اتّفاق السلام الإماراتيّ الإسرائيليّ قراءة في الأبعاد المستقبليّة

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”:تخلص دراسة صادرة عن مركز “مدى الكرمل” في حيفا داخل أراضي 48 للقول إنّ حالة التطبيع أو العلاقات الرسميّة مع إسرائيل تحتاج الآن إلى موقف فلسطينيّ جامع لا تتقاذفه المصالح والأموال والحقائب مَهما كانت لأن الخاسر الأوّل والأخير القضيّة الفلسطينيّة والشعوب العربيّة، في ظلّ رابح واحد هو التحالف الأمريكيّ الإسرائيليّ. الدراسة بعنوان “اتّفاق السلام الإماراتيّ الإسرائيليّ قراءة في الأبعاد المستقبليّة” تستنتج من الوضع السياسي الناشء بعد الكشف عن اتفاق التطبيع بين الإمارات ودولة الاحتلال إنّ كارثة الانقسام الفلسطينيّ، الذي غذّته أطراف دوليّة وإقليميّة، وكان سببًا في ما وصلت إليه القضيّة الفلسطينيّة من تآكل، وتخلٍّ عربيّ غير مسبوق، ستُلْحِق الضرر بالقضيّة الفلسطينيّة إن لم يتدارك القادة الفلسطينيّون بأنفسهم خطيئتهم وخطاياهم، وقبل أن يوجّهوا الاتّهام إلى قادة عرب سعوا لتوثيق علاقاتهم بالإدارتَيْن الأمريكيّة والإسرائيليّة من أجل البقاء سيفًا مسلَّطًا على شعوبهم. وتتابع ضمن استخلاصاتها “لكي تُختتَم فصول هذه المهزلة العربيّة التي تُنذِر بمستقبل مظلم، على الجامعة العربيّة (التي تلتزم الصمت حتّى الآن بانتهاك مبادئها وقراراتها) أن توجّه دعوة لإسرائيل للانضمام إلى الجامعة وبأيّ مسمّى جديد لا يحمل جمعًا ولا عربًا، قبل أن تنفضح عروبتها وتنكشف عورتها بسيل من الاتّفاقيّات المتبادلة مع إسرائيل، وتوضع القضيّة الفلسطينيّة والشعب الفلسطينيّ قربانًا للجبن والخزي العربيَّيْن”. وترى الدراسة أنه لم يكن توقيع الاتّفاق الإسرائيليّ الإماراتيّ للإعلان عن بدء علاقات دبلوماسيّة رسميّة بين البلدين مفاجئًا، إذ وضع في السياق الطبيعيّ لعمليّات التطبيع المتسارعة التي سبقت الاتّفاق، على المستويات كافّة من مجموع الدول الخليجيّة. بَيْدَ أنّ المفاجأة كانت برأيها في محاولة الإمارات التغطية على سقوطها المدوّي، بأن نصّبت من نفسها حاميًا ومتحدّثًا عن القضيّة الفلسطينيّة، وبزعم أنّ ما اتُّفِق عليه كان مبرّرًا للحفاظ على القضيّة والأرض الفلسطينيّة، بإيقاف الضمّ، وإحياء عمليّة السلام المتوقّفة، دون أن تعلم أنّ مجرّد الحديث على نحوٍ فرديّ دون صاحب الحقّ مَدعاة للقلق، إذ إنّ عمليّة التطبيع من قِبل الإمارات مع إسرائيل كانت تسير إلى منتهاه دون أن تحرّك  الأولى ساكنًا إزاء ما تتّخذه  الثانية والولايات المتّحدة الأمريكيّة من خطط وخطوات أحاديّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة وقياداتها. وتنوه أن تباهي قادة الإمارات بعمليّة تأجيل الضمّ هو إجرام وصكّ اعتراف بأنّ لإسرائيل الحقّ في الأرض الفلسطينيّة، وأنّ الضمّ سيجري إرجاؤه لا إلغاؤه، وهو ما كان تبريرًا فظًّا غير مسؤول. فلم تكن الاتّفاقيّة بين الإمارات وإسرائيل إلّا خروجًا عن المبادرة العربيّة التي كبّلت الفلسطينيّين لسنوات، حينما فرضها الإجماع العربيّ في قمّة الجامعة العربيّة في بيروت، تلك المبادرة التي لم تتعاطَ معها إسرائيل حتّى يومنا هذا، وفُرِضت أثناء محاصرة الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات، الذي لم يضمن أيٌّ من القادة العرب عودته إلى المقاطعة في رام الله إذا غادر لحضور القمّة العربيّة في بيروت، حين هدّد رئيس الوزراء الإسرائيليّ شارون بأنّ عرفات لن يكون بإمكانه العودة إلى رام الله إذا غادر لحضور القمّة وهو ما مثّل آنذاك تحدّيًا للقادة العرب المجتمعين، الذين أصدروا مبادرة السلام العربيّة، ليأتي التحدّي الصارخ اليوم من قِبل الإمارات لمُجْمَل الالتزامات العربيّة، ليمثّل انقلابًا خطيرًا على القضيّة الفلسطينيّة، ستكون له ارتداداته وانعكاساته حاليًّا ومستقبليًّا.

الهرولة إلى التطبيع

وطبقا للدراسة عمدت إسرائيل إلى استغلال ما يجري من تطبيع في المجالات التي ذكرناها سابقًا، بغية بناء إستراتيجيّة جديدة تستثمر من خلالها عمليّة التطبيع المتسارعة في ظلّ بيئة دوليّة وإقليميّة متغيّرة، في سبيل الوصول إلى تأسيس علاقات رسميّة مع الإمارات العربيّة المتّحدة. وتضيف “دخلت الإستراتيجيّة الإسرائيليّة، منذ 2019 مرحلة جديدة من التطبيع، إذ انتقلت لتدشينها باتّفاقيّات بدء العلاقات الرسميّة، دون بقائها مقتصرة على الجانب السياسيّ والأمنيّ والاقتصاديّ والثقافيّ والإعلاميّ والتكنولوجيّ بين إسرائيل والعرب، بل طالت ثوابتَ الأمن القوميّ العربيّ والموقف من القضيّة الفلسطينيّة، على غرار تأييد دول عربيّة للخطّة الأمريكيّة”. مشددة على أن حالة الانقسام والترهّل الفلسطينيّ بشكله المتزايد كانت فرصة لمضاعفة تباعد الرديف العربيّ من خلال اصطفافات عربيّة وإقليميّة لطرفَيِ الانقسام، ممّا دفع الإدارة الأمريكيّة والحكومة الإسرائيليّة أن تستخدم ماكنتها السياسيّة والإعلاميّة لعزل القضيّة الفلسطينيّة عن محيطها العربيّ، ووضْعها في ذيل الاهتمامات العربيّة، مع حلول التطبيع وإقامة العلاقات الدبلوماسيّة الرسميّة بديلًا عنها.

كما تضيف إلى ذلك دخول معظم الدول العربيّة في ثورات ما بات يسمّى الربيع العربيّ، على الرغم من فشلها، ونشوب الفوضى وعودة الاستبداد إلى أغلب الدول العربيّة بأقوى ممّا سبق. وبات ما يُعْرَف بخطر التهديد الإيرانيّ والجماعات الإسلاميّة المتشدّدة والمسلّحة أهمّ من الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وبالتالي جرى التحوّل صوب الاهتمام بوحدة في المصالح بين الأنظمة العربيّة وإسرائيل، لمواجهة تلك الأخطار، في ظلّ وجود قيادات داخل الأنظمة العربيّة ترفض رؤية الصراع العربيّ الإسرائيليّ باعتباره صراع وجود، بل لقد باتت بعض تلك الأنظمة تروّج لحقوق يهوديّة في فلسطين. وتنبه إلى تجاوز مبادرة السلام العربيّة، عبْر إحياء نظريّات السلام الاقتصاديّ، والفوائد التي ستجنيها الاقتصادات العربيّة من جرّاء التبادل الاقتصاديّ والتكنولوجيّ مع إسرائيل، واستغلال حالة الهرولة لدى الحكومات العربيّة باتّجاه التطبيع وإقامة علاقات رسميّة مع إسرائيل، وهو ما جعل من تلك المصالح القُطْرية (على حساب المصالح القوميّة) الحَكَمَ في العلاقات العربيّة والإسلاميّة. وتتابع “أصبحت إسرائيل حليفًا وصديقًا لبعض الدول العربيّة ضدّ دول عربيّة وإسلاميّة غيرها. وأصبحت هذه الدول المتحالفة مع إسرائيل تقدّم خلافاتها مع الدول العربيّة والإسلاميّة على خلافها مع إسرائيل، ليتبقّى في هذه الحالة التفاوض على القضيّة الفلسطينيّة بين أطراف متقاربة تحكمها علاقات سلام ودّيّة، يكون فيها التفاوض على ما تبقّى من فلسطين التاريخيّة، إن تبقّى، والضغط على الفلسطينيّين وقيادتهم للتنازل عن حقّ العودة والقدس واللاجئين، والاعتراف بيهوديّة دولة إسرائيل، للحصول على دولة فلسطينيّة مقطّعة الأوصال في ما تبقّى من الضفّة الغربيّة وقِطاع غزّة”.

إدارة ترامب

وبرأي الدراسة سنحت الفرصة من قِبل إسرائيل لاستغلال انتقال رئاسة الولايات المتّحدة الأمريكيّة إلى قيادة دونالد ترامب، وتحوُّله من الانحياز لإسرائيل إلى الشراكة الكاملة، والتماهي مع المشروع الصهيونيّ، وضغطه المباشر على الدول العربيّة التابعة له، للمُضيّ قُدُمًا بالانتقال من مشروع التطبيع إلى بناء علاقات رسميّة مع إسرائيل، وتصفية القضيّة الفلسطينيّة عبْر سلسلة من الخطط والمشاريع الأمريكيّة الإسرائيليّة التي “تُوِّجت” بعجز عربيّ وانقسام فلسطينيّ. وترى أن التغيُّرات التي سلف ذكرها أحدثت جملة تغيُّراتٍ في معادلة الصراع، وراكمت جملةَ مصالح مشتركة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل وأنظمة الحكم العربيّة، كسرت فيه كلّ ثوابت الصراع، وفتحت الأبوابَ على مصراعَيْها أمام تغوُّل التطبيع، لاستثمار الوهن الشامل الذي تعانيه الأنظمة العربيّة.

الخاسرون والرابحون

 

لعقود عديدة اعتبرت الدول العربيّة إسرائيل دولة عدوّة، وتعهّدت برفض كلّ أشكال التطبيع معها، قبل التوصّل إلى حلّ شامل وعادل للقضيّة الفلسطينيّة، التزامًا منها بالموقف العربيّ الموحّد، والتزامًا بمبادرة السلام العربيّة. وتشير “مدى الكرمل” لسعي الإمارات تبرير الاتّفاق مع إسرائيل بأنّه يندرج ضمن إطار أن تعلّق خطّتها لضمّ أجزاء من الضفّة الغربيّة المحتلّة. وتشدد على أن ادّعاء محمّد بن زايد أنّ الاتّفاق بين إسرائيل والإمارات هو سبب لتجميد خطّة الضمّ هو زائف لا ينطلي على أحد؛ فالأمريكان والإسرائيليّون، بل ربّما العالم كلّه، يعرف أنّ التجميد لا علاقة له بهذا الاتّفاق بأيّ شكل من الأشكال، بل هو متعلّق بأزمة إسرائيليّة داخليّة لم يتمكّن من خلالها بنيامين نتنياهو وبِنِي غانتس من حلّها، وبموقف وضغط فلسطينيَّيْن قويَّيْن ضدّ الحكومة الإسرائيليّة أنذر بانفجار. وتعتبر أنّ الهدف الحقيقيّ من اتّفاق التطبيع هو تدشين عمليّات التطبيع التي سبق أن حصلت على مرّ السنوات، وتقديم الإمارات الحصّة المطلوبة منها لحملة دونالد ترامـب الانتخابيّة وكذلك ترسيخ أقدام نتنياهو في الحكم، حيث إنّ الاتّفاق يخلّصه من مأزق الوعد الذي قطعه بالضمّ الوعد الذي ثبت عدم إمكانيّة تحقيقه.

دويلة ممزقة

وللتدليل على ذلك تضيف الدراسة، لقد انتقص آفي بريمور، سفير إسرائيل السابق لدى ألمانيا، وهو كذلك رئيس مجلس السياسة الخارجيّة الإسرائيليّة وأستاذ جامعيّ في تل أبيب، انتقص من قيمة الاتّفاق مع الإمارات، معتبرًا أنّه يأتي في إطار انتزاع حقوق الفلسطينيّين. ونَقَل عنه موقع دويتشه فيله الألمانيّ قولَهُ: “ما يجري تقديمه للفلسطينيّين مثير للشفقة فهم لا يحصلون على دولة؛ إنّهم يحصلون على دولة ممزَّقة، محاطة بإسرائيل، بدون كافّة الحقوق، أي في الواقع حكم ذاتيّ ممزّق، إن كان موجودًا على الإطلاق. هذا مخيِّب للآمال ومرير للغاية. ورغم أهمّيّة الاتّفاق بين الإمارات وإسرائيل لكنّه ليس تاريخيًّا”.

وترى الدراسة أنه في نهاية المطاف، الخاسر في المعركة الحاليّة هم الفلسطينيّون، وما جرى هو تخلٍّ جديدٌ عنهم وطعنة لهم، وكما قال إيان بلاك، في صحيفة الغارديان في 14/8/2020 التخلّي عن الفلسطينيّين ليس جيّدًا مَهما قالت آلة الغزل الإعلاميّ في تل أبيب وأبو ظبي وواشنطن. وعلّق جوناثان فريدلاند في الصحيفة نفسها بقوله إنّ الاتّفاقيّة أعطت إسرائيل مبرّرًا لكي تواصل احتلالَها للأراضي الفلسطينيّة وحرمانَ الفلسطينيّين من حقّ تقرير مصيرهم، وفوق كلّ هذا لتحصل على احترام بعض الدول العربيّة. وأضاف قائلًا إنّه يتفهّم ابتهاج الإسرائيليّين؛ إذ إنّ هذا يعني قبولًا لبلدهم في الشرق الأوسط، بسفارات ورحلات مباشرة، ولكن القبول يحتاج إلى أكثر من توقيع دكتاتور على معاهدة؛ يحتاج إلى عَقد سلام مع شعوب المنطقة لا مع طُغاتها الذين يحكمونهم، وعَقد سلام مع شعب بعينه، الشعب الذي قَدَرُهُ هو بالمشاركة في الأرض نفسها، فالجائزة من الصعب تحقيقها ولكنّها هي التي تهمّ أكثر. أما الرابح الوحيد برأيها  فهو إسرائيل التي استطاعت ترسيخَ قاعدة اعتراف مجّانيّ بها في المنطقة العربيّة، دون أن تدفع مقابل ذلك شيئًا، وإنهاءَ حالة العداء العربيّ لها، بل شطْبَ الحقّ الفلسطينيّ في أرضه، وإزاحة عبء فاجعتهم وآلامهم من على كاهل إسرائيل كقوّة احتلال واغتصاب، لتسقط على رؤوسهم وحدهم، فضلًا عن أنّ الاتّفاق الذي أُبرِم، والاتّفاقيّات اللاحقة الأخرى مع الدول العربيّة، تُعَدّ نصرًا للإدارة الأمريكيّة بقيادة دونالد ترامب”.

بعض القادم أعظم

معطيات الواقع العربيّ والفلسطينيّ، ومجريات الأحداث في الساحات العربيّة، وغبار صفقات التطبيع العربيّ مع إسرائيل، تُنبئ بأنّ القادم أعظم وأسوأ. فخطورة الاتّفاق تكمن في أنّه يُعتبَر تطوُّرًا خطيرًا، ولا سيّما أنّه يعكس خروجَ الإمارات عن الإجماع العربيّ والإسلاميّ، وضرْبَها عُرْضَ الحائط بكلّ مقرّرات القمم العربيّة والإسلاميّة. كما يشكّل هذا الاتّفاق ضوءًا أخضر لإسرائيل للاستمرار في بناء المستعمرات، وسرقة الأراضي الفلسطينيّة، وتهويد القدس، والمساس بالمسجد الأقصى والمقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة، والتنكّر لحقوق الشعب الفلسطينيّ المشروعة. وتنبه الدراسة أن هناك من ينتظر استسلام الفلسطينيين كما يستشف من قول الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب إنّ الفلسطينيّين سيسعون للسلام عندما يرون المزيد من الدول العربيّة تعقد اتّفاقات سلام مع إسرائيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية