لا شك أن ما يحدث في مصر هذه الأيام محزن ومؤلم، ننظر إلى بعض أولئك الذين أكرمهم الله تعالى فكسروا قيود العبودية، وحطموا أغلال القهر والذل، بأقلّ التكاليف وأرخص الأثمان، كيف يشكرون الله تعالى على هذه النعمة، فيعيثون في الأرض فساداً، ويبطرون نعم الله ويزدرونها، يحرّضهم على ذلك قوم لا خلاق لهم من المنتفعين من نظام العسف والقمع السابق، وقومٍ من السياسيين كانوا ولا زالوا عقبة في سبيل أيّ إصلاح، وعثرة في طريق الاستقرار، فهم يدّعون الفهم في السياسة، والتفوق في فنونها، ولا نرى منهم إلا حبّاً للرياسة والسلطة، ساء بعضهم أن يهزموا في أول انتخابات شرعية ونزيهة بشهادة العالم، فدأبوا على وضع العصي في العجلات، كلما قامت الشرعية المنتخبة بخطوة، وقفوا لها بالمرصاد، وكأنّما وظيفتهم الاعتراض والخلاف، يغشون الأمة من حيث يدّعون نفعها وخيرها، ويفشلون أي مشروع يحاول أن يدفع نحو الخطوة الأولى في مسيرة الإصلاح والتغيير، يحاولون إطفاء أي بارقة أمل تنهض بالناس من حالهم المتردي، يساعدهم في جهدهم هذا قلة وعي عند كثير من هذا الشعب المقهور الذي كان محروماً من أبسط حقوقه في الحرية والعيش الكريم، ومناخ شاع فيه الحجر على الأفواه والأقلام لزمن طويل، ثمّ كسرت السدود، فضاعت من تدفق مائها الحدود، فما عاد يميّز كثير من النّاس الفرق بين الحريّة والفوضى والنقد والتجريح، مع وجود صحف وكتّاب مأجورين كانت مهمتهم في عهد الظلم والطغيان التطبيل والتزمير، ينفخون في شرارات الفتن لإشعال الحرائق، ويسخرون من الشرعية المنتخبة بشتّى الصور والأشكال، ويتتبعون العثرات ويضخّمون الأخطاء والزلات، ويجرّحون أعيان الأشخاص، و يثبّطون الهمم، ويتلاعبون في عواطف أغرار من الشباب يطمحون لحياة أفضل، يريدون أن تظهر نتائج التغيير وثمراته لحال استقر وتراكمت أخطاؤه خلال خمسين عاماً في أشهر لم تكمل بعد سنتها الأولى.فتعطّلت المصالح وتوقفت العجلة عن الدوران، وانتقل الأمر إلى معالجة النتائج الطارئة عن الفوضى، والمعالجة احتاجت إلى معالجة وهكذا دواليك، فسفكت الدماء، واعتدي على الممتلكات العامة والخاصة، واختلط الحابل بالنابل، وكلّ يدلي بدلوه، ويدّعي احتكار الحقّ ومصلحة الوطن والأمّة، وكادت أن تضيع مصر وتضيع معها الأمّة.لا أعتقد أنّ أحداً لم يكن يتوقع بعض الفوضى في المرحلة الانتقالية فهذه طبيعة الثورات، وكدنا نطير من الفرحة عندما ظننا أن الأمر مرّ بسلام، وأنّ الانتقال كان سهلاً وسلساً، أذهل العالم في قلة تكاليفه وسلبياته، ولكن ما إن جرت الانتخابات الشرعية النزيهة لأولّ مرة منذ زمن طويل في تاريخ مصر، وتفوّق فصيل سياسي على الآخرين بنسبة قليلة، حتى بدأ الكيد والمكر في الليل والنهار، فلا الفائز في الانتخابات استطاع أن يزرع الطمأنينة في قلوب المنهزمين، و هم لم يسلّموا له ويتركوه يتلمس طريقه في تدبير شؤون البلاد، و إدارة الأزمات وإعادة النظر في الإجراءات والسياسات، حتى وصلنا إلى هذا الحال الذي لا يسرّ صديقاً ولا يحزن عدواً.أكتب هذه الكلمات من سوريّة وأصوات قصف الطائرات وقذائف الراجمات تقرع أذني، وهي تنهمر مثل المطر على المدن والأحياء، ولا تفرّق بين صغير و كبير أو بين امرأة ورجل أو بين ثائر حمل السلاح أو إنسان لا يجد ما يسدّ به رمقه.أكتب هذه الكلمات وأنا أرى مئات الجثث يومياً، منها من قضى تحت الأنقاض، ومنها من قتل في المعتقلات ورمي في الأنهار، ومنها من مات تحت التعذيب ومنها…أكتب هذا ومئات الألوف من أبناء وطني وراء القضبان في الزنازين و المعتقلات ليس لأنّهم مجرمون بل لأنّهم قالوا : لا، بل إنّ كثيراً منهم لم يقولوها حتى.أكتب هذا وأنا مهجّر مشرّد مثل الملايين من أبناء سورية، تركنا بيوتنا التي هدّمت أو سرقت ونهبت، وخرجنا هائمين على وجوهنا، نطلب النجاة لأطفالنا ونسائنا، منّا من وجد مكاناً يأوي إليه، ومنّا من وجد خيمة خارج حدود الوطن، ومنّا من لم يجد إلا العراء والبرد والجوع.أكتب هذا وأنا مهدد في أية لحظة بالقتل والتنكيل وفي أحسن الأحوال بالاعتقال والرمي في غياهب السجون إن خرجت من التحقيق حيّاً.أكتب هذا ونحن بلا مدارس ولا مستشفيات ولا كهرباء ونكاد لا نحصل على رغيف الخبز إلا بشقّ الأنفس.فاتقوا الله يا ساسة مصر في شعب مصر، اتقوا الله فينا في سوريّة بقيّة ثورات الربيع العربي، اتقوا الله في الأمّة العربيّة فمصر كانت ومازالت قائدة الأمّة و قدوتها، والتحديات كبيرة وكثيرة، ففلسطين مازالت سليبة، والأمّة مستضعفة، والجروح غائرة، كلّ ذلك يحتاج مصر القوية، مصر الظاهر بيبرس والقائد قطز.أكتب هذه الكلمات وأنا أعتقد أنّها لسان حال السوريين بل لسان حال كلّ عربي ومسلم حفظ الله مصر وشعب مصر وأعاد لها الأمن والأمان والاستقرار.عبد عرابيحمص – سوريةqmn