اتفاق شرق السودان والطريق الي السلام
عمر الخطيباتفاق شرق السودان والطريق الي السلام ما الذي يعنيه توقيع اتفاق اسمرة للسلام بين الحكومة السودانية وجبهة الشرق؟ وما هي انعكاساته المتوقعة علي المشهد السياسي السوداني؟ لا شك ان الاتفاق يعتبر اضافة لاتفاقي نيفاشا الخاص بالجنوب وابوجا الخاص بدارفور. كما يمكن النظر اليه كخطوة في طريق لم يكن ممهدا بهدف استعادة الاستقرار الداخلي ورفع مستوي مشاركة كافة المجموعات السودانية في الحكم، ضمن مشروع وطني واحد عملا بمبدأ الوحدة في التنوع.اتفاق اسمرة يرفع سقف الاماني السودانية في ان تعرف الاتفاقات الثلاثة طريقها الي التنفيذ خاصة وان هناك عقبات كثيرة تعترض تطبيق اتفاق نيفاشا بينما لا يزال اتفاق ابوجا يتبين طريقه.هي اذن محاولة سودانية ثالثة، وفي اقل من عامين، يتم الاتفاق فيها علي ازالة ما تراكم من مظالم في حق جزء من الوطن هو الشرق وانسانه البسيط هذه المرة. في هذه السطور سنتعرض لخلفيات المشكلة، وكيف تطورت؟ ولماذا انتهت الي استخدام السلاح؟ وما علاقتها باسئلة الهوية واشكالات التنمية في السودان؟ فضلا عن دور دول الجوار في تأجيج وحل نزاعات السودان الداخلية.واخيرا سنعمل علي مقاربة فرص نجاح الاتفاق لمعرفة ما اذا كان سيضمن استعادة الثقة المفقودة بين الجانبين.خلفيات المشكلةتكمن جذور مشكلة شرق السودان في اشكالات الهوية القائمة منذ سنوات الاستقلال الاولي. فقد قاد فشل الحكومات السودانية في حسم سؤال الهوية الي حالة من التذمر لدي المجموعات غير العربية بدءا من الجنوب مرورا بدارفور ووصولا الي الشرق.بدات هذه المجموعات تعي ذاتها وحظ مناطقها من التنمية عطفا علي الجدل الدائر بشأن الهوية عبر علاقات تارجحت بين التوافق الظاهري والتململ المسيطر عليه والانفجار اخيرا.بداية يجب التأكيد علي ان مشكلة شرق السودان تختلف عن مشكلتي الجنوب ودارفور وذلك لاسباب سناتي علي ذكرها لاحقا.تدرج وعي ابناء الشرق بمشاكل منطقتهم في سياق تاريخي متصل، فانسان الشرق يري انه مهمش حتي وان عجز عن تبيان اوجه هذا التهميش في بعض الاحيان، الا ان النخب المحلية نجحت في بلورة ابعاد المشكلة وتجنيد العامة من ورائها قبل دخولها مرحلة التنظيم والعمل المسلح بالتالي.جغرافية شرق السودان ساهمت بصورة او بأخري في رسم ملامح تاريخ المنطقة وبنيتها الديمغرافية. الاطلالة علي البحر الاحمر والوديان والصحاري والمعادن والثروة الحيوانية مثلت جميعها عوامل جذب لموجات متتالية من الهجرة. اضف الي ذلك مجاورته لبلاد الحبشة قديما او اثيوبيا واريتريا الآن الي جانب علاقاته التاريخية مع مصر منذ عصور الفراعنة وصولا الي الروابط مع القبائل المقيمة جنوب شرقي مصر حاليا.ولا يعني ذلك اغفال علاقة المنطقة بالداخل السوداني حيث وفدت اليها مجموعات سكانية متنوعة صعد بعضها الي مواقع مهمة بحكم النشاط التجاري والعمل في الجهاز الحكومي الذي زهد فيه ابناء المنطقة او قل غالبية معتبرة منهم.تضم ديمغرافيا شرق السودان خليطا متنوعا من القبائل عاشت في هذا الجزء علي مر التاريخ بتفاوت واضح في تواريخ النزوح والاقامة. وتظل البجا المجموعة السكانية الاكبر في المنطقة ( نحو اربعة ملايين) بجذورها الضاربة في القدم. تتوزع البجا علي خمس قبائل هي الهدندوة والامرار والحلنقة والبني عامر والبشاريين والتي تتقاسم الانتماء البجاوي العام اي الهوية الجامعة والحاضنة للوعي بالذات والآخر، وان اختلفت درجات هذا الوعي باعتبار التفاوت بين من استقروا في المدن والبلدات والقري، ومن احترفوا الترحال بحكم ممارستهم لحرفة الرعي.ارتبطت هوية البجا بجذورها التاريخية حتي وهي تتطلع الي المستقبل، وقد اختار البجا التقوقع حول ذاتهم فهم لا يغادرون مناطقهم علي عكس باقي القبائل السودانية مما جعل منهم نشازا في دولة تشكلت وتطورت عبر الهجرات الداخلية. يفضل البجا العيش في الريف حتي في المدن نجدهم يقيمون في احياء خاصة بهم وهذا يدلل علي طبيعة علاقتهم بالآخر.وفي هذا يقول المؤرخ سليمان صالح ضرار ان البجا لا يثقون في الوافدين وينظرون اليهم نظرة ملؤها الشك اي انهم لم يأتوا الا طمعا في اراضي وخيرات المنطقة والسيطرة عليها.واذا كان الانسان محكوما بالنشاط الاقتصادي او العمل الذي يؤديه وصولا الي مراكمة قناعات خاصة بالوجود والحياة، فان البجا لم يستفيدوا كثيرا من عمليات التحديث التي عرفها السودان منذ الحكم التركي المصري (1821 ـ 1885) فارتباطهم بحرفة الرعي وما يقتضيه ذلك من تجوال مستمر خلق جفوة بينهم وبين المدن كظاهرة دخيلة علي مجتمعهم البدوي. اما من مارسوا الزراعة فتأثروا بتذبذب مستويات الامطار وبقوانين الملكية التي لم تكن في صالحهم علي اي حال.فاقم من وطأة ذلك ان الشرق يضم ثلاثة من اهم مدن السودان وهي بورسودان الميناء الرئيس وكسلا مهد الطريقة الختمية وذات الاراضي الزراعية الخصبة، والقضارف رائدة الزراعة الآلية هذا الي جانب مدن صغيرة لا تخلو من مزايا اقتصادية وانتاجية اغرت القبائل السودانية الاخري بالهجرة الي الشرق. تنامي هذه المدن وتزايد معدلات الهجرة الداخلية اليها زاد من الجفوة بين البجا والوافدين الجدد فكلما تضاعفت الهجرة الداخلية كلما اختار الانسان البجاوي الرحيل الي الاطراف مبتعدا عن الاغراب لا سيما في بورسودان. اما في كسلا فاختلف الوضع قليلا لانها معقل الطريقة الختمية التي يتبعها معظم البجا وقد استقر من استقر قرب المزارات والتكايا الختمية.تفويت الفرصاخطأت الحكومات المتعاقبة في تقدير الآثار السالبة لهذه الهجرات ولم تلتفت لردات الفعل البجاوية التي بدت انطوائية نفورة في اول الامر الا انها طورت رؤية خاصة يحتكم اليها الانسان البجاوي في تعريف نفسه وتعريف الآخر الدخيل. ويكفي النظر للنكات والحكايات الساخرة لدي هذه المجموعة وقد حفظت ما يمكن اعتباره موقفا بجاويا صارما تجاه الآخر.لم تهتم الحكومات بوضع البجا فانعزالهم كان مؤشرا لما ستؤول اليه الاوضاع بعد حين. فمن الصعوبة بمكان اقناع انسان بتقديم كل هذه التنازلات وجني الفتات بينما استأثر الوافدون الجدد بنصيب الاسد من السلطة والثروة. كان لا بد من دراسة انعكاسات التحديث علي مجتمع ظل مغلقا لقرون وقد ارتبطت مظاهر التطور فيه بالوافدين او نسبت اليهم ان شئنا الدقة.قد يقول قائل ان الحكومات السودانية المتعاقبة بنت المدارس والمستشفيات والمؤسسات الخدمية في الشرق اسوة بمناطق السودان الاخري، بل قد يمضي البعض في مقارنته الي القول بان مدن الشرق تفوق باقي المدن عدا الخرطوم من حيث التطور والخدمات.وهناك ايضا من يتهم البجا بانهم اختاروا العزلة بمحض ارادتهم فلم يدخلوا ابناءهم الي المدارس الا قلة منهم وانهم يفضلون طرق التداوي الشعبي علي الذهاب الي المستشفيات، كما انهم اختاروا شظف العيش في ريفهم الصحراوي بكل ما يعنيه ذلك من قصور في الخدمات والوقوع في براثن الامراض.مثل هذه المساجلات لا تفيد من يحاولون انكار الظلم الذي لحق بالبجا كما انها لا تعفي بعض البجا واقول البعض من مسؤولية التقصير ورفض مظاهر الحداثة. غني عن القول ان هذا الجدل جري ولا يزال يجري في اطار ما اصطلح علي تسميته مشكلة التهميش التي واجهها السودان بعد نيل استقلاله عام 1956. والتهميش كخطاب وثيق الصلة باشكالات الهوية السودانية فمن الجنوب الي دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الازرق وصولا الي الشرق تبدو التباسات الهوية اكثر وضوحا وهي تقارع السلطة المركزية او الحاضن لهوية عربية جري اعتمادها والتبشير بها قسرا متجاوزة الاختلافات الموجودة في اطراف البلاد.فالبجا مجموعة لها تاريخها وثقافتها الخاصة ووجودها في السودان سبق عمليات التعريب بقرون طويلة ويحز في نفوسهم ان لغتهم غير مكتوبة وان التخالط والتعليم جردا ثقافتهم من الديمومة والمبادرة، لذلك اصبحوا اكثر حنينا للماضي بل بات الماضي مدخلهم المفضل للتعامل مع اشكالات الحاضر والتخطيط للمستقبل. التنمية والمشاركةاكتفي البجا من خطاب التهميش بمظهري التنمية والمشاركة في السلطة فلم يطرحوا مطالب ذات طابع ثقافي كما فعل الجنوبيون مثلا. وهم لم يفعلوا ذلك تفضلا لانهم يلتقون مع الهوية السودانية الجامعة في كثير من الاشياء فالهوية البجاوية لا تدرك في ذاتها وانما في محصلة ما جناه هؤلاء من مشروع الدولة السودانية الحديثة.وعليه ظهر تنظيم مؤتمر البجا في 1958 قبل ان يشارك في الانتخابات بعد ثورة تشرين الاول (اكتوبر) 1964 وقدم المؤتمر نفسه كتنظيم مناطقي يسعي للحصول علي نصيب من الثروة المحلية والقومية وانصاف البجا. وحصل بالفعل علي مقاعد في البرلمان حينها لكن الخلافات داخل النخب البجاوية ودور الحزب الاتحادي الديمقراطي المنبثق عن الطريقة الختمية اضعفت مؤتمر البجا. عاود التنظيم الظهور في مراحل لاحقة لا سيما عهد الانقاذ الحالي حيث شكل التنظيم جناحا عسكريا لمحاربة الحكومة. كل ذلك قبل تشكيله تنظيم جبهة الشرق بالتحالف مع تنظيم الاسود الحرة الذي يمثل قبائل الرشايدة العربية.خيار العمل العسكري اقتضته عدة عوامل: اولا استئثار نظام الانقاذ بالسلطة وقيامه باستبعاد كافة القوي السياسية. ثانيا: تبني المعارضة للعمل المسلح انطلاقا من الشرق بحكم مجاورته لاريتيريا. عامل آخر تمثل في دخول الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة الراحل جون قرنق الي الشرق بقوة قوامها ثلاثة آلاف مقاتل ونجاح هذه القوة بالتعاون مع مقاتلي الشرق في السيطرة علي مدينة همشكوريب ذات المكانة الدينية المعروفة. اذن جني البجا بالسلاح ما لم يجنوه سلما مستفيدين من توجه الحكومة لتطويق المشكلة قبل ان يتم تدويلها مثل مشكلة دارفور.يستطيع سكان دارفور والجنوب الحديث عن ثقافة محلية تتقاطع مع ثقافة المركز ولعل هذا ما اكسب احتجاجهم وعملهم المسلح بالتالي زخما يفتقده شرق السودان فالثقافة الافريقية الخالصة في الجنوب والاستقطاب القبلي في دارفور لا اثر لهما في الشرق حتي ان تنظيم جبهة الشرق يضم قبائل عربية وهذه حالة لا نجدها في دارفور والجنوب.استيعاب هذا الواقع تبدي في خلو خطاب جبهة الشرق من الدعوة للانفصال والاكتفاء بقضايا التنمية والمشاركة.مقارنة اخري قد تساعد في فهم خصائص التمرد في شرق السودان ومآلاته المستقبلية، وهي سهولة الاستدلال علي الفوارق بين المجموعات العربية وغير العربية في جنوب السودان ودارفور بدرجة اقل. وهذا ما يفتقده الشرق ايضا فسحنة اهله هي نفسها السحنة الوسط للانسان الشمالي السوداني. كما ان المجموعات الشمالية المهاجرة استقرت في المنطقة وتغلغلت في نسيجها مستقوية بجهاز الدولة والانشطة الاقتصادية التي تمارسها. وهنا يتساءل المرء عن ما دفع البجا للتفاهم مع قبائل الرشايدة العربية القحة التي تتعالي علي جميع اهل السودان وترفض التخالط معهم او السكن الي جوارهم، في نفس الوقت الذي يعادون فيه اناسا تعايشوا معهم طويلا وتزاوجوا معهم، ومنهم التاجر الذي يبتاعون منه والمعلم والطبيب وخلافهم.تطرف بعض النخب البجاوية وتوزيعها الاتهامات علي الشماليين ككل لا يساعد علي توفير مناخ ملائم لبناء دولة حقيقية. فالتهميش طال الولايات الشمالية اكثر من غيرها وهذه حقيقة ملموسة لكن الخطاب البجاوي يتجاهل الفوارق بين النخب التي امسكت بتلابيب الدولة منذ الاستقلال من جهة وعموم الشماليين من جهة ثانية. فالتركيز علي عدد الوزراء المتحدرين من الشمال لا يعني تمتع مناطقهم بالخدمات والتنمية. ونمثل هنا بحال مدينتي كريمة ومروي في الولاية الشمالية اللتين لم تعرفا الطرق المعبدة الا قبل عامين.مقاربة مشكلة التهميش تتطلب البحث عميقا في تراكيب الثقافات المحلية وموقفها من العمل والوظيفة والتكيف مع المتغيرات الوافدة والمحلية. فالشماليون هاجروا كافراد الي مختلف بقاع السودان وجدوا واجتهدوا مغتنمين الفرص هذا ان لم يخلقوها من العدم، ولم يدر في خلدهم انهم يستولون علي حق الغير او يستأثرون بفرصه. نقول هذا علي الصعيد الفردي اما تراكم هذه النجاحات ونظرة ابناء المناطق المعنية لها فيحتاج مقاربة اعمق تنظر في المقدمات قبل الحكم علي النتائج. اذن البجا في حاجة ماسة لممارسة النقد الذاتي وليس الاكتفاء بدور الضحية، فالمجتمعات التي لا تنتقد نفسها ولا تراجع مسيرتها تحكم علي نفسها بالموت. نقول ذلك ونخب البجا علي وشك الدخول في لعبة النخب وتحالفاتها.اتفاق المبادئاتفاق المبادئ الذي مهد للتفاوض بين الحكومة وجبهة الشرق اشار الي التهميش في ابعاده الاقتصادية والثقافية والاجتماعية علي انه جوهر مشكلة الشرق. لكن اهل الشرق لا يستطيعون توضيح اين تم تهميش ثقافتهم خاصة وان الدولة السودانية لم تمتلك استراتيجية واضحة للتعامل مع الثقافات، نقول ان ثمة محصلة او تفاسير جري اعتمادها لتحديد موقف الجماعات المختلفة من سياسة الدولة تجاه الثقافات الطرفية.ان الطريقة التي جري بها تقاسم السلطة منذ استقلال السودان اوجدت مظالم لا تخطئها العين اذ استاثرت مجموعات بعينها بالمناصب العليا ونفس الشيء ينطبق علي التنمية باستثناء المدن، فالناظر لخارطة المدن في السودان يجد ان اصغرها واقلها حظا في التنمية توجد في ولايتي الشمالية ونهر النيل بينما سكانهما متهمون بالتفرد بالسلطة. اذن النخب هي من يلام علي هذا الوضع اما التعميم فسيزيد الجفوة بين السودانيين كما انه لا يوصل الي حل.علي اي حال اصبح التهميش تحديا حقيقيا مع تقدم دولة الاستقلال او الدولة الوطنية وتراكم المعادلات الخاطئة واخضاع الدولة لسطوة نخب محدودة توزعت بين المؤسسة العسكرية والمدنيين. وهذه النخب هي من صاغ العلاقات بين المركز والخرطوم فقرب هذه المجموعة علي حساب تلك وهكذا دواليك.واللافت للنظر ان الاحزاب السياسية لم تطور استراتيجية طويلة المدي لاستيعاب الخلل في تركيبة السلطة والسياسات فحزب الامة الذي يتمتع بنفوذ تاريخي في دارفور يصعب تبرئته من المساهمة في ما اوصل ازمة دارفور الي هذا الحد. فنخب الاقليم وفي اطار توزعها علي الاحزاب السياسية والمؤسسة العسكرية تجاهلت التراكم السالب للمظالم في اذهان القواعد الاجتماعية مفضلة الخوض في لعبة السياسة بكل ما لها وما عليها. واليوم تقود التمرد في دارفور نخب حديثة تتقاطع مع النخب القديمة علي راسها قيادات شابة لا تفرق بين حزب الامة ونظام الانقاذ لان وعي الازمة لا ينبت عن التاريخ بل يعيد انتاجه.اما الحزب الاتحادي الديمقراطي صاحب النفوذ الاقوي في شرق السودان فقد اكتفي بالرابطة المتأتية عبر الطريقة الختمية بدلا من السعي لتطوير رباط قومي متكامل يساعد البجا علي الاندماج مع الآخرين. وتبدو خصومة المثقفين البجا مع الحزب الاتحادي اكثر فجورا من خصومتهم مع نظام الانقاذ الذي يحاربونه.وقد شهدت اروقة التجمع الوطني المعارض الذي يضم الاحزاب والتنظيمات المعارضة لحكم الانقاذ خلافات حادة مما حدا بمؤتمر البجا والاسود الحرة الي الخروج من التجمع وبدء مفاوضات مباشرة مع الحكومة السودانية قبل تكوين جبهة الشرق في 2005.بدات المفاوضات برعاية اريتيرية في حزيران (يونيو) الماضي بعد توقيع اتفاق المبادئ. لم تكن المفاوضات سهلة فجبهة الشرق استوعبت تجارب الجنوب ودارفور مع التفاوض وبما انها تتفاوض دون ضمانات دولية فقد دفعها ذلك لرفع سقف مطالبها للحصول علي اكبر قدر من التنازلات.لكن الجبهة قدمت تنازلات مقابلة فتخلت عن المطالبة بالعودة لصيغة الاقليم الواحد بدلا من نظام الولايات الثلاث المعمول به الآن علي ان يراجع هذا المطلب بعد عام وعبر مؤتمر جامع. اعتماد نظام الولايات يكاد يخرج ولاية القضارف الغنية من يد جبهة الشرق. ففي هذه الولاية تتمتع البرجوازية الزراعية الشمالية بنفوذ كبير من خلال ملكيتها لاراض شاسعة كما تعيش فيها قبائل عربية اخري مثل الشكرية والبطاحين وغيرهما ولا ننسي الحلفاويين (نوبيين) في مدينة حلفا الجديدة بولاية كسلا. لا يتواجد البجا في ولاية القضارف باعداد كبيرة كما هو الحال في البحر الاحمر وكسلا ولعل هذا ما دفع بعض الاصوات في الولاية لمعارضة اتفاق اسمرة رافضين المعالجة القبلية الضيقة في ولاية يرون انها تقوم علي التنوع والاندماج.علي صعيد تقاسم الثروة طالبت جبهة الشرق بنصيب معلوم من واردات الجمارك في الموانئ وبنصيب من عوائد التنقيب عن الذهب الذي تتولاه شركة فرنسية في جبال البحر الاحمر، اضافة الي انابيب النفط التي تعبر اراضي الاقليم.اتفاق تقاسم الثروة تمخض عن تشكيل صندوق لتنمية الشرق تعهدت الحكومة السودانية باستثمار ستمئة مليون دولار في خمس سنوات لدعم مستوي الحياة في الشرق خاصة في مجالي الصحة والتعليم. كما تم الاتفاق علي عقد مؤتمر للمانحين في هولندا.اما علي صعيد تقاسم السلطة فخصص منصب والي ولاية للجبهة ونائب وال في الولايتين الاخريين هذا الي جانب مناصب وزارية وبرلمانية ومساعد ومستشار لرئيس الجمهورية دون اي منصب في الحكومة القومية.الرعاية الاريتيرية للاتفاق نظر اليها كعربون لاستعادة العلاقات بين اسمرة والخرطوم دون ان ننسي ان اريتيريا هي من ساعد البجا علي تشكيل تنظيمهم ومدهم بالسلاح في اطار خلافها مع السودان. اذن الاتفاق يرتهن بدرجة كبيرة لتطور العلاقات بين اسمرة والخرطوم، وفي ما اذا كان البلدان عازمان علي تجنب اي ازمات مستقبلا. وفي حال حصول العكس فلا توجد ضمانة بحياد اريتريا او عزوفها عن مناوشة السودان انطلاقا من الشرق الذي تعرفه وتعرف نخبه جيدا.ولعل السرعة التي تطورت بها الاحداث في دارفور وبعدها في الشرق تطرح اكثر من سؤال حول دور بعض الدول المجاورة للسودان في تأجيج الصراعات الداخلية مستغلة الامتداد القبلي بينها وبين السودان.لم يتدخل المجتمع الدولي بصورة سافرة في مشكلة الشرق علي عكس ما فعل في دارفور والجنوب فتفردت اريتريا بالملف.وفي ذلك تقول الدكتورة آمنة ضرار رئيس جبهة الشرق ان البجا ليسوا سودا الي درجة تدفع الافارقة للوقوف الي جانبهم وليسوا عربا الي الحد الذي يجعل الدول العربية تتبني قضيتهم.وقع الاتفاق اذن وآن للمحاربين ان يستريحوا بعد اثني عشر عاما من المواجهات، وها هي نخبة الشرق تأخذ موقعها المستحق لحكم مناطقها والالتفات لما فات شعبها من نعم التنمية والحداثة.وها هي جبهة الشرق تنتقل الي ميدان الحروب الي اروقة الدولة والحكم، تجربة جديدة بيد ان استيعابها والتعامل معها بما تستحق يعتبران صمام الامان للاتفاق. فعلي الجبهة تحصين نفسها من الانقسامات الداخلية وتطمين الفئات الاخري من سكان الاقليم وتجنب ايصال رسائل سالبة يفهمها الاتباع خطأ فتترجم في افعال انتقامية او تشف سمها ما شئت. ونخشي من وصول نفس الرسالة الي الخصوم ممن قد تأخذهم العزة بالاثم فيختارون حرق المراحل عاملين بمبدأ علي وعلي اعدائي.ولان الشيطان يكمن في التفاصيل ولان حزب المؤتمر الوطني الحاكم اثبت انه شريك مشاكس وقادر علي الالتفاف علي الاتفاقات كما فعل في نيفاشا وابوجا فان الحذر مطلوب.وعلي المؤتمر الوطني ادراك انه حصل علي اتفاق مهم دون وصاية او ضغوط دولية، مما يحتم عليه تطبيقه بجدية. فالناس متعطشة للتنمية ولما يرفع مستوي الحياة في الشرق بعد عقود من الاهمال. ختاما نقول ان اتفاق اسمرة يبقي اتفاقا ثنائيا بين المؤتمر الوطني وجبهة الشرق، صحيح ان بنوده ستضمن في الدستور الا ان عزل باقي القوي السياسية اسوة بما حدث في نيفاشا وابوجا يحرم الاتفاقات الثلاثة من الاجماع الوطني ما يعني استمرار الجدل بشانها في الساحة السودانية وتبادل الاتهامات بالفشل اما النجاح فأمنية نتمني ان تدرك.صحافي سوداني ـ يقيم في الدوحة8