منطقة شرق الفرات، إلا أنه لم يجر التوصل بعد إلى أي توافق حول عمق المنطقة الآمنة، وهي أبرز معضلة ما زالت تواجه المباحثات بين الجانبين.
وأوضحت أنه في الوقت الذي ما زالت واشنطن تصر فيه على طرح يصل إلى حدود 15 كيلومتراً فقط، لم تتراجع تركيا عن طرحها المنطقة بمنطقة بعمق 32 كيلومتراً على أقل تقدير، معتبرة أنه الحد الأدنى لضمان إبعاد خطر الأسلحة الثقيلة والصواريخ التي تمتلكها الوحدات الكردية، أي وصولاً إلى خط (الرقة، حلب، الحسكة)، لافتاً إلى أن أنقرة ما زالت تؤكد للجانب الأمريكي أنها لن تتخلى أبداً عن هذا الشرط.
وأكدت الصحيفة أنه بموجب المرحلة الأولى من الاتفاق سيقوم الجيش التركي بتأسيس عشر نقاط له داخل الأراضي السورية شرق نهر الفرات، وعددت الصحيفة أسماء عدد من المناطق التي ستقام بها هذه النقاط العسكرية، ومنها (عين العرب، تل أبيض، رأس العين، القامشلي، دربسيي، عمودي، وغيرها..)، على أن تقام نقاط أخرى بموجب التوافقات المستقبلية، وسيكون هدفها تأهيل هذه المناطق للتمهيد لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم. وتوقعت الصحيفة وصول أعداد أكبر من القوات الأمريكية إلى تركيا والقواعد الأمريكية في سوريا للمشاركة في تنفيذ الاتفاق.
في الإطار ذاته، كشفت صحف أخرى عن وجود طروحات أمريكية تتعلق بتقييم عمق المنطقة الآمنة بناءً على التركيبة السكانية؛ بحيث يكون العمق كبيرا في المناطق ذات الأغلبية العربية، وعمقا متوسطا في المناطق المختلفة، وعمقا صغيرا في المناطق ذات الأغلبية الكردية، والتنفيذ التدريجي، والتفريق بين المناطق المأهولة والمناطق الخالية من السكان.
وإلى جانب اتفاق جميع التسريبات التركية على عدم وجود اتفاق نهائي متكامل، أجمعت أيضاً على التأكيد بأن كل المصادر الرسمية والعسكرية أكدت لها أن الخيار العسكري الأحادي الجانب ما زال مطروحاً بقوة على الطاولة في حال تعذر التوصل لاتفاق كامل مع واشنطن، أو دخولها في مرحلة مماطلة وتأخير، مذكرين بتصريح أردوغان قبل أيام بأن تركيا سوف تضيف إلى سجل انتصاراتها التاريخية انتصاراً جديداً في الشهر الجاري.