اتفاق مكة مؤشر علي القدرات الذاتية للسياسة العربية

حجم الخط
0

اتفاق مكة مؤشر علي القدرات الذاتية للسياسة العربية

د. بشير موسي نافعاتفاق مكة مؤشر علي القدرات الذاتية للسياسة العربيةيعتبر اتفاق مكة حدثاً فلسطينياً هاماً بلا شك. فمنذ تصاعدت الخلافات بين الحكومة التي تقودها حركة حماس والفئة السياسية الملتفة حول الرئيس محمود عباس خلال الشهور الماضية، كان من الواضح ان هناك جهداً حثيثاً لاشعال فتنة بين فتح وحماس. ليس ثمة مصلحة لفتح في الصدام مع حماس، فبالرغم من توقيعها أوسلو وقيادتها سلطة الحكم الذاتي، ما زالت فتح قوة فلسطينية وطنية مناضلة. ولكن الفلسطينيين، أكثر الشعوب العربية تسيساً وحرصاً، سمحوا لأنفسهم في النهاية بالانحدار الي هوة الاقتتال الداخلي. بهذا المعني، معني وضع نهاية سريعة لموت الفلسطينيين بيد الفلسطينيين، وايجاد مخرج للأزمة السياسية المستحكمة بين الحكومة والرئيس، كان اتفاق مكة انجازاً فلسطينياً كبيراً. قد يقول البعض ان حكومة الوحدة الوطنية كانت الخيار الأفضل منذ كانون الثاني (يناير) 2006، عندما فازت حماس في الانتخابات التشريعية وكلفت بتشكيل الحكومة، وأن كل من ساهم في تعطيل حكومة الوحدة الوطنية لابد ان يتحمل مسؤولية تاريخية ثقيلة. هذا صحيح بالطبع، ولكن الحقيقة ان قصر النظر السياسي أصاب أغلب أطراف الساحة الفلسطينية السياسية آنذاك، وظن كل منها ان تطورات الأمور سرعان ما ستصب لصالحه. ولكن ما حدث ان تطورات الأمور لم تصب لمصلحة أحد، وأصبح علي الفلسطينيين تعلم درس من أعمق الدروس ألماً. هذا الألم والفزع الشعبي هو الذي حول المدن الفلسطينية عشية الاعلان عن توقيع الاتفاق الي ميادين فرح جماعي، وكأن الجماهير الفلسطينية، باحتفالها الصاخب، ترسل رسالة تحذير أخيرة لأطراف الفتنة.بيد ان الاتفاق لابد ان يري باعتباره حدثاً عربياً كبيراً أيضاً، وربما أكثر بكثير مما هو فلسطينياً. الذين أثار الاتفاق اهتمامهم عربياً رأوه كذلك لأسباب مختلفة. البعض، لاسيما الدوائر المرتبطة بالعربية السعودية، وجد في الاتفاق توكيداً جديداً، طال انتظاره، علي أهمية الدور السعودي، وعلي ثقل المملكة وقدرتها علي التصدي حتي لأعقد المشاكل العربية. ووجد البعض الآخر في الاتفاق خطوة سعودية ـ مصرية كبري لاستعادة الدول العربية الرئيسية المبادرة من ايران، بعد ان حققت الأخيرة مكاسب سياسية عدة في الساحة العربية، بدءاً من تعزيز التحالف بين طهران ودمشق، الي النصر الكبير الذي حققه حزب الله ضد العدوان الاسرائيلي علي لبنان في الصيف الماضي، وصولاً الي الدعم الايراني الكبير لحكومة حماس الفلسطينية في مواجهة حصار دولي وعربي متفاوت علي الفلسطينيين. وقد بدا خلال الشهور القليلة الماضية ان الساحة الفلسطينية قد أفرغت عربياً الي حد كبير، وتركت مفتوحة فعلياً لعدوان عسكري اسرائيلي مستمر، نشاط سياسي امريكي لا يؤدي الي هدف محدد، ودعم سوري سياسي وايراني سياسي ومالي. مبادرة المصالحة السعودية، وتوصل هذه المبادرة الي اتفاق بين الطرفين الفلسطينيين الرئيسيين، وتوقع قيام السعودية بكسر الحصار المفروض علي الحكومة والشعب الفلسطيني، بكل ما يعنيه هذا التطور علي صعيد القرار العربي والدولي، يصب جميعه في اطار تحجيم دور طهران في الساحة الفلسطينية. لأولئك القلقين من اتساع النفوذ الايراني في المنطقة، ولأولئك الذين يعملون علي التمهيد لعزل ايران وتوجيه ضربة امريكية لها، يعتبر اتفاق مكة انجازاً سعودياً كبيراً. ربما يمكن بالفعل استشفاف مثل هذه الأبعاد لاتفاق مكة، ولكن الاتفاق يحمل دلالات أخري أكثر أهمية علي توجهات السياسة العربية.ان الجانب الرئيسي للمبادرة السعودية أنها جاءت في خلاف مع الارادة الامريكية. رفضت واشنطن القبول بنتائج الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية التي دعت اليها وشجعت علي عقدها، رفضت التعامل مع الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حماس، وفرضت حصاراً كاملاً علي الحكومة، كما ضغطت من أجل ان تحذو دول الاتحاد الأوروبي حذوها. وعندما بدا ان الحكومة قادرة علي الصمود، وان الشعب الفلسطيني يرفض تقديم تنازلات سياسية من أجل استعادة المساعدات الغربية المالية، دفعت الادارة الامريكية باتجاه افشال الحوار الوطني الفلسطيني الداخلي، الذي أوشك التوصل الي اتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية. وربما يمكن القول ان السياسة الامريكية خلال الفترة القصيرة الماضية تبلورت في اتجاهين: اتجاه العمل السياسي، العربي والفلسطيني، المستهدف اسقاط حكومة حماس، باستخدام كافة وسائل الحصار والضغط والحملات الدعائية، وصولاً الي عقد انتخابات مبكرة، مزيفة أو غير مزيفة؛ وفي حال فشل الخيار السياسي في اسقاط الحكومة، يتحول الحصار والضغط الي حرب فلسطينية داخلية سافرة بين أجهزة السلطة الأمنية وبعض قطاعات مسلحة تتبع أوساط معينة في حركة فتح، من جهة، وحركة حماس والقوة التنفيذية التابعة لحكومتها، من جهة أخري. وبالنظر الي حجم السلاح المرسل للأجهزة الأمنية وحرس الرئاسة منذ الصيف الماضي، فربما يمكن الاستنتاج بأن انفجار الصراع في قطاع غزة مؤخراً استهدف اسقاط حكومة حماس وتجريد جناحها العسكري والقوة التنفيذية من السلاح أيضاً.هذه السياسة فشلت، فشلت أولاً علي الأرض، بمعني ان حماس لم تهزم عسكرياً، بل استطاعت بسط سيطرتها علي معظم قطاع غزة. كما فشلت سياسياً عندما دعت السعودية الي مفاوضات فلسطينية ـ فلسطينية في مكة المكرمة. وبمجرد وصول الأطراف الي البلد الحرام، كان من الواضح أنهم لن يخرجوا بدون اتفاق؛ وهو ما حدث بالفعل. أغلب الأطراف الدولية، بما في ذلك عدد من دول الاتحاد الأوروبي، وكل الدول العربية، اضافة الي روسيا والصين، رحب بالاتفاق. القوة الدولية الوحيدة التي اختارت الاحجام عن الترحيب بالاتفاق، بل وعادت الي تكرار شروط الرباعية المعهودة، هي الولايات المتحدة. ما دفع واشنطن الي التفرد (الي جانب الدولة العبرية، بالطبع) ان الادارة الامريكية لم تكن تريد تشكيل حكومة وحدة وطنية أصلاً، ولكن التخلص نهائياً من حماس. ما جاء به الاتفاق، اذن، يتعارض مع السياسة الامريكية (المعلنة وغير المعلنة)، وذلك بتوفير شرعية فلسطينية اجماعية لحكومة الوحدة الوطنية، الي جانب الشرعية العربية؛ والأخيرة بالذات لم تكن متاحة في شكل صريح، لا لحكومة حماس، ولا لحكومة الوحدة الوطنية التي كان يمكن ان تولد من الحوار الوطني الجاري منذ شهور في قطاع غزة. الأمر الثاني، ان هذا الاتفاق لم يتضمن أي تنازل جوهري من جانب حماس، لا علي المستوي السياسي ولا علي مستوي تشكيل الحكومة. الشكل الذي اتفق عليه لحكومة الوحدة الوطنية يكاد يكون الشكل نفسه الذي كان لدي حماس الاستعداد للموافقة عليه منذ محاولة ما بعد الانتخابات الفاشلة، كما ان النصوص الخاصة بالمسائل الاشكالية التي تم الاتفاق عليها في رسالة التكليف تكاد تكون النصوص نفسها التي أعربت حماس عن الموافقة عليها في جلسات الحوار الوطني.الخطوة السعودية ليست خطوة معزولة، فهناك تأييد واضح، وربما تفصيلي، لها من القاهرة. والي جانب قطر، التي بذلت جهداً سابقاً للتوصل الي اتفاق فلسطيني، فان دولاً أخري في مجلس التعاون الخليجي تقف الي جانب الجهد السعودي. وبالرغم من ان دمشق أخذت بعض الوقت لتعلن تأييدها لاتفاق مكة، فان الموقف السوري يدل دلالة واضحة علي بروز اجماع عربي خلف الاتفاق. السؤال هو لماذا الآن، لماذا تحركت السعودية فلسطينياً مثل هذا التحرك في خلاف مع الموقف الامريكي؟ الاجابة ربما تستدعي العودة الي منتصف التسعينات عندما دشن لقاء الاسكندرية بين مبارك وفهد وحافظ الأسد الكتلة العربية الثلاثية التي قادت السياسة العربية حتي غزو العراق في ربيع 2003. عندها، كانت العواصم العربية الثلاث قد توصلت الي قناعة بأن الانقسام العربي الناجم عن مسألة الكويت وحرب الخليج الأولي قد استمر طويلاً وبات يهدد المصالح العربية في جوهرها، وذلك بعد ان تحول اتفاق أوسلو الي تحرك لفرض سلام بلا مقابل علي كل الساحة العربية، والي مشروع شرق أوسطي يمهد لهيمنة اسرائيلية اقتصادية وسياسية علي المنطقة. ولدت الكتلة الثلاثية لمواجهة هذا الخطر ووضع حد للانتشار الاسرائيلي وقيادة السياسة العربية علي أساس الحد الأدني من التفاهم.ما تشهده المنطقة الآن شبيه بتلك الظروف. فبعد ان تورط عدد من الدول العربية، بما في ذلك مصر والسعودية، في تأييد الغزو الامريكي للعراق، تقف المجموعة العربية اليوم بذهول أمام ما وصلت اليه الأوضاع العراقية، ليس فقط علي مستوي الدمار والتهجير والموت، بل أيضاً علي مستوي الانقسام الاثني والطائفي، الذي ان سمح به فلن يقتصر علي العراق بأي حال من الأحوال. تقسيم العراق، كما يعرف السعوديون والخليجيون والسوريون والايرانيون والأتراك، سينقلب وبالاً علي كل دول المنطقة وشعوبها. أما في فلسطين، فالأرجح ان فوز حماس في الانتخابات لم يسعد الأغلبية العظمي من الدول العربية. ولكن أياً من هذه الدول، ومصر والسعودية علي وجه الخصوص، لا تريد ولا تقبل تحول الخلافات الفلسطينية الي حرب أهلية، مهما كان من يقف وراء محاولات اشعال هذه الحرب. والي جانب فلسطين والعراق، ثمة خطر كامن لاندلاع حرب أهلية في لبنان، وخطر متصاعد يهدد وحدة السودان وتماسكه. الرياض والقاهرة، وبغض النظر عن المخططات الامريكية، تستشعر القلق من تزايد النفوذ الايراني في عدد من دول المشرق العربي، كما من تزايد الدور التركي. مثل هذا التراجع العربي ما كان له ان يحدث بالصورة التي يحدث بها لولا الفراغ الذي تركه انسحاب الدول العربية الرئيسية من الساحة العربية، اما لخطأ في التقدير أو مراعاة للحليف الامريكي. بكلمة أخري، ما تراه الرياض والقاهرة اليوم يتمثل في تدهور للأوضاع والمصالح العربية، تدهور يمس أسس الأمن العربي الجماعي، هو في جوهره نتاج السياسة الامريكية في المنطقة أكثر من أي شيء آخر. ومن هنا يأتي التحرك السعودي السريع لاعادة ضبط الوضع الفلسطيني.هل هي صحوة عربية اذن، هل نحن ازاء تحرك سعودي ـ مصري شامل لتوكيد الارادة العربية في موازاة السياسة الامريكية التي تعيش فشلاً متفاقماً في العراق وتلقت هزيمة بالغة في لبنان؟ ليس بالامكان تقديم اجابة قاطعة علي هذا السؤال، ولكن الواضح ان اعادة بناء جادة للسياسة العربية تستدعي اعادة سورية الي الحضن العربي، وبالتحديد اعادة بناء تفاهم دول الكتلة الثلاثية. بدون هذا التفاهم سيصعب التوصل الي حل للمشكلة اللبنانية، ولا لتصور عربي مشترك لمستقبل العراق، ومن ثم التعامل مع القضايا الأقل الحاحاً. وبدون هذا التفاهم، حتي الاتفاق الفلسطيني الداخلي سيكون عرضة للمخاطر علي المدي المتوسط والبعيد. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية