اتفاق تاريخي يضع الاتحاد الأوروبي على طريق الدولة الفدرالية

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

الاتفاق الذي توصل إليه قادة الاتحاد الأوروبي في نهاية قمة شاقة استغرقت خمسة أيام، وجها لوجه في بروكسل (21 تموز/يوليو 2020) يكتب تاريخا جديدا للاتحاد الأوروبي يتجاوز حدود الدلالات الاقتصادية لصفقة الإنعاش المالي المعلنة. كذلك فإن الاتفاق يبعث برسالة طمأنة إلى مواطني دول الاتحاد المؤمنين بمشروع الوحدة الأوروبية، مفادها أن الحلم الأوروبي ما يزال حيا وقادرا على النمو والتطور، كما أنه في الوقت نفسه يبعث رسالة إلى العالم بأن أوروبا، وعلى الرغم من كل الظروف السلبية المحيطة بها منذ خروج بريطانيا ثم جائحة كورونا، قادرة على تجاوز التحديات وتحقيق النجاح. من ينظر إلى صور الاحتفال بالاتفاق بين قادة دول الاتحاد يدرك أن الاهتمام بدلالاته في العالم أجمع له ما يبرره. شارل ميشيل رئيس مجلس الاتحاد لخص مبررات الاحتفال بكلمتين، الأولى أنه يؤكد للعالم أن الاتحاد الأوروبي هو قوة للفعل والعمل، والثانية أن الاتفاق هو بمثابة “لحظة هاميلتون” في مشروع الوحدة الأوروبية. تفسير الكلمة الأولى يبدو سهلا من حيث أنه رد على مظاهر الضعف السياسي والعسكري للاتحاد الأوروبي على المسرح العالمي. أما تفسير الكلمة الثانية التي تشير إلى “لحظة هاميلتون” فإنه يحتاج إلى قدر من الشرح.

نظام فدرالي للانفاق والضرائب والنقود

 

ألكسندر هاميلتون هو واحد من أهم الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح بعد نهاية حرب الاستقلال أول وزير للخزانة في الدولة الوليدة. عند الاستقلال كانت كل الولايات تقريبا مثقلة بديون الحرب، مع اختلاف قيمة ونوع الديون، لكن معظم هذه الولايات كان يفتقر إلى القدرة على سداد الديون، ومنها ما كان مستحقا لدول مثل فرنسا، ومنها ما كان مستحقا لبنوك. في الوقت نفسه، فإن الولايات كانت تواجه تحديات إنشاء بنية أساسية على مستوى الدولة الجديدة. وقد صاغ ألكسندر هاميلتون رؤية واضحة وجديدة لمواجة كل من التحديين في وقت واحد، تتمثل في تحويل ديون الولايات إلى دين فدرالي موحد، تضمنه وتلتزم بسداده الإدارة الفدرالية، على أن يتم تمويله بضرائب فدرالية وقروض طويلة الأجل، تحت إشراف البنك المركزي الإمريكي. ومع أن هاميلتون واجه صعوبات هائلة في إقناع مجلس النواب وقيادات الولايات برؤيته، إلا أنه نجح في خلال عام أن يجمع لها التأييد الكافي، وبدأ تطبيقها بالفعل في العام 1791 أي قبل مئتين وعشرين عاما. وقد أصبحت السياسات التي وضعها هاميلتون خلال فترة رئاسته لبنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي الأساس الذي يقوم عليه حتى الآن النظام المالي والنقدي للولايات المتحدة الأمريكية.

وعندما وافق زعماء الاتحاد الأوروبي على صفقة الإنعاش المالي المصممة أساسا لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا، فإن شارل ميشيل صاح مبتهجا “إنها لحظة هاميلتون”! شارل ميشيل لم يكن وحده الذي أطلق هذه الصيحة، لأنها كانت قد ترددت ومنذ فشل القمة الأوروبية في شباط/فبراير الماضي على لسان أكثر من شخصية أوروبية قيادية، مثل أورسولا فون در لين، رئيسة المفوضية الأوروبية، وأولف شولتز وزير المالية الألماني، الذي كان يقف في صف المعارضين للصفقة حتى أيام قليلة مضت قبل الاتفاق. ولا شك أن كلا من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعبا دورا جوهريا في صياغة وتعديل وتمرير الاتفاق بالإجماع. ومن المعروف أن كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تملك حق الفيتو على قرارات المجلس، وهو ما يعني أن دولة مثل قبرص أو مالطا أو المجر أو النمسا تستطيع أن تعطل التوصل إلى أي قرار لا ترضى عنه. ومن الضروري أن نذكر هنا أيضا أن التنسيق الألماني-الفرنسي كان يقابله على الجانب الآخر مستوى مرتفع جدا من النضج بين بقية قيادات الاتحاد الأوروبي، الذين ارتقوا إلى مستوى اللحظة التاريخية؛ فأوصلوا الاتحاد إلى “لحظة هاميلتون” التي ما يزال خبراء الاقتصاد في الولايات المتحدة يعتقدون أنها صعبة التحقيق في الاتحاد الأوروبي.

فدرالية مالية أوروبية

 

للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي سيتم، إذا أقر البرلمان الأوروبي الصفقة، إنشاء نظام لمديونية فدرالية يديرها البنك المركزي الأوروبي، مضمونة من الاتحاد وليس بواسطة الدول الأعضاء منفردة، يتم تمويلها بقروض فدرالية، وسدادها بضرائب فدرالية على أجل طويل يمتد لمدة ثلاثين عاما من عام 2028 وحتى 2058 بدون فائدة تقريبا، على أساس ظروف السوق الحالية. التمويل المقترح لصندوق الإنعاش الأوروبي، وهو صندوق فدرالي يخضع لسلطة المفوضية الأوروبية ويديره البنك المركزي الأوروبي الذي ترأسه حاليا كريستين لاغارد المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، تصل قيمته إلى 750 مليار يورو، بما يزيد بنسبة 50 في المئة عن القيمة المقترحة في مباردة ميركل-ماكرون. وسيتم تمويل الصندوق بواسطة قروض فدرالية على أساس تصنيف ائتماني سيادي ممتاز (AAA) وهو تصنيف تعجز عن الحصول عليه بعض دول الاتحاد، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا على سبيل المثال.

هذا المبلغ سيتم تقسيمه إلى شريحتين، واحدة بقيمة 390 مليار يورو، يتم تخصيصها في صورة منح غير مستردة للدول الأشد مديونية. هذه الشريحة أقل مما جاء في المقترح الأصلي الذي كانت قد عرضته أورسولا فون دير لين الذي بلغت قيمته 500 مليار يورو. وقد كان الجدل حول قيمة المنح وشروط تخصيصها هو أحد الأسباب التي هددت بفشل القمة، نتيجة خلافات حادة بين ثلاثة أطراف: الأول هو الدول الغنية “غير المبذرة” الأربع (النمسا والدانمارك وهولندا والسويد) والطرف االثاني، هو الدول شديدة المديونية في جنوب القارة خصوصا إيطاليا واليونان وإسبانيا، والثالث هو دول شرق أوروبا. وجاءت الموافقة على تخفيض مخصصات المنح من 500 مليار إلى 390 مليار يورو تحت ضغط الدول الغنية “غير المبذرة” التي وصفها قادة الجنوب بأنها “الدول البخيلة” التي كانت تعارض فكرة المنح، وتريدها في أضيق الحدود. أما الشريحة االثانية فإنها بقيمة 360 مليار يورو، فإنها ستكون جزءا من محفظة قروض ميسرة تحصل عليها الدول المدينة، طبقا لعدد من المعايير الاقتصادية والسياسية، على غرار القروض التي يقدمها صندوق النقد الدولي للدول الأعضاء.

بذلك فإن البنك المركزي الأوروبي سيقوم بوظيفة فريدة في النظام المالي الفدرالي الجديد في الاتحاد الأوروبي، تجمع بين دور البنك الدولي في تقديم منح مالية للدول الأقل نموا والأشد احتياجا، ودور صندوق النقد الدولي في تقديم قروض بأسعار فائدة منخفضة جدا عن أسعار السوق، لكنها ترتبط في الوقت نفسه بإصلاحات مالية ونقدية وربما سياسية أيضا. وقد ثارت مناقشة مثيرة في القمة بشأن الشروط التي يمكن أن ترتبط بالقروض الميسرة ضمن حزمة الـ 360 مليار يورو، حيث كانت بعض القيادات تعارض تقديم قروض للدول التي تنتهك معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان، والموقف من المهاجرين، مثل المجر وبولندا. ولكن تم في نهاية الأمر تسوية الأمر في الوقت الحاضر، بإتاحة هذه القروض الميسرة للدول الأعضاء ذات الحاجة، على أن يتم مراجعة الموقف فيما بعد.

وبالإضافة إلى حزمة المنح والقروض الميسرة، أقر زعماء الاتحاد الأوروبي ميزانية الاتحاد للفترة الممتدة من عام 2021 إلى 2027 بقيمة 1.8 تريليون يورو أي ما يتجاوز 2 تريليون دولار. وكانت المفاوضات بشأن هذه الميزانية قد واجهت صعوبات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، وفشلت فيها الدول الأعضاء، حتى تم تسويتها أخيرا في إطار رؤية مالية أكثر شمولا، من شأنها أن تطلق يد الأجهزة الفدرالية الأوروبية في تنفيذ مشروعات داخل نطاق الاتحاد ككل، وليس على مستوى كل دولة بمفردها. كذلك وضعت قيادات الاتحاد خطوطا عامة لسياسة اقتصادية جديدة تركز على الاعتبارات البيئية، وتطوير إنتاج واستخدامات الطاقة المتجددة، والعناية بتحقيق توازن بين الشمال والجنوب داخل الاتحاد، وذلك لتقليل الفجوة التي  اتسعت بينهما، خصوصا مع وقوع دول البحر المتوسط الأوروبية في أزمة اقتصادية عميقة سبقت أزمة كورونا.

وعلى الرغم من ضآلة حجم الميزانية الفدرالية المقترحة التي تعادل حوالي 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد ككل، أو ما يقرب من حجم اقتصاد دولة صغيرة مثل النمسا، فإن هذه النسبة تعادل تقريبا نسبة الميزانية الفدرالية للولايات المتحدة من الناتج في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التالي. وهذا يعني أنه في حال موافقة البرلمان الأوروبي على الميزانية، فإنها ستكون بالفعل مع صندوق الإنعاش، بداية لنظام مالي فدرالي في أوروبا، يمكن أن ينمو ويتطور خلال العقود المقبلة، ويساعد على تحويل أوروبا من دول منفردة إلى قوة اقتصادية ومالية فدرالية وسياسية وعسكرية، مع أن هذا المسار يختلف عنه في الولايات حيث بدأ النظام الفدرالي الأمريكي من الوحدة السياسية، ثم أخذ ينتشر في المجالات الاقتصادية وغيرها.

تشكيك أمريكي

 

ليس من المبالغة القول بأن الولايات المتحدة هي أكثر القوى العالمية قلقا من تطور مشروع الاتحاد الأوروبي على أساس فدرالي. ويدور هناك جدل كبير بين أساتذة الاقتصاد السياسي حول طبيعة الاتفاق الأخير، وما إذا كان شبيها بـ “لحظة هاميلتون” وكذلك حول فرص نجاحه واستدامته. ويعتقد البروفيسور مارك كوبيلوفيتش الأستاذ في جامعة ويسكنسون أن الاتفاق المالي الأوروبي هو في أحسن الأحوال مجرد رد فعل مالي لأزمة كورونا، يمثل حزمة سوف تستخدم لمرة واحدة فقط ، وأن اللحظة الأوروبية الراهنة لا تماثل لحظة هاميلتون. ويقول إن الاتحاد الأوروبي أعجز من أن يحل مشاكله الهيكلية، بما في ذلك مشاكل المديونية التي ترزح تحتها دول مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا منذ عدة سنوات. ومع ذلك فإن كوبيلوفيتش لا يستبعد أن تتمكن دول الاتحاد من تطوير قدراتها الفدرالية في القطاع المالي، لكنه اشترط لذلك تحقيق شرطين، الأول هو نقل مديونية الدول المدينة كاملة أو ما يزيد عن 60 في المئة منها على الأقل من موازنة الدولة إلى البنك المركزي الأوروبي. الشرط الثاني هو أن يدير البنك المركزي الأوروبي دينا فدراليا كبيرا، وذلك بتشجيع الدائنين على بيع مستحقاتهم للبنك مقابل أوراق مالية جديدة. وقال إن هذه الخطوة لن تنطوي على تكلفة تذكر للبنك، نظرا لأن أسعار الفائدة الحالية صفرية أو قريبة من الصفر. أما الدائنون فإنهم سيستفيدون بالتخلص من ديون منخفضة القيمة مشكوك في تحصيلها من الدول المدينة.

الموقف الأمريكي من الاتحاد الأوروبي بشكل عام يكتنفه الكثير من الغموض؛ فالولايات المتحدة تتعامل مع أوروبا بصفتها الحليف الأساسي داخل حلف الأطلنطي، لكنها تعتبرها أيضا منافسا خطيرا في الأسواق العالمية وفي مناطق النفوذ المختلفة. ولذلك فإن علاقة الولايات المتحدة مع أوروبا تمثل أحد موضوعات القلق للطرفين. ولاشك أن نجاح المشروع الفدرالي الأوروبي سيمنح القارة القديمة فرصا جديدة للنمو، واستعادة قدر كبير من نفوذها السابق في العالم، خصوصا بعد أن تخلصت من أخطر مصادر المشاكسات الداخلية بعد خروج بريطانيا، وإن كانت ما تزال في حاجة إلى إعادة ترتيب البيت من الداخل خصوصا فيما يتعلق بتهديد التيار الشعبوي ذي النزعة القومية المتطرفة، وضرورة تصحيح العلاقات بين الشمال الغني والجنوب الأقل تقدما، الأشد مديونية، والأكثر عرضة لموجات المهاجرين، وتشكيل رؤية وآليات عملية لحل الصراعات السياسية المرتبطة بالأوضاع المتوترة في شرق البحر المتوسط وشمال أفريقيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية