اثر وعي اللون عند عنترة (1 من 2)

حجم الخط
0

اثر وعي اللون عند عنترة (1 من 2)

محاولة للفصل بين الصورة الشعبية للشاعر الفارس في السيرة المعروفة ووعيه بدوره من خلال معلقتهشعور الشاعر باختلاف اللون تسيد شعره وردود افعاله النفسية ولم يدفعه للنقمة والخروج من جسد القبيلةاثر وعي اللون عند عنترة (1 من 2)عبدالرزاق الماعزي كان هناك دافع لإيلاء مساحة من انتباهي، لعنترة العبسي شاعرا، وهو أنني أحسست بأنه لم يوضع دائما في دائرة إنصاف، وكان هناك بالإضافة إلي هذا الدافع مؤثران آخران، يتمثل أحدهما في الاحتجاج علي النظر إلي معلقته كما إلي القصيدة المصطلح علي تسميتها بالجاهلية، علي أنها كيان مقطع الأوصال، والآخر.. في النظر إلي عنترة من خلال أثر السيرة التي جري تداولها، وقد كانت وقفتي مع معلقة عنترة قديمة، حيث لفت نظري مثلما لفت نظر الكثيرين بيتا عنترة الشهيران:ولقد ذكرتك والرماح نواهلمني وبيض الهند تقطر من دميفوددت تقبيل السيوف لأنهالمعت كبارق ثغرك المتبسّم وهما بيتان يدلان علي امتزاج البطولة بدافع عميق، فضلا ًعن أنهما يدلان علي شفافية يحسها البطل في نفسه. وفي الوقت نفسه بدأت أحسب أن هناك وعيا مطروحا للنظر بحالة السواد في أبيات الرحيل، وقد هجعت هذه الفكرة لسنوات طويلة لدي، مؤملا أن أحاول تحسسها بشكل ما ذات مرة، وهأنا أسعي لإيقاظها هنا من دون أن أدري مبلغ قصوري في ذلك، وقد حاولت أن لا يغيب عني ـ في حيز إمكاني ـ رأي قيل حول عنترة شاعرا، وكان هدفي هنا :1 ـ أن أحاول الوصول إلي رؤية تساعد علي فهم الشاعر، والتمكن من تفسير تصرفاته الشعرية بمقاييس منبثقة من داخله، بدلا من أن يكون الملجأ إلي الأحكام البلاغية القائمة علي الاستحسان الذوقي، وذلك لكون مثل هذه الأحكام تأتي منفصلة عن رؤية شاملة مبررة، ولا تهتم بالكلية التي تربط أجزاء القصيدة الواحدة، وتفسير الحيوية الإبداعية التي تكون ألما حينا، واحتفاء ورقة حينا آخر، وتصبح غضبا ونقمة مرات، حيث يجب أن نتوقع انشداد كل جزئية في النص إلي عالم الشاعر. 2 ـ أن أتمكن علي ضوء ما أصل إليه، من البرهنة علي اتصال بين أجزاء المعلقة والنص الآخر المتناول، وهو اللامية المشهورة للشاعر. وبالنسبة للمعلقة، فقد وجدت رأيا مناقضا للاتصال حولها، إذ ينص المستشرق ريجيس بلاشير علي تفككها، قائلا في كتابه تاريخ الأدب العربي : وتتألف المعلقة التي يشك بصحتها لطولها من (85 بيتا) من موضوعات متلاصقة بأوهي الروابط ، بينما لامس طه حسين وحدة تنتظم المعلقة بقوله في كتابه حديث الأربعاء كأن القصيدة طائفة من الأنغام الموسيقية المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف ولكن فيها نغمة واحدة متصلة منذ أن تبدأ القصيدة إلي أن تنتهي ، وهذا يعني أن رأي طه حسين يدعم اتصال أجزاء القصيدة، إلا أن رأي طه حسين قام علي الإحساس وبقي من دون تحليل. وما أشعر أنه باب للتوجه لفهم أثر مثل الذي تركه الشاعر عنترة، التعامل مع النص علي أنه انعكاس لذات الشاعر، حيث في أعماق هذه الذات يكمن دليل متمثل في الدفع إلي الإنشاء، وقد ظهرت لي الدوافع حسب قراءات مختلفة في رأيين كبيرين: 1 ـ دافع الحب: وهذا الرأي أفصح عنه ريجيس بلاشير، مثلما تحدث عنه طه حسين الذي ذكر رأيه بطرح يثير مسألة الوحدة، حيث أثرت المعلقة في الذوق الجمالي لطه حسين وأحس بخيط متصل يربطها، ويبدو لي أن الرأيين قائمان علي تلمس الدافع وحده، وتجاوز طه حسين ذلك إلي إفاضة في شرح ملاحظته، دون تتبع ما يسري في تفصيلات التنوع الشعري ومنشأ اختيار التعابير والصور الشعرية. 2 ـ دافع الواقع الاجتماعي: وهذا الرأي عُبر عنه لدي عبد الله التطاوي باسم الوعي الطبقي ـ كون عنترة عبدا ـ، وفي هذا الإطار اقترب عبدالله التطاوي بشدة من ذات الشاعر، إلا أنني أتحفظ إزاء العنوان، فلم يكن عنترة منافحا عن حرية العبيد، وإن كان وجود الوعي بالانتماء إلي عالمهم، يمكن قبوله علي أنه محرك نفسي، وهو ما لمسه، وللإنصاف فان هذا الرأي بالنسبة لرؤيتي ـ يقع في المنطقة التي يمكن العبور نحو الشاعر من داخلها، وأحس أن علي أن أضيف رأياً لمصطفي الجوزو في كتابه شعر عنترة، دراسة تطبيقية علي نظريات الشك في الشعر الجاهلي لمس إحساس النقمة الاجتماعية، وهو إحساس يقع في منطقة صحيحة من نفس عنترة، لكنه في تصوري ـ يجور بعدم إيلاء ما تجلّي به في القصيدة من عناصر أخري. وما أود قوله انه من الممكن التدليل علي كلا الدافعين، الحب أو التوجه للحبيبة، والإحساس الاجتماعي بشكل ما، وهما دافعان يوجدان بشكل يمكن سبره، إلاّ أنني أود أن أضيف إلي ذلك محركاً آخر يطوي في داخله الدوافع الذاتية، هو أكثر التصاقا بشخص الشاعر، وهو وعي الشاعر باللون بوصفه المسألة الأكثر حساسية في تفكيره، وردود فعله النفسية. وقد حاولت قراءة كل ما وقع تحت يدي، حول موضوعي هذا، حتي عثرت علي رأي يطابق رأيي تقريباً، ولكنه سابق عليه بالطبع، فأبهجني ذلك، حيث أيقنت بأنني لست غريبا. ولهذا فإنني ألحقه بالرأيين السابقين الخاصين بدافع الحب والدافع الاجتماعي. لقد تضمن هذا الرأي كتاب بعنوان ظاهرة الاغتراب عند شعراء المعلقـات لمي يوسف خليف بقوله ـ ا: وعند عنترة بن شداد نجده يعقد القرينة بين ظلام الليل ولحظة البين، وبين الآلام النفسية التي تتجسد في مشاهد الفراق وصورة الوداع وحالة السكون المرتهنة به، ولعل اللون الأسود قد جسد في أعماق نفسه نمطاً من التعقيد، وسبب له ضروباً من الانزعاج والألم، بسبب من عبوديته، ولعجزه المتكرر عن تجاوز الطبقة من وراء ذلك اللون الذي خلعه ـ بالضرورة الشائعة علي مشهد الليل، فكان منطلق وحدة التصوير عنده يبدأ من هذا السواد الذي ربطه برحيل محبوبته، وكان الليل شاهداً علي ذلك الرحيل، بل كان رمزاً من رموز الغموض، ومؤشراً من مؤشرات المجهول، وإنذاراً باختفاء الركب في أعماقه السحيقة المبهمة:إن كنت أزمعت الرحيل فإنمازمت ركائبكم بليل مظلموبعدها راح يوغل في معالجة صورته منذ وصفه بالمظلم، زيادة في الدلالة علي واقعه النفسي القاتم، وقصداً إلي التعبير عن بعض ما يحمله من بغض، وما يشيع بين جوانحه من مخاوف وفزع ودهشة إزاءه، ومن ثم أعقب المشهد بتكرار القرينة اللونية، التي تكمل نفس الإطار الدلالي، حين تحدث عن الغراب (الأسود) في تشبيه للنوق التي رحلت بالقوم وفي صحبتهم المحبوبة (الظعينة) وقد اشتد سوادها، فكان السواد رمزاً لمزيد من نصوص ذلك المجهول الذي يخشاه ويترقبه، ويبدو إزاءه أشد اغترابا وأكثر فزعا:فيها اثنتان وأربعون حلوبةسودا كخافية الغراب الأسحمولا شك أن سواد (الليل) أو (الغراب) أو (النوق)، أو البحث عن رموز السواد في غيرها جميعا، يلتقي حول بؤرة واحدة أساسها الإحساس المتضخم بذلك (الغموض)، وما يبعث عليه من القلق الذي سيطر علي نفس الشاعر حتي بدا (مغتربا) إزاء كل ما حوله علي إطلاقه، سواء أتوقف بهذا الاغتراب إزاء القوي الكونية حين جسدها في مشاهد الليل والنهار، أو في تناقضات الظلام والضياء، أو ما سحبه منها علي مشاركة القرائن الأخري له في همومه، علي غرار ما عرضه من خلال الغراب أو النوق علي السواء . ويضاف إلي الرأي السابق تحليل معلقة عنترة الوارد في كتاب أساليب التعبير الأدبي، دراسة فنية ، وهو تحليل دار في فلك هذا التلمس لأثر حضور اللون الأسود والعبودية، فتعرض لتصوير الحجارة التي ذكرها في بداية القصيدة، بأنها سفع أي سود وأنها رواكد جثم ليذكرنا بالطبقة السفلي من المجتمع ـ ووصفه للإبل بالسواد وتشبيهها بخافية الغراب، وكذلك للجواد المذكور في المعلقة بصفة الأدهم بل إنه أشار أيضاً إلي ذكره الغزال الأرثم الذي شبه به امرأة، ملاحظاً أن علي أنف هذا الغزال سواداً أو بياضا، ومضي في تأكيده علي ما أردت أن أجعل منه مفتاحاً للتحقق من مصدر تلاصق الأبيات علي نحو يفسر ذاتية الإفصاح الشعري، بقوله إن قضية السواد كانت تشغله في كل المواقف، وقد تعرض الكتاب نفسه لذكر الدرهم الذي يصرف منه عنترة علي شرابه ـ كما ذكر في شعره ـ والزجاجة الصفراء والإبريق الأزهر. وهكذا فإن ذلك هو الألصق بما ظننت أنني السابق إليه. وهو مستوي رسخ في نفسي أنه يصلح أن تُقرأ نصوص الشاعر من خلاله. وأتمني أن يؤدي إدراج هذا التصور إلي تلّمس ما يسري في تفصيلات التنوع الشعري، والدلالات، ومنشأ اختيار التعابير والصور الشعرية، وما يمكن أن يفتحه ذلك من نوافذ علي نفسية عنترة. وقد كان ثمة اختيار الاتكاء علي النص وحده، للتدليل علي عمق الإحساس باللون ـ وأحدد هذا التعبير لكي أسعي لإتاحة الفرصة لملامح لونية أخري بالظهور ـ إلاّ أنه كان في تاريخ الشاعر مفاتيح لإحالات تدعم البرهنة علي وجود هذا الإحساس. ولكون الهدف هو استكشاف الوعي بالسواد، فإن ما حصرَته من الجانب الشخصي المتصل بماضي عنترة وأصله، كان اقتصاري عليه مقصودا لعلاقته بما أتناوله من أثر شعري، أري أنه محرك وثيق العري بهذا الجانب الشخصي، ولهذا كانت لي هنا وقفتان مع عنترة:إحداهما لدراسة الجانب الشخصي، والأخري لتتبع أثر اللون في النص الشعري. خلفية شخصية: 1 ـ اسم عنترة وكنيته وما لقب به: أ ـ لم أجد في أي مصدر مما علمت أن به ذكراً لعنترة، اسماً آخر له، جرياً علي العادة في أن تكون لبعض الشعراء أسماء حقيقية، وأخري يشتهرون بها، مثلما هو الحال مع النابغة الذبياني مثلا. وعلي الرغم من افتراض أحد من كتبوا في هذا الأمر، أن هذا الاسم ـ عنترة ـ كان لقبا، وأنه قد يكون لعنترة اسم حقيقي ـ ولم يورد الاسم المفترض، فإنني لا أرجح إمكان أن يندثر الاسم الحقيقي، وذلك لسببين : 1 ـ لو كان الاسم الحقيقي حسناً لآثره عنترة، أو محبوه علي الأقل، أو لأقاموه إلي جوار اللقب، فإن كان وقع الاسم سيئاً، ظل في الاسم الحقيقي ما يعوض. 2 ـ لو أنه كان سيئاً، لآثره خصومه. وفي الحالتين كان الاسم سيذيع، يدعم ذلك ما لعنترة من شأن. ب ـ واسم عنترة ورد في كل المصادر التاريخية التي رجعت إليها، بهذه الصيغة. وقد انتشر الاسم علي ألسنة العامة، بحذف التاء في الغالب. وأظن أن هذا حدث بسبب عثورهم عليه بهذه الصورة في السيرة التي كتبت في فترة متأخرة عن ظهور هذا الشاعر الفارس. ولعل هذا التحول من صيغة تأنيث الاسم، إلي حذف التاء، كان أمراً يرضي ميلاً إلي التذكير، عند من يرسمون في أذهانهم صورة لبطل يكملونها بالاسم المذكر. ومما أعان علي ذلك أن اسم عنترة قد ورد مرتين في معلقته بدون التاء الأخيرة:يدعون عنتر والرماح كأنها … أشطان بئر في لبان الأدهم ولقد شفي نفسي وأبرأ سقمها … قيل الفوارس ويك عنتر أقدمومن المهم الانتباه إلي داعيين لحذف التاء في المعلقة، أولهما: الوزن الشعري، وثانيهما هو الترخيم، والأخير لبي حاجة الوزن وسوغه. ج ـ وإذا تأملنا في معني اسم عنترة، وجدنا مغزي لأن يرتبط هذا الاسم بشخصيته، فهو يعني: الذبابة الزرقاء، وهذه لها صلة اللون بعنترة. وربما قد أعطي له هذا الاسم بالنظر لصغره وليداً، وهو بلون ضارب إلي دكنة السواد، وربما لصوته وهو يطلق صراخ الوليد، حيث تعني عنتر العنتر أنه صات، والعنتر هو جمع العنترة. علي أن هناك معني آخر للاسم هو: السلوك في الشدائد. ومن الجائز أن ينصرف الذهن إلي إرادة هذا المعني أملاً في أن يصير الطفل فارساً شجاعا. إلا أنني لا أستبعد احتمال أن يكون المعني الأخير قد غلب لاحقاً، نتيجة شجاعة صاحبه. ومع الاحتمال الآخر، وهو أن تكون الشجاعة معني أصلياً، فإنه ليس هناك ما ينفي معني الذبابة، الذي تردد كثراً وذكر قديما. وهذا المعني كان عنترة يعرفه بلا أي ريب، ويتذكره. إن الاسم ألصق هوية بالإنسان، وهو علامة فارقة لذاته. وقد ينسي الإنسان معني اسمه، إلا أن الوعي الباطن يختزن ذلك المعني، ويستحضره في ظروف مختلفة، ولا بد أن دالة اللون كانت قائمة في ذهن عنترة واستحضرها، وسنري ذلك عند تناول هذه المسألة، واحتمال استحضارها في شعره. ثانياً: الكنية ذكرت لعنترة كنيتان غير مشهورتين هما أبو أوفي و أبو المعايش، إلا أن الكنية التي تكرر ذكرها في أكثر من مصدر هي: أبو المغلس، والتي تعني: الساعي في الظلام، وهذه الكنية قد تتضمن معني الجرأة، حيث يكون السعي في الظلام دليلاً عليها، إلا أنها قد ترتبط بدلالة اللون، فهو أسود أدكن .. وهذه هي النظرة للظلام. ولعل عنترة كان يستحضر هذه الدلالة، حيث تُذكَر كنيته، أو عندما يدعي بها. ولعل مناداته بها تمت بقصد تذكيره بلونه في بعض الأحيان علي الأقل. ثالثاً: ما لُقِبَ به عنترة: لُقِبَ عنترة بعنترة الفلحاء، لشق في شفته، وذكر له لقب عنترة الفوارس، وقد أفرد له مع اثنين آخرين لقب يحملونه معاً يسيرون به ويسير معهم إذا أشير إلي أحدهم، وهو أنه أحد أغربة العرب، والاثنان الآخران هما خفاف بن ندبة والسليك بن السُلكَة. وكلا الآخرين كانا أسودي البشرة، وهذه الصفة ـ كونه غرابا ـ مشتقة من اللون بدورها. وهكذا نري أي إدراك للتمييز اللوني يُذكَر مع هذا الإنسان لإفراده. 2 ـ أم عنترة وأخوته ذُكِرَت أم عنترة علي أنها أمَةٌ حبشية سبية. وإذا تأملنا في أمرها وجدناها تتميز بالخصائص التالية:1 ـ اسمها، وهو زُبيبة . وأرجح أن هذا الاسم قد أعطي لها في مجتمع السبي، وربما من سابيها شخصياً، وذلك لعروبته ـ الاسم ـ. وقد يكون أعطي لها تحبباً، إلا أن الواضح أنه قد اشتُقَ من اللون، فهي بلون الزبيب الأسود ـ مهما كان الزبيب حلوا ـ. وهكذا فإن لونها هو علامتها المميزة. وقد يدل علي أن الاسم كان يُتَحَبب إليها به، أنه جاء بصيغة التصغير، فهي حلوة لمن أرادها لنفسه أمة، ولكنها لعنترة ـ وهو الذي يعنينا ـ أم، وهو يعي اسم أمه كدال علي السواد، حتي وإن وعي دلالة التحبب. 2 ـ أنها كانت أمة. فإذا أضيف ذلك إلي السواد، فإنه يُدرجها في أدني درجة من سلم الانتماء الاجتماعي في القبيلة، حيث كانت هناك الحرائر، ثم السبايا اللائي يقمن إلي جانب الاستمتاع بهن وإنجاب الأطفال، بخدمة المنزل والقيام علي لوازمه، وأداء بعض الأعمال اليدوية من غزل ونسيج . وتليها طبقة الإماء وهؤلاء عليهن القيام بالأعمال الشاقة التي يقوم بها عادةً العبيد، وأهمها رعي الأغنام والإبل ثم الأعمال المنزلية المجهدة . ولعل زُبيبة مع ذلك قد تمتعت بإيثار من سابيها، فلم يكن الأمر كله حطاً من شأنها، بعد أن اتخذها لنفسه، ربما بقصد استيلادها ابناً فارساً يستعين به في الشدائد، ويركن إلي نفعه عند الاحتياج إلي نصرة القبيلة، بيدٍ تُذكَر له. ولعل هذا القصد قد أعطي زُبيبة وضعاًُ أفضل، إلا أن ذلك يظل مقصوراً علي السابي، حيث تكون هناك النساء الحرائر من حول الأمة، يستعلين بامتيازهن، ويغرن منها أو من كونها أم عنترة، فيحرصن علي تذكيرها بأنها إنما هي أمة. إن الأم هي جذع في حياة ابنها، ومهما نفاها عن وعيه، فهي تعود إلي ذاكرته، ويستحضرها المجتمع له. 3 ـ سنوات العبودية:ظل عنترة فترة مهمة وطويلة من حياته عبدا. وهي الفترة التي امتدت من طفولته، حتي صار شابا. وبما أنه كان عبداً لأبيه، فلا بد أن ذلك كان يفتح لأحلامه نافذة الأمل، فيتطلع منها بغير انقطاع. والقصة الوحيدة التي تُروي في أمر تحريره ـ ومن ثم نسبته لأبيه ـ، تذكر أن ذلك حدث عندما صار فارساً يُدعي، بل ويُستَنجَد به، ولذا فمن المرجح لدي أن يكون قد تجاوز العقدين من الزمن بقليل أو كثير. وهكذا نري أنه ظل يمشي فتي بين أقرانه، يمارس واجبات العبد، ويُفرَد عن عالم الفتيان السادة ـ وإن التقي بهم في ساحة القتال ـ، لا يلصقونه بهم لأنه عبد، ولا ينال حصته من الغنائم بسبب كونه عبدا ـ وفي هذا قصة مشهورة كان الطرف الآخر فيها قيس بن زهير ـ وهو سيد عبس، وإذا كان عنترة قد وعي أمله في الحرية، فإننا نستطيع تخيل حقيقة مشاعره خلال الفترة الطويلة، وهو يرسف في قيد العبودية، التي لم يكن الشقاء الجسماني هو أهم ما يميزها بالنسبة له، وإنما إدراجها إياه في هذه الدونية، حتي إنه ظل عبداً، وحمل صفة العبد، وربما نودي بمحض العبد ، وقيل في الإشارة إليه: ذلك العبد ، أو عبد فلان وسمع ذلك عنترة علي كرهه له. 2 ـ أثر اللون في شعر عنترة مع أن ما أريد التدليل عليه، أن وعي عنترة باللون تمثل في أبيات من الشعر، فقد حسبت أنه من الممكن إضافة أمر مما يمكن أن يدعم ما يوازي ذلك، فلو أن ما حواه شعر عنترة، هو دوران دائب حول ذات تتحسس مما لحق بها، لأنتج ذلك انسلاخاً صريحاً عن أي انتماء آخر غير لون بشرته، ولكن ذلك لم يثبت علي أي حال، فماثل عنترة بذلك شاعرين كبيرين، هما النابغة الذبياني، وطرفة بن العبد، والأول كان غاضباً من قبيلته ذات مرة، وقابلاً للانفصال عنها، ولكنه ظل مفعم الإحساس بحب قبيلته، والآخر نبذ من عشيرته، ولكنه ـ ومع ما أفصح عنه من اختياراته، لم ينبذ العشيرة. وربما نستطيع أن ننتبه إلي دائرتي انتماء ـ إحداهما صريحة والأخري ضمنية ـ لنفي الانفراد، وبكون هذا النفي غير ملصق بفئة ذات لون محدد، وذلك علي النحو التالي:أ ـ هناك أربعة انتماءات تظهر صريحة:1 ـ الشعراء: لقد ضمن عنترة انتماءه إلي هذه الفئة من الناس، وهي فئة واسعة جداً بالطبع، كونها تضم القلة والكثرة، والماضي والحاضر، وذلك ببيته الأول:هل غادر الشعراء من مترَدم؟.. أم هل عرفت الدار بعد توهم؟2 ـ الأهل:والمقصود هنا هم دائرة الناس اللصيقة جداً به، ضمن القبيلة، وهي التي عبر بما يوحي بانتمائه لها، وهي التي ننظر إليها إجمالاً وتخصيصا: 1 ـ الإجمال: حيث يقابلها بأهل حبيبته: كيف المزار وقد تربع أهلها .. بعنيزتين وأهلنا بالغيلمولعل صيغة الجمع في (أهلنا) أقوي في الدلالة علي الإحساس بروح جمعية، تذوب فيها ذات الفرد. أما بالنسبة لعبلة، فإن خصها بالضمير الفردي الغائب، أقرب في الدلالة علي تعلقه بها شخصيا. 2 ـ التخصيص: حيث يشير إلي عمه: ولقد حفظت وصاة عمي بالضحي .. إذ تقلص الشفتان عن وضح الفموسنلاحظ أن ياء النسبة قد وثقت إحساس حميمية، تقرب من اتصال بادي الحضور ـ وهو اتصال البنوة ـ .3 ـ القوم: وهذه صيغة صريحة، تغني بها عنترة باحتفاء، إذ هو يفتخر ـ وإن كان الافتخار هو بذاته ـ وهي تعطي دائرة أوسع بالطبع من سابقتها ـ الأهل ـ: لما رأيت القوم أقبل جمعهم .. يتذامرون كررت غير مذممواستعمال الاسم معرفاً، أقوي في الدلالة علي من يعنيهم، وقد ذكرهم في معرض انتماء، ومن دون استحضار حالة هجاء. وكيف يفعل ذلك وهو ينضم إليهم بحماسة، أفصحت عنها كلمتان: يتذامرون، وهي تتضمن التفعيلة متحركة، مشعرة بحيوية لحظته الشعرية، ومفصحة عن احتفائه، والفعل نفسه بحركته الملصقة بالنون، مومئةً إلي حالة التضافر علي موقف، يلتحق به عنترة، وكررتُ بخاصة تكرار الراء، وهي تُشعر بالإقدام، وعدم تواني الفارس. وسوف نري هذا الإنسان غائباً وسط مجموعة في هذه اللحظة النادرة، ولا نتصوره سيتخلي عنهم، وحتي إن حدث ما يسيء إليه منهم فيما بعد، فإننا سنري عتابا. 4 ـ الفوارس: وهي دائرة ينتمي إليها عنترة مع فخر شديد، لتميزه داخلها:ولقد شفا نفسي وأبرأ سُقمه.. قيل الفوارس ويك عنتر أقدم والتعريف في الفوارس لا يشير إليهم فقط، ولكنه دال أيضاً في كون عنترة يجود عليهم بهذه الصفة بروح إنصاف، ولكي تعطيه صفتهم العالية كبرياءه، كونهم يستدعونه، ويستصرخونه. ب ـ الانتماء غير الصريح:هذا الانتماء أدلل عليه بموقفين شعريين:أ – أحدهما يقع في بداية المعلقة، والوارد أولهما في الشطرة الثانية من البيت:أم هل عرفت الدار بعد توهم وذلك لأن الوقوف علي الأطلال ناتج عن التعلق بالحبيبة، وهو لهذا التعلق مؤد إلي التعلق بالأطلال نفسها. وسنلاحظ أن عنترة قد أشار إليها باسم الدار مستخدماً أداة التعريف، كاشفاً عن ألفة المكان.ب ـ ويقع الثاني في وصف لسنام الناقة سيرد لاحقاً، إذ هو يشبهه بالبناء المقرمد، مثلما أبقي طول السفر للناقة مثل دعائم المتخيم ، والشاعر قد يظهر معرفته بالبناء المشيد بقرميد، ولكنه لا يصفه هنا في معرض نابذ، وإنما بربطه بالناقة ـ رفيقته ـ هو يستدعي ذاكرة الإقامة، وسنلاحظ أن الإقامة مؤكد عليها في الوصف الثاني باستحضار صورة دعائم ، فهذه الدعائم ترينا ميل الشاعر لأن لا يرتحل، أو علي الأقل محبة انغراسه في مكان. ودوائر الانتماء الصريحة قوية تحيط بالشاعر، ويفصح ظهورها في معرض ما ورد، عن قوة عراها، علي أننا لا يمكن أن نغفل عن وجود ما يوهن منها مثلما سبق التمثيل بالانتماء إلي الأب والحبيبة. ولعل الموقفين الشعريين الذين أوردتهما في الانتماء غير الصريح، يفيدان في حسبان ذلك لروح الألفة والاستقرار في نفس الشاعر. والذي ورد الآن لا ينفي الاغتراب الذي اتكأ عليه ما تلمسته (مي خلف) في كتابها المذكور آنفاً، وإنما العكس هو الصحيح، فهناك دائرة من الفردية تسري، وسوف أقوم بتتبعها هنا من خلال نقطة تغريب عنترة بالذات. من المهم أن أنوه هنا بأن ما أعنيه باللون هو: اللون بالإضافة إلي المزيج النفسي الصاعد منه جراء إحساس بالعناصر المرتبطة به، من اسم، وأصل، وحياة مترتبة علي الأصل . وأود أيضاً الوقوف قليلاً مع اربع قضايا هي:1 ـ النحل في شعر عنترة: لقد أشير إلي أن ما وصلنا من شعر عنترة، لا تصح نسبته إليه، إلا في القليل، وهو أقل من ثلث هذا الشعر. وهكذا، فإنه من المأمون الاكتفاء بالنظر في القليل المتمثل في:أ ـ جزء من المعلقة، ب ـ لامية معروفة للشاعر. وإن تقصي دلالة النصين ـ وهما مما لم يُشك في صحته ـ إذا وفر النماذج المطلوبة، يكفي للبرهنة علي أثر السواد، مع الانتباه إلي أن الاختلاف في الروايات في القليل المتناول، لا يغير الحكم. 2 ـ أصالة الجانب الشعري في نفس عنترة: إن الجانب الشعري في نفس عنترة أصيل، ويدل عليه رده علي اتهامه بأن شعره ليس بشيء، وتقول الرواية إنه رد علي متهمه قائلاً أما الشعر فستعلم . ونستطيع ترجيح إمكان وقوع هذه القصة من مصدرها، ونخمن أن الشاعر لم يفسح مجالاً لسردها في شعره أنفة أو استخفافاً، خاصة إذا راجعنا فحوي ردود عنترة علي محاوره التي جعلت صورته من طرف عنترة علي الأقل صورة مزرية وكان من شيم الشاعر الفارس أن يذكر خصمه في شعره مثلاً إذا كان سيداً وبطلاً ليفخر بأنه واجهه. وتدل علي الأصالة الجودة الفنية للمعلقة، التي أشيد بها قديما. وهذا الجانب يهمنا لأنه مؤشر الصدق، فنحن قد لا نستطيع تتبع دلالة هذا الأثر الشعري، وننوه به، إن لم يكن حب الشعر ممتزجاً بنفس صاحبه. 3 ـ أهمية الدافع:إن الدافع لإنشاء الشعر يشكل أهمية لسببيين، لكونه محفزاًُ لولادة العمل. ولكونه قد يُتمَثَل داخل العمل، بحيث يحتوي النص علي ما يدل عليه. إن وضعي للدافع في الاعتبار قام علي أساس تلازمه مع شرط تمثله أدبيا. وفي كلتا القصيدتين ـ المتناولتين هنا ـ، كان هناك دافع، ولم يكن بالإضافة إلي الحس الفني سوي تعيير عنترة بنسبته إلي أمه. 4 ـ اللون الآخر: وأعني به اللون الذي لا يقع علي جلد عنترة، ولا يصله بنسبه الحبشي، وسوف أنظر إلي الأمر هنا من زاويتيه الذاتية والموضوعية، وذلك علي النحو التالي:1 ـ الذاتية: إن اللون الأبيض لا يمكن له أن يكون منفياً بشكل نهائي من حياة أي إنسان ـ مهما كان لونه ـ وذلك لأنه موجود علي جسده ولو في مساحة صغيرة جداً، وكان اللون الأبيض موجوداً في جسد عنترة لأنه اللون الواضح في جزء بارز من هيئته وهو أسنانه، وكذلك أظافره، وإن كان هو لا يراها، إذا لم يصادف مرآة، فإنه يجزم بلا ريب بلونها من خلال النظر إلي غيره من أهله، وهو يستطيع أن ينظر إلي أظافره ويري بياضها. 2 ـ الموضوعية: أ ـ الأهل:مما نستدل عليه من حياة عنترة وشعره، أن أهله هم من السادة ـ أي البيض ـ، ولهذا فإن نظرنا يمكنه أن ينصرف بسهولة إلي أبيه وعمه، وكذلك إلي حبيبته. وبالنسبة لأبيه فإن حمل أبيه للون الأبيض يجعله مصدر أمل لانتهاء تعييره، وحمل عمه وحبيبته لهذا اللون يجعلهما مصدري انكسار ولطف معاً تجاه هذا اللون، لأن حساسيته ستتأذي إن كان مسلك أي منهما مقصياً أو صاداً، وستصفو إن كان علي العكس. ب ـ الطبيعة: إن الطبيعة منظرٌ غير شحيح بالألوان في عيني أي إنسان في مثل لون عنترة، مثلما هي كذلك في عيني أي إنسان في غير لونه، ولهذا فإن النظرة إلي هذه الألوان ستكون ممتزجة بالذوق الشخصي، مثلما هي ممتزجة بوعي متداول، علي أننا سنلاحظ بعيني عنترة البياض في جزء بارز من الطبيعة، هو الشمس، واتساعها لتفتيح نهار قد يعد ملتقي لحلم وإشراقة نفس، مثلما قد يكون مجرد موعد لمكابدة. وإذ تحدد هذا المدخل الأوسع في تلمس الإحساس باللون، فإن النظر إلي اللون الأسود ـ لغلبته ـ جري أولاً، ثم خصص للألوان الأخري نظر إضافي تال، منفصل. 1 ـ أثر السواد :السواد ـ الشؤمإذا أردنا إجمال تعينات اللون في شعر عنترة المنظور إليه هنا، فإنه يمكن إدراجها في ثلاث حالات:1 ـ التعبير الصريح عن اللون باسمه.2 ـ التعبير عنه بالكناية. 3 ـ التعبير عنه بمظهر آخر، أي بالقناع. عنترة يتشاءم من لون أسود: ظهرت أولي مؤشرات السواد في معلقة عنترة، عندما انتقل إلي مخاطبة حبيبته التي لم يجدها، إذ رحلت مع قومها، وتمثل السواد في الرحيل من خلال ما تذكره:إن كنتِ أزمعت الرحيل فإنما … زُمَت ركابكم بليل مظلم ِما راعني إلا حمولة أهلها … وسْط الديار تسف حب الخِمخِمفيها اثنتان وأربعون حلوبة … سوداً كخافيةالغراب الأسحم ِوما أود إعادة التأكيد عليه، هو أن عنترة الشاعر، لم يكـن يعطي محض وصـف لمنظر الإعداد للرحيل، وإنما كان يحشد لذلك عناصر ذات مغزي بالنسبة لرؤيته، يؤدي المؤثر البصري فيها دوراً هاما، ولعل ذلك حدث بشكل مقصود، أو بدون تعمد، إلا أن السواد قد حل في الأبيات الثلاثة، فهناك:1 ـ كلمة السواد الصريحة في البيت الثالث. و 2 ـ السواد مكني عنه بالظلام في البيت الأول. 3 ـ وهناك حب الخمخم وهو نبت له حب أسود، وهناك الغراب في البيت الثالث. وكلا الظلام و الغراب قناعان في هذه الحالة. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية