جمال محمد تقي
المقاولة هي اتفاق بين طرفين او عدة اطراف علي تنفيذ مشروع ما بمقابل محدد وزمن محدد وانتاجية محددة، وبمواصفات محددة بموديلات جاهزة، وقد يشمل العمل باسلوب المقاولة كل انواع الاعمال والعمليات التي تتطلبها شروط المقاولة وينسحب هذا علي كل اعمال السوق المفتوح بما فيها الدعاية والاعلام والفنون والسياسة والصحة والتعليم وهكذا، وهناك خطأ شائع يحصر اسلوب عمل المقاولة بالاعمال الانشائية ـ اي التشييد العمراني، كالطرق والجسور والابنية واعمال صيانتها ـ اما مفهوم العملية السياسية فهو توصيف مجرد لظاهرة لها شروط وخصائص اكثر تعقيدا وهي جزء من صيرورة الواقع ومتغيراته اي انها لا تقوم علي اسس مفتعلة ليست بموضوعية، كأن تكون منبثقة عن تأثير عامل خارجي طارئ، ونستطيع معرفتها من خلال تبيان معاني اللفظة ذاتها، عندما نقول عملية فاننا نعني حركة لها ابعاد واتجاهات وفيها عناصر تتغير باستمرار العملية ذاتها، ووفرة العوامل المساعدة لا تعني باي حال حلولها محل آليات دفعها الداخلية المطلوبة لانجاز العملية ذاتها، وعندما نقول سياسية والسياسة هنا تكثيف متفاعل للاقتصاد فاننا نكون قد ادخلنا مفهوم العملية الي عالم الحركة الاجتماعية الذي يتميز بجدليات تحتوي كل انواع الحركة السابقة لها كالميكانيكية والفيزيائية والكيميائية والبيولوجية! اما اذا اتفقت مجموعة اطراف سياسية علي تنظيم دورة حكم سياسي تراتبي معتمد علي قوة دفع خارجية طارئة وبمواصفات ارادوية محددة وبمكاسب معلومة وجدولة مثبتة مسبقا وانتاجية محددة فان هذا الاتفاق لا يعني البتة انطلاقة لعملية سياسية حقيقية او موضوعية وانما ستكون مندرجة تحت جناح اعمال المقاولات السياسية الشمولية الكبري والصغري! وهي فاقدة للشرعية لانها اعطت لنفسها حقا لا تمتلكه في اعادة صياغة مجمل البناء السياسي والاجتماعي والاداري والاقتصادي للمجتمع العراقي بحيث تجعله يناسب مقاولاتها وليس العكس اي سوقه الي نماذجها، وانتزاع فواتير مقاولتها الدائمة منه ومن رصيد مستقبله، ففي حالتنا العراقية لا يدفع المحتلون فواتير مقاولاتهم السياسية فيه بل بالعكس فان خرائط المقاول الاكبر والسارق الاخطر المحتل الامريكي تفضح نواياه، يدفع الرشاوي والهدايا والعطايا لانجاز المقاولات الصغيرة وبعد ذلك يعمل لاسترداد ما صرفه وبفوائد مدهشة ناهيك عن العطاءات الاساسية التي توفرها له مقاولته الكبري ـ عملية الاحتلال ذاتها ـ من تمرير ما امكن من تطلعاته الاحتكارية المفروضة فرضا علي الواقع العراقي!! عليه فان الذي يجري في العراق ومنذ احتلاله وحتي الان هو تنفيذ لمشاريع مقاولات سياسية، محركها وصاحبها الاساسي هو المحتل ومشروعه الكبير ومقاولته الكبيرة اما المقاولات الفرعية الصغري والتي تفرضها الطبيعة الشمولية للمقاولة الكبري حيث تندرج في صميم عملها في الانتقال التطبيقي من مقاولة الجملة الي مقاولة التجزئة، تقاولها وتنتجها بالتفصيل، وتحولها الي مقاولات سياسية تجري بالباطن وباشكال مختلفة لا يعلن عنها الا كونها خطوة باتجاه البناء والتعمير السياسي وغير السياسي! دخلت مقاولاتهم السياسية عامها الخامس فلا بناء سياسيا تم ولا بناء غير سياسي العكس هو الذي تم ويتمم بالدمار والتهديم والتحطيم، بحيث فر ربع سكان العراق الي خارجه وتعاني الاكثرية الساحقة من سكانه من الجوع والمرض والبطالة والفوضي وفقدان الامان، الا اذا اعتبرنا ان قيام المنطقة الخضراء وما فيها من ابنية للمقاولين الصغار الجدد هو رمز من رموز النجاحات التي حققتها مقاولاتهم السياسية وغير السياسية! جدول بالمقاولات المتوسطة والصغيرة:
مقاولة رقم 1: ابتدات خارج العراق ثم تواصلت داخله، وجري العمل لتنفيذها من قبل لجان مخصصة لهذا الغرض تابعة لوزارتي الخارجية والدفاع والـ سي اي ايه، منذ عام 1991، وقد اختير لتنفيذها عمالة من مصاطب الاحزاب والدكاكين السياسية العراقية في الخارج وجري تمديد عمل هذه المقاولة غير المكلفة نتيجة لرخص الايادي العاملة العراقية في الخارج، حتي الي مؤتمر لندن وصلاح الدين، وما بينهما من دورات تدريبية لفرق الاستطلاع والتجسس والتعبئة الاعلامية لتحرير العراق، وقبلها في تبني تنظيم المؤتمر الوطني العراقي ليلعب دورا مخابراتيا لرصد توجهات الراي العام العراقي في الداخل والخارج، وتجنيد ما امكن من العراقيين استعدادا لخوض معركة تحرير العراق انطلاقا من مناطق الجيب الآمن في شمال العراق الذي اصبح ومنذ 1991 مرتعا للمخابرات الدولية المتحالفة مع امريكا من الموساد الي مخابرات ابو ناجي بدعم واسناد من ميليشيات الطالباني والبارزاني التي منحت امتياز السيطرة علي الجيب الامن بحماية امريكية بريطانية وانتهت هذه المقاولة حتي انجاز عملية تحرير العراق غزو العراق واحتلاله والاطاحة بدولته!
مقاولة رقم 2: تشكيل مجلس الحكم العراقي من متعهدي المقاولة الاولي مع بعض التشذيبات والتشطيبات المحدودة، وتشكيل مجلس للوزراء من مساعدي المقاولين العراقيين والمتعهدين لنيل المزيد من المكاسب المقاولاتية ومنحت مقاولة رئاسة الوزراء لاكثرهم مطابقة للعروض الامريكية وكان وقتها المقاول الاول اياد علاوي!
مقاولة رقم 3: مقاولة انتخابات للحكومة العراقية الانتقالية، وشارك في تقديم عطاءات مناقصتها كل المقاولين السياسيين متوسطي القدرة وصغارها ممن شاركوا في كل المقاولات السابقة او من الذين لم يتسن لهم الاشتراك بها، وكان لدخول المراجع الدينية كطرف في هذه المقاولة دوره الهائل في استنهاض همم العامة للمشاركة بالسخرة الانتخابية دون علم حقيقي بتبعاتها! وذات الشيء حصل في مناطق شمال العراق حيث كان لمقاولات اعمال السخرة الانتخابية التي هيجها قادة الاحزاب العشائرية في بادينان وسوران فعلها الفاعل في تحقيق مقاولة عمل شعبي سريع بكلفة رخيصة، وجاءت الحكومة الانتقالية لتهيئ نفسها لمقاولة الدستور الدائم الذي سيحل محل الدستور الانتقالي الماخوذ عن قانون ادارة الدولة لبريمر!
مقاولة رقم 4: مقاولة الاستفتاء علي الدستور الدائم، هذه المقاولة كشفت وفضحت كل عيوب المقاولات السابقة، من حيث عدم نزاهتها، واعتمادها علي الصوت الطائفي والعنصري كبديل عن الصوت الوطني، فقانونهم يقول ان رفض ثلثي ثلاث محافظات يعني عدم شرعية الدستور المستفتي عليه، وكان هدف المقاولة الاصلي هو تمرير الدستور باي شكل من اشكال المقاولات، لكن الذي حصل هو ان هناك ثلثي ثلاث محافظات قد رفضت الدستور مما يعني انه غير شرعي بحسب قانون المقاولة ذاتها المفصل اصلا لمصلحة الاحزاب العشائرية في محافظات اربيل والسليمانية ودهوك، جري استدراك المقاولة الفاشلة بمقاولة تكميلية تقضي بالموافقة علي اجراء تعديلات اصيلة علي الدستور دون الحاجة لاعادة مقاولة لاستفتاء!
مقاولة 5: مقاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية يتم من خلالها حل خلافات المقاولين المتصارعين علي النسب وحصص التقاول، والمشكلة ما زالت متفاقمة وتزداد حدة كلما طالب مقاول باستحقاق جري حسمه لصالحه، انه صراع مقاولين علي مقاولات يقدمها صاحب المشاريع الاول المحتل الامريكي، وحتي هذه اللحظة فصاحب المشاريع في حيرة من امره لانه لا يتحمل الخسائر التي تتكبدها مقاولته الكبري بسبب من مقاومة ابناء العراق وفصائلهم الوطنية التي لا تقاتل المحتلين ومقاولاتهم، ولانه يريد توافق مقاولاتي بين مقاوليه العراقيين الصغار حتي يمكنه ذلك من التصرف بحكمة واحتواء من يناصب كل مقاولاته العداء المستحكم، لكن الامر يزداد تدهورا بسبب من صعوبات عمل المقاولين العراقيين انفسهم بسبب اعمال المقاومة ذاتها وبسبب المصالح المقاولاتية التي جعلتهم لا يفكرون الا بما بين ايديهم!
مقاولة 6: مقاولة قيد الانجاز، وهي اتمام عملية تمرير قانون النفط والغاز الجديد بعروض سخية تشمل كل المتقاولين في مجلس الوزراء والبرلمان وحكومة اقليم كردستان وبرلمانها وبعض خبراء ومدراء وزارة النفط وشركة النفط، لقد انجز مسعود البارزاني الجزء المتعلق به من المقاولة بتبني اقليمه لقانون للنفط والغاز يجاري بل يعتبر ان القانون غير الممرر بعد هو امر واقع يجب تمريره!
حتي محاولات رأب الصدع الحاصل بين الكتل المتقاولة في الحكومة لجعلها تتوافق علي حد ادني علي الاقل الي اجل مسمي وهو نهاية هذا العام حيث يتوقع ان يتم دفع القانون الي التصويت عليه داخل البرلمان والضغوط الامريكية لترتيب اوضاع الحكومة، كلها تدخل في جوهر اللعبة المقاولاتية الجديدة.
عندما يفلس التاجر اليهودي يقلب دفاتره القديمة عسي ان يجد فيها دينا له هنا او هناك، يعينه علي تجاوز الافلاس المحقق، وعندما لا يجد ضالته قد ينتحر، المفارقة هنا ان العملية المقاولاتية الجارية وعناصرها المفلسة في العراق لا تملك دفاتر قديمة حتي تبحث فيها عن مخرج، فهي لا تملك موطئ قدم اصلا في العراق لانها بلا جذور، وهي وليد مسخ طارئ لحالة فراغ مشوه، حالة احتلال قسري غاشم هيمنته صنعت توازنا مصطنعا بين كيانات وهمية يراد بافتراضاتها ان تستمر وتتواصل، وبحبل سري يربط صيرورتها بالمحتلين حتي وان تواروا عن الانظار، المفارقة الجديدة انهم يبحثون عن مخارج افتراضية ووهمية هروبا من الحاضر الذي اعلن افلاسهم، وحتي قبل ان يتواري المحتلون عن الانظار، حكمتنا الشعبية تحكم علي هذه الحالة وبالجزم القاطع ان الذي ليس لديه اول ليس لديه آخر!8