جانب من درعا كما بدا بعد توقف الحرب في المحافظة الجنوبية
دمشق – «القدس العربي» : شهدت العاصمة السورية – دمشق، مؤخراً، اجتماعاً أمنياً ولوجستياً هو الأوسع من نوعه منذ انطلاقة الثورة السورية، فقد حضرت اللقاء قيادات الصف الأول للنظام السوري وفي الطرف المقابل شخصيات مثلت المعارضة السورية في درعا جنوبي البلاد، وأخرى كانت قد أبرمت مصالحات معه في أوقات سابقة، وذلك برعاية موسكو.
ووفق المعلومات التي اطلعت عليها «القدس العربي» فقد عقد الاجتماع في مبنى مكتب الأمن الوطني في دمشق، وحضره كبار ضباط النظام السوري، وترأس وفده، رئيس فرع الأمن القومي، اللواء علي مملوك، بالإضافة إلى وزير الدفاع، العماد علي أيوب، وقائد الفيلق الأول في الجيش السوري، ومشاركة عدد آخر من الضباط أصحاب الرتب العسكرية والأمنية العالية.
أما على صعيد وفد محافظة درعا، فقد شارك في الاجتماع، كل من القيادي السابق في الجيش السوري الحر محمود البردان، والذي كان يشغل منصباً قيادياً في «جيش الثورة»، وكذلك الناطق السابق للتشكيل أبو بكر الحسن، ومصعب البردان، والمهندس يعرب أبو سعيفان بالإضافة إلى أحد أبرز منسقي الحراك الشعبي الأخير في المحافظة، المحامي عدنان المسالمة.
برعاية روسية… وعلي مملوك ووزير الدفاع يترأسان وفد الأسد
ونقل تجمع أحرار حوران المختص بشؤون محافظة درعا عن أحد أعضاء وفد المعارضة الذين شاركوا في اللقاء، قوله: الاجتماع جاء بعد جهود روسية مكثفة لمناقشة العديد من القضايا والتطورات التي تمر بها درعا، في حين أن موسكو تحاول بناء حالة من الثقة بين النظام السوري وأهالي درعا، خاصة بعد صعود المحافظة مجدداً عبر الحراك السلمي المناهض للأسد، أو الأعمال العسكرية التي بدأت تتصاعد ضد مواقع النظام فيها.
أسئلة المعارضة
ووفق المعلومات المتقاطعة، فقد تولى اللواء علي مملوك مهمة الإجابة على اسئلة المعارضة السورية ومطالبهم، باستنثاء حالة واحدة، وهي عسكرية، وهي مسألة انسحاب جيش النظام السوري من المدن والقرى، فقد تولى وزير الدفاع أيوب الإجابة على ذلك، بالقول: «سوف ندرس إمكانية سحب الجيش والحواجز الأمنية والعسكرية من القرى والمدن». وأفاد المصدر بأنّ محور الاجتماع تركز على تنفيذ مطالب هي بالأساس من بنود اتفاق التسوية وكان أبرزها، إطلاق سراح المعتقلين الذين اعتقلوا منذ اندلاع الأحداث، ورفع المطالبات الأمنية عن المدنيين، وعودة الأطباء والمهندسين والمحامين إلى نقاباتهم، وعودة الموظفين إلى وظائفهم. بالإضافة إلى انسحاب الجيش والحواجز من البلدات والقرى والمدن والأماكن المدنية والأسواق، ومعالجة مسألة الطلاب والتأجيل للخدمة العسكرية، وحل مشكلة العسكريين المنشقين الذين استأنفوا خدمتهم العسكرية، وفق البنود التي تم الاتفاق عليها سابقًا. وقال المصدر الذي فضل حجب اسمه: «لقد أبلغنا كبار مسؤولي النظام السوري خلال الاجتماع، بأن الثقة بين النظام والشعب لن تعود إلا من خلال تطبيق وتنفيذ المطالب».
من جانبه، قال المتحدث الإعلامي باسم تجمع أحرار حوران أبو محمود الحوراني، لـ «القدس العربي» ان روسيا لعبت دوراً هاماً في عقد الاجتماع بين النظام والمعارضة، فهي تصب كل جهودها لكسب ابناء الجنوب للحصول على قاعدة شعبية تقيها شر التمدد الإيراني في المحافظة، خاصة مع ظهور الخلافات بين الحليفين إلى العلن، ومحاولة كل طرف الإمساك بملفات محلية للضغط على الحليف الآخر. وكانت محافظة درعا شهدت زيارات عدة من قيادات رفيعة المستوى في النظام السوري منذ سيطرة قواته على الجنوب السوري، وقدموا وعودًا بإخراج المعتقلين والمعتقلات من السجون، وحل مشكلة المنشقين، ولكنهم لم ينفذوا أياً منها.
وحسب المؤشرات فإن تبادل الزيارات الرسمية، بين وجهاء ورجالات المنطقة الجنوبية من جهة وممثلي النظامين الروسي والسوري، تصب في إطار محاولات احتواء الغليان الشعبي، بعد صفقة لم تلزم النظام بتنفيذ أي من بنودها، ووضع المعارضة في موضع محرج، علاوة على تحويل المنطقة برمتها إلى ساحة تتصارع فيها القوى الدولية، اذ تعمل كل من روسيا وإيران على دعم مواقفها وترسيخ مكتسباتها لصونها في هذه المنطقة الحدودية.
وفي خضم الاحداث المتقدمة جنوباً، نفذ الفيلق الخامس «القوة المحلية المصنوعة روسياً» حملات عسكرية اشتبكت خلالها مع جنود من مخابرات النظام السوري، وعلى رأسهم الاستخبارات الجوية وأمن الدولة «المقربون من إيران»، حيث انهالت مجموعة من عناصر الفيلق برفقة جنود من الجيش الروسي، بالضرب المبرح والإهانات على عناصر حاجز أمني في منطقة «اللجاة» بريف درعا الشمالي جنوبي سوريا. واستنتج المعارض السوري عبد الحي الأحمد من أهالي درعا خلال حديثه مع «القدس العربي» ان الجغرافيا الخاضعة لسيطرة الفيلق الخامس تتمتع بدعم روسي، وبتحجيم نوعي للتوسع الإيراني، أما المناطق ذات التحكم الإيراني، فتشهد حركة تجنيد واسعة لصالح الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، وكذلك لصالح حزب الله اللبناني.
تجاذب روسي إيراني
وخلال الأشهر الثمانية الماضية، انعكس الصراع وأطماع النفوذ بين الحليفين الروسي والإيراني على الأرض في محافظة درعا، والانتقام من المدنيين واستخدامهم كأدوات بين المتصارعين، فتارة تطفو الاغتيالات على الواجهة، وفي أخرى تزداد الاعتقالات. وأضاف الأحمد، ومؤخراً دخل الصراع دائرة جديدة، مع الانتقال إلى ساحة الاعتداء على الحواجز الأمنية والعسكرية، ومحاولة كل طرف فرض كلمته بالقوة على الحليف الطامع بمكتسبات الحليف الآخر.
ارتفاع حالة الاحتقان الشعبي في مناطق عدة في درعا جراء استمرار النظام بسياساته الخاصة بانتهاك حقوق الإنسان، واساءة الحواجز التابعة له والمدعومة إيرانياً للأهالي، إضافة للاعتقالات المستمرة بحق شخصيات عسكرية درعاوية من بيوتها وأمام مرأى من عشيرتها، أحداث وتطورات رأى فيها الباحث السياسي السوري عبد الرحمن عبارة أسباباً جوهرية لتدخل الفيلق الخامس المدعوم روسيا وضربه بعض الحواجز التابعة لمخابرات النظام السوري، وذلك كرد فعل على تلك الانتهاكات، ومحاولة لوقفها أو للحدّ منها.
كما اعتبر الباحث «عبارة»، سكوت روسيا على قيام الفيلق الخامس التابع لها بضرب حواجز للنظام المدعومة إيرانياً للمرة الثانية في غضون أسبوع في درعا، قد يأتي ضمناً بعد موافقة روسيّة، الأمر الذي قد تترجمه إيران على أنه رسالة مباشرة لها، ويجب الرد عليه في الزمان والمكان المناسبين عبر وكلاء لها في المنطقة الجنوبية أو في مكان آخر في سوريا. واستبعد أن يكون ما قام به الفيلق الخامس من ضرب حاجز أو أكثر لمخابرات النظام السوري في درعا عملاً يندرج تحت مسمى المقاومة الثورية، فالعقيدة القتالية لمنتسبي الفيلق الخامس التابع لروسيا والمتماهي مع فكرة المصالحة الشعبية مع النظام السوري مختلفة عن عقيدة الفصائل السورية المنبثقة عن الثورة السورية والتي تهدف إلى اسقاط النظام السوري بكل رموزه وأركانه.
البحث عن مكاسب
الفيلق الخامس هو في الأصل منتج روسي، واستمرار دعم روسيا للفيلق ليس بهدف إحلال السلم والأمن في مناطق حوران، بل لديه مهمة رئيسية تتمثل في ابقاء المنطقة الجنوبية ضمن توازنات معينة، تخدم المصالح الروسية أولاً، ولا تسمح لإيران والميليشيات التابعة لها بالكلمة الفصل في المنطقة الجنوبية ثانياً.
الباحث السياسي قال لـ «القدس العربي»: بعد أن ساد الهدوء على كل الجبهات السابقة، فمن الطبيعي أن يلتفت شركاء النظام السوري في الحرب إلى جني المكاسب على الأرض في مرحلة السلم، وهذا ما يعكس إصرار كل من موسكو وطهران على الإسراع في تأسيس ميليشيات عسكرية تتبع لكل منهما، في العديد من المناطق مثل دير الزور وحلب وريف حماه وحمص ودمشق والمنطقة الجنوبية.
فتقاطع المصالح بين روسيا وإيران في سوريا لا زال هو العامل الأكثر وضوحاً في العلاقة بينهما، لكن هذا الوضوح لا ينفي وجود تباينات قد تؤدي إلى صدامات سياسية وعسكرية غير مباشرة في العديد من الملفات، وعلى رأسها ملف إعادة الإعمار، والمنطقة الجنوبية، وحقول الغاز والموانئ البحرية.