الدوحة ـ «القدس العربي»: أدخلت المناورات الإسرائيلية واستمرار سياستها الاحتلالية ومشاريع واشنطن المعلنة عن خطط تهجير سكان قطاع غزة، مسار الوساطة لاستكمال تنفيذ مراحل وقف إطلاق النار في حالة جمود، مع مخاوف الوسطاء من أي انزلاق يعصف بكل ما تحقق مع كل الجهود التي بذلت والمسار الطويل من المفاوضات، واحتمالات إشعال فتيل أزمة مستعصية في الأراضي المحتلة.
وساهمت سياسات المتطرفين من تل أبيب وواشنطن في وضع جميع الاتصالات السابقة خارج المسار الصحيح لإطلاق مباحثات جادة لوقف إطلاق النار، وإدخال صفقة الأسرى في حالة جمود. وتُوجه أصابع الاتهام لتل أبيب بسبب العراقيل المتعددة والمتعاقبة التي تضعها أمام الوسطاء، وتمنع استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، والعودة لنقطة البداية في نهاية كل مرحلة، من دون خلق أي فرص للمضي نحو المراحل اللاحقة من الاتفاق. ومع أي التزام من قبل فصائل المقاومة في تنفيذ بنود الاتفاق في الموعد المحدد، تكون سلطات الاحتلال في محاولات مستمرة للتنصل من الكثير من بنود الاتفاق، وتحديداً ما تعلق بإدخال المساعدات لسكان القطاع المحاصر، أو الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها.
وتزعم سلطات تل أبيب وعلى رأسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن حركة المقاومة الإسلامية حماس، لم تتجاوب مع المقترحات الأمريكية، بشأن وقف إطلاق النار وهي إشارة لدعوة واشنطن الحركة الفلسطينية إطلاق سراح جميع المحتجزين لديها وجثامين القتلى منهم. وتهدد تل أبيب بتصعيد الوضع في حال لم تسلم حماس مزيدا من المحتجزين الإسرائيليين من غزة، لكن بالمقابل ترفض العناصر المتطرفة في حكومة بنيامين نتنياهو تقديم أي تعهد بتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، والالتزام بالمراحل المتفق عليها والتي أعلن عنها من الدوحة. وتأتي تصريحات سلطات الاحتلال بشأن تصوراتها عن إنهاء حرب الإبادة متناقضة، وغير واضحة بشأن انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع بشكل كامل.
التزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار؟
تشدد العديد من الأطراف على ضرورة تحرك الأطراف الضامنة وبشكل عاجل لدفع سلطات الاحتلال الإسرائيلي الالتزام بتعهداتها بشأن وقف إطلاق النار وحلحلة الأزمة والحيلولة دون تصعيد الوضع، ودون ترك مساحة للمتطرفين من وزراء بنيامين نتنياهو لقيادة دفة القرارات نحو التشدد وفرض المزيد من التعقيدات. ويأتي ذلك، في وقت سجل فيه العديد من المراقبين التزام حماس بالاتفاق، وسعيها الجاد الوصول لمشاورات المرحلة الثانية، مدفوعين برغبة سكان القطاع المحاصر تنفيذ القرارات المتعلقة بإدخال المساعدات الحيوية والملحة في ظل الظروف القاسية التي تواجههم.
وأكدت العديد من التصريحات أن قرار تل أبيب منع المساعدات عن القطاع المحاصر، مؤشر سلبي من شأنه تعقيد الوضع، والانقلاب على مسار الوساطة. ومؤخراً اعتبر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، أن هناك طرفا (إسرائيل) يحاول أن يتحلل من التزاماته المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.
وأكدت قطر والقاهرة التزامهما استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، مع تشديدهما على ضرورة تحرك واشنطن للضغط على تل أبيب.
وتأتي المخاوف بعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ووقعته حركة «حماس» وسلطات الاحتلال في 19 كانون الثاني/يناير الماضي، لكن تتنصل تل أبيب من استمرار مسار استكمال مراحله المقبلة. وتدرك قطر ومصر حجم المسؤولية على عاتقهما في إطار جهود الوساطة، مع محاولات سحب البيت الأبيض للمسار، من أجل ممارسة تأثير على بنيامين نتنياهو ودفعه للاستمرار في مسار المفاوضات حتى استكمال تنفيذ اتفاق وقف القتال.
مناورات إسرائيلية
ضمن سياقات تراجع تل أبيب عن مسار اتفاق وقف إطلاق النار وتضليل قرارات تنصلها من تنفيذ التزاماتها، تراهن على افتعال قضايا جانبية، تعتبر تنفيساً لأطياف من جمهور تل أبيب، ومنها توجيه اتهامات لقطر الدولة الراعية لمسار الوساطة لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة.
وانتقدت الدوحة ورفضت بشكل قاطع ما وصفتها بـ«الاتهامات الكاذبة» التي طالتها من قبل جهات عبرية، واعتبرت الأمر بمثابة محاولة غير سوية للابتعاد عن الوساطة.
وانتقدت قطر ورفضت ما وجهه لها جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» وربطه المساعدات القطرية بهجوم 7 أكتوبر 2023، واعتبرتها «مثالاً آخر على الانحراف وتشتيت الانتباه الذي تحركه المصلحة الذاتية والحفاظ على الذات في السياسة الإسرائيلية». وتشدد الدوحة في تصريحات المسؤولين والقيادات وفي مختلف المناسبات، أنه لم يتم تسليم أي مساعدات قط إلى الجناح السياسي أو العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس». وجاء الرد القطري قوياً في عباراته والتأكيد بلغة مباشرة: «من المعروف جيداً في إسرائيل ودولياً، أن جميع المساعدات التي تم إرسالها من قطر إلى غزة نُقلت بعلم الحكومات الإسرائيلية السابقة وأجهزتها الأمنية بما فيها شين بيت، وبدعمها وتحت إشرافها، وأي مساعدات لم تُسلّم إلى أي من جناحي حماس السياسي أو العسكري». وتنطلق بعض التصريحات المستفزة لقطر، من كون الدوحة تستضيف مكتب حماس السياسي منذ العام 2012، في حين تشدد الدوحة أن القرار كان بتنسيق أمريكي، لفتح قناة اتصال مع الحركة، حيث لعبت قطر دوراً محورياً في ضمان التوصل إلى الهدنة الهشة في غزة، إذ توسطت بين حماس وإسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة ومصر.
وتضيف قطر مخاطبة المتطرفين في تل أبيب: «في هذا المنعطف الحاسم، على شين بيت وأجهزة أمن إسرائيلية أخرى التركيز على إنقاذ من تبقى من الرهائن وإيجاد حل يضمن الأمن الإقليمي الطويل الأمد، بدلاً من اللجوء إلى تكتيكات مضللة». وترى الدوحة أن «المزاعم بأن المساعدات القطرية وُجّهت لحماس كاذبة جملة وتفصيلا وتمثل دليلا على نية المتّهِمين إطالة أمد الحرب».
واشنطن منزعجة
تنتشر في كواليس البيت الأبيض اتهامات مباشرة وفي السر، يوجهها مسؤولون أمريكيون لإسرائيل، بشأن عرقلة ساسة في تل أبيب جهود إنهاء الصراع واستكمال مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار مراحل تسليم المحتجزين والأسرى، بما فيها تراجع جيش الاحتلال عن المناطق التي يحتلها.
كما انتقدت دوائر في واشنطن محاولات تل أبيب إفشال المحادثات السرية التي أجرتها الولايات المتحدة مع حركة حماس في الدوحة، بهدف التوصل إلى اتفاق للإفراج عن محتجزين أمريكيين.
واعتبرت مصادر عبرية أن إدارة الرئيس دونالد ترامب، لم تُطلع إسرائيل مسبقاً على مفاوضات أجرتها مع حماس في قطر، خشية أن تعرقلها أطراف في تل أبيب. وتبدي حكومة بنيامين نتنياهو قلقاً من تداعيات أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وحماس، وهو ما دفع بعض الأطراف للعمل على عرقلة الاتصالات.
وكشفت المصادر العربية، أن إسرائيل علمت بالمحادثات السرية عبر قنوات غير رسمية، ما دفعها إلى التواصل مع البيت الأبيض للاعتراض عليها، وهو ما دفع عددا من المسؤولين الأمريكيين اتهام إسرائيل بتسريب تفاصيل المفاوضات إلى الإعلام بهدف إحباطها.
ويتردد ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس دونالد ترامب للشرق الأوسط، على الدوحة بهدف دفع المفاوضات نحو صفقة تشمل إطلاق سراح المحتجزين الأمريكيين، مع احتمالات ضئيلة لصفقة أوسع تشمل جميع الأسرى بغزة. وتخشى مصادر إسرائيلية من تفاصيل الاتفاق الذي قد تصل إليه واشنطن مع حماس، وامكانية أن يكون على حساب مطالب بإطلاق بعض الأسرى الفلسطينيين مقابل المحتجزين الأمريكيين، وهو أمر قد ترفضه حكومة نتنياهو، ويستفزها لـ«التشويش» على واشنطن، الممتعضة من هذه المناورات.
كتائب القسام تهدد
أمام المناورات الإسرائيلية، والتهديد بالعودة للحرب، تؤكد كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، التزامها وقف إطلاق النار الساري في قطاع غزة منذ كانون الثاني/يناير.
ومؤخراً شدد المتحدث باسم الكتائب أبو عبيدة في رسالة مصوّرة أنه «رغم كل محاولات العدو المراوغة والكذب والتَّحايل المعهود… آثرنا ولا نزال نؤثر الالتزام بالاتفاق حقناً لدماء أبناء شعبنا ورغبة في سحب الذرائع التي يحاول العدو جاهداً اختلاقها واحتراما لتعهُدات الإخوة الوسطاء من الأشقاء».
وأمام لغة التأكيد على احترام التعهد بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، تحذر القسام من أن «أيّ تصعيد للعدوان على أهلنا سيؤدي غالباً إلى مقتل بعض أسرى العدو كما حدث من قبل في الكثير من الحالات»، في إشارة إلى اتهامات سابقة وجّهتها حماس إلى إسرائيل بقتل العديد من الرهائن بضربات نفّذتها ضد مناطق في القطاع. وفي ما يؤشر الى هشاشة الهدنة، أعلن الجيش الإسرائيلي شنّ غارة جوية استهدفت ما يزعم أنهم عدد من المشتبه بهم الذين كانوا يقومون بزرع عبوة ناسفة قرب عسكريين (إسرائيليين) ينشطون في شمال قطاع غزة. وبالمقابل صرح حازم قاسم، متحدث حركة حماس، أن الوسطاء يواصلون اتصالاتهم من أجل إلزام تل أبيب بالبدء بمفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة، الذي تنصل منه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وتؤكد حماس أن الوسطاء وعلى رأسهم قطر ومصر والولايات المتحدة، يواصلون اتصالاتهم من أجل ضمان تنفيذ باقي مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، وإلزام الاحتلال بالبدء بمفاوضات المرحلة الثانية من الاتفاق. وحتى الآن تؤكد «حماس التزامها بكافة مراحل الاتفاق، وتأمل أن تثمر اتصالات الوسطاء عن إكمال تطبيق مراحل الاتفاق من جانب الاحتلال الإسرائيلي». ويخشى الجميع من محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مدعوماً بضوء أخضر أمريكي، تمديد المرحلة الأولى من الاتفاق، الذي دخل حيز التنفيذ في 19 كانون الثاني/يناير 2025، للإفراج عن أكبر عدد ممكن من الأسرى الإسرائيليين من دون تقديم مقابل أو استكمال الاستحقاقات العسكرية والإنسانية المفروضة في الاتفاق خلال الفترة الماضية.
رفض تهجير الفلسطينيين
تزامناً ورصد الوسيط القطري تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، تتحرك الدوحة في المحافل الدولية، للتأكيد على ضرورة إنهاء الأزمة في غزة عبر مسار المفاوضات، واحترام تطلعات الشعب الفلسطيني. وشاركت قطر في القمة العربية الطارئة في القاهرة والتي اعتمدت المشروع المصري لإعادة إعمار قطاع غزة، وتأكيد الزعماء المشاركين فيها على رفض تهجير الفلسطينيين من القطاع.
وأكد أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية هي أساس الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط. وأضاف أمير دولة قطر أنه شارك بالقمة العربية غير العادية بالقاهرة، وتداول مع زملائه آخر مستجدات قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما عبر عن تطلع قطر لتضافر الجهود وتكثيف العمل والتنسيق الجماعي مع جميع الأشقاء العرب لدعم الشعب الفلسطيني في نيل كامل حقوقه المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية.