أمير المفرجي’ الأحداث الأخيرة المتعلقة بتصفية نوري المالكي لمعارضيه، تثير القلق وتحبس الأنفاس بما سوف تحمله من تداعيات خطيرة على المجتمع العراقي ونسيجه المشتت، جراء الاختلاف في الرؤية وتعدد جهات الولاء لزعماء العراق الجديد. ومما يعطي صفة الخطورة لهذه الأحداث هو توقيتها الذي جاء مباشرة بعد عودة نوري المالكي من واشنطن ولقاءه بالرئيس الأمريكي اوباما من جهة، ولأنها تمس قمة هرم المكون السني الممانع للخط الإيراني كصالح المطلك ونائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من جهة أخرى. وعلى الرغم من ان هذا النوع من الصراع على السلطة بين القطبين المهمين في الساحة السياسية العراقية لم يكن من ولادة اليوم، نتيجة للطريقة الخاطئة في الاعتماد على الديمقراطية المذهبية في بناء العملية السياسية، بيد ان الإطار والحدود التي أحاطت (عنتريات) المالكي الأخيرة ضد (شركاء) له و (أصدقاء) للإدارة الأمريكية في العملية السياسية قد فاقت الحد المعقول، واجتازت حدود سقفها مفهوم الشراكة والمحاصصة الذي أوجدته الإدارة الأمريكية نفسها، نظرا للاتهامات الخطيرة التي تضمنها هذا الحدث، وبعد وقت قصير جدا من عودة نوري المالكي من واشنطن إلى بغـداد، بعد تشاوره الأخير مع الرئيس الأمريكي اوباما فيما يتعلق بمستقبل العملية السياسية غداة الانسحاب الأمريكي من العراق. فما يا ترى هو موقف الرئيس اوباما وما قال لضيفه المالكي فيما يتعلق بالموقف الرسمي الأمريكي القادم؟ وما يا ترى من جديد في رد المالكي من هذا الموقف الأمريكي للفترة القادمة والتغيرات الحاصلة حاليا في منطقة الشرق الأوسط وسورية بالذات؟ فهل عاد المالكي قويا من واشنطن بضوء أخضر أمريكي ـ إيراني معلنا بنجاح التجربة الطائفية التي زرعتها إيران في المنطقة. أو بالعكس فقد تم إخباره عن تخلي الإدارة الأمريكية من الاستمرار في دعمه وانتهاء دوره بعد وصول الحالة السورية إلى طريقها النهائي وقرب سقوط نظام بشار الأسد الحليف له ولإيران. للجواب على هذه الأسئلة وقراءة أسباب هذه الأحداث، وجب معرفة الموقف الأمريكي الرسمي من حكومة نوري المالكي، الذي تم إعلانه له من خلال زيارته الأخيرة. فحالة التصدعات الأخيرة بين شركاء العملية السياسية ومحاولة إقصاء رموز المكون السني لا تتوافق مع إستراتيجية الخط الأمريكي الرسمي الرامي إلى إبعاد النفوذ المذهبي القريب من إيران من العملية السياسية في العراق. وهذا ما يقودنا إلى قراءة عميقة لحقيقة الموقف الأمريكي الذي أعلنته مؤخرا الإدارة الأمريكية لضيفها نوري المالكي، وما مدى تأثر هذا الأخير سلبا أو إيجابا بنوايا الرئيس اوباما التي تتعلق بالملف العراقي للفترة القادمة.
وقد تــُفهم هذه الأحداث تارة على إنها مؤشرات تعكس صلابة وقوة موقف نوري المالكي ودعم إدارة اوباما له في التشبث في السلطة، وكما يمكن قراءتها في نفس الوقت على أنها نوع من أنواع الهروب إلى الأمام بعد فشل التجربة الطائفية الديكتاتورية التي ميزت فترة حكم الأحزاب المذهبية، وبالتالي سحب البساط الأمريكي من تحت أقدام الأحزاب القريبة من إيران مع قرب سقوط نظام بشار الأسد. من هذا المنطق فقد تترجم تصرفات المالكي الأخيرة بتصفية شركائه (السابقين) في العملية السياسية على انها عملية استباقية دفاعية تضمن بقاءه في السلطة بعد تخلي الولايات المتحدة من دعمها للعملية السياسية الحالية وإنهاء دعمها للمكون الطائفي القريب من إيران. وبغض النظر عن طبيعة نوايا نوري المالكي الأخيرة في إنهاء معارضيه فثمة مؤشرات واضحة تكشف على إنها تخفي في طياتها وتصرفاتها شعورا بالخوف من المستقبل بعد تغير الحالة السياسية في سورية واحتمالات تدخل الدول العربية كالسعودية فى شؤون العراق التي تساند زعماء المكون السني والأحزاب القريبة منهم.
فثمة مؤشرات مهمة عكستها تحديات المالكي الأخيرة للعملية السياسية القائمة مع شركاءه. فمن غير المستبعد في أن يكون مصدر موضوع تلفيق تهم الإرهاب الموجهة إلى طارق الهاشمي وتياره القريب سياسيا من عقيدة الإخوان المسلمين في سورية، قد صدر من إيران في محاولة منها للضغط على دول الجوار وبالأخص المملكة العربية السعودية ودول الخليج لتخفيف الضغط عن النظام السوري الذي يعتبر الحليف الاستراتيجي للنظام الإيراني. وفي نفس الوقت قد لا تكون إيران بعيدة عن كل ما يحدث لأنها في النهاية الجهة الوحيدة المستفيدة من إبعاد المكون السني المعادي لها. لقد استفادت إيران من الوجود الأمريكي في العراق، وستستفيد حتما من انسحاب القوات الأمريكية عن طريق الضغط على حلفائها لخدمة مصالحها لتثبيت مواضعها تحسبا للمخاطر القادمة التي ستهدد مصالحها في سورية وجنوب لبنان.
وبغض النظر عن موقف الولايات المتحدة وأسبابه في صلابة الموقف الشخصي لنوري المالكي أو ضعفه، وبغض النظر أيضا من ان هذه الأحداث قد تترجم دعم إدارة اوباما له في التشبث في السلطة، أو على انه نوع من أنواع الهروب إلى الأمام، بعد فشل التجربة الطائفية الديكتاتورية ونهاية العملية السياسية، فلم يكن انتظار العراقيين طويلا في سماع ورؤية انفجارات جديدة كالتي فجرها نوري المالكي غداة عودته من واشنطن، بعد أن ترك الاحتلال الكثير من الألغام المؤقتة والجاهزة لتدمير الدولة وشرذمة المجتمع العراقي والمتمثلة في حالة الفوضى المذهبية الداعية إلى تقسيم العراق والتي تتحمل مسؤولية تفجيرها سياسة التفرقة والإقصاء التي تمارسها أحزاب العملية السياسية العراقية قاطبة في بغـداد. لقد فشلت الأحزاب السياسية العراقية التي جاءت بعد 2003 في تحقيق أهداف العراقيين المشتركة في الوحدة وإعادة مجد العراق وشعبه بسبب فقدانها لرؤية وطنية ولولاء رموزها إلى دول الجوار. ان ما حصل أخيرا في العراق هو إشارة خطيرة تنذر بسقوط العملية السياسية واحتمالات الرجوع إلى حالة من الاحتراب الداخلي بعد فشل هذه الأحزاب في الحفاظ على ما تبقى من الدولة العراقية ووقف مسار سقوطها الذي بدأ بالغزو الأمريكي.’ كاتب من تيار المواطنة العراقي