“أريد أن يكون واضحاً – الجيش مستعد للمناورة، وسنتخذ القرار مع القيادة السياسية عن جوهر وتوقيت المرحلة التالية”. في سياق ما قاله رئيس الأركان هرتسي هليفي، أمس، في مناطق الاحتشاد قرب قطاع غزة، تختبئ اعتبارات اختيار توقيت بدء العملية البرية. “ندير حرباً. في هذه المرحلة اعتبارات تكتيكية واستراتيجية توفر لنا زمناً آخر لتحسين واستغلال كل دقيقة كي نكون جاهزين أكثر”، أضاف.
مسألة الحاجة إلى المناورة لتحقيق أهداف الحرب في غزة، رغم النقاش الذي دار في الأيام الأخيرة عن إمكانية إدارة المعركة من الجو وبنار المدفعية فقط، غير موجودة في قاموس الخطط التي عرضت على القيادة السياسية. فقرار تنفيذ خطوة برية في غزة حسم، في حين لا يزال نقاش جارياً حول الخطة التي ستنفذ على الأرض في نهاية المطاف. لعل هذا ما يشرح ما نشر أمس في “نيويورك تايمز”، عن قلق إدارة بايدن من أن ليس لإسرائيل هدف واضح أو هدف يمكن تحقيقه في المعركة ضد غزة.
يبدو أن اختيار الخطة التي سينفذها الجيش الإسرائيلي في نهاية المطاف ليس مقرراً تماماً بعد، وثمة مواقف مختلفة في هذا الموضوع. الزمن الذي ينقضي لن يكون في صالحنا. إسرائيل تتجه إلى حملة بضعة أشهر في القطاع، بينما يتحدث الأمريكيون بتعابير أسابيع. هم قلقون أيضاً من الآثار المتعلقة بمصالحهم في المنطقة، غير إسرائيل. لكن ليس هذا المعطى هو الذي يعوق بدء العملية البرية في هذه اللحظة، حين تكون القوات في مناطق الاحتشاد جاهزة للانطلاق.
إن السبب المركزي للتأخير هو مسألة المخطوفين في غزة. ليس بسبب الضغط الأمريكي، بل إن قيادتنا السياسية الأمنية اتخذت القرار لاستنفاد الاتصالات التي يجريها الوسطاء المصريون والقطريون وغيرهم في موضوع تحرير المخطوفين. تدعي إسرائيل أنها لن تسمح لحماس بتأخير العملية البرية من خلال إدارة محسوبة يحررون فيها مخطوفين قلائل في كل مرة، ويستخدمون ذلك في الحرب النفسية. بل تقصد إسرائيل صفقة كبرى في ظل حد زمني. ربما تكون لمثل هذه الخطوة أثمان، وحتى لو تحققت صفقة، فمن المتوقع أن تكون جزئية فقط.
ستتطلع حماس لإبقاء ما يكفي من أوراق مساومة بين أيديها، ثم الضغط لاحقاً. أما إسرائيل فستحاول عدم الانجرار إلى طريقة القطاعي، فتفقد بذلك زخم مواصلة الجهد البري. رشقات النار التي أطلقتها حماس نحو مركز البلاد تؤشر إلى أنها قادرة على المس بسير الحياة في مناطق واسعة داخل إسرائيل، بما فيها بئر السبع و”غوش دان” ومطار بن غوريون.
ما زال للجيش قدرة على الوصول إلى إنجازات خلال العمل من الجو حتى الخروج إلى خطوة برية. في مخيمات الشاطئ ونصيرات والشيخ رضوان، نجح سلاح الجو في تصفية ثلاثة نواب من قادة كتائب في حماس. نشطاء الإرهاب أولئك وإن كانوا ليسوا كباراً، لكن هذا هو المستوى المتوسط الموجود عملياً في الميدان – ومن هنا أهميته. كل ضربة كهذه تخدم المناورة وتشق الطريق للجيش. يركز الجيش و”الشاباك” جهداً لضرب سلسلة القيادة في كتائب وسرايا حماس المنتشرة على طول قطاع غزة وعرضه.
وثمة مسألة إضافية، قليلة الأهمية، وهي طلب أمريكا من إسرائيل السماح لها باستكمال انتشارها الدفاعي في الشرق الأوسط. واضح للجميع أنه في اللحظة التي تبدأ فيها إسرائيل المناورة، فستكون القواعد والمصالح الأمريكية- مثلما هي أيضاً مسارات الملاحة في البحر المتوسط والبحر الأحمر ومنطقة الخليج الفارسي، تحت تهديد منظمات إرهاب وميليشيات شيعية تعمل تحت تعليمات الحرس الثوري الإيراني.
يخشى الأمريكيون بأن حرب إسرائيل في غزة والتوتر مع “حزب الله” سيؤديان في نهاية الأمر إلى مواجهة متعددة الساحات سيكونون فيها تحت الهجوم. وإن كان هذا سيناريو متطرفاً ظاهراً، لكنه قد يتحقق في الواقع المتصاعد في الشرق الأوسط. مهما يكن من أمر، فإن الرفاص المتحفز لدى الوحدات الميدانية يجب أن يتعزز بكثير من أحاديث القادة، وأن يتم الشرح للمقاتلين عن الحملة البرية المتأخرة، لكن من المتوقع أن تنطلق قريباً. بعد الهجوم الإرهابي المجرم في 7 أكتوبر، وبعد أن تبين لحماس منذ ساعات الصباح من يوم السبت أنها نجحت في تحقيق خطتها المفاجئة بشكل كامل، خرجت دعوات من حماس لقوى من الخارج للانضمام إلى المعركة واستغلال الفرصة للقضاء على إسرائيل. ربما آمنت حماس حقاً بقدرتها على تحريك المحور ودخول الحرب منذ مراحلها الأولى بكل القوة.
حتى هذه المرحلة، لم يفِ “حزب الله” بتوقعات حماس، ويقف إلى جانب غزة بشكل جزئي جداً، بضريبة يدفعها الآن في قتال محدود على خطة الجبهة في محاولة لإزعاج إسرائيل في مساعيها للقضاء على حماس في غزة. ليس أكثر من هذا حتى هذه اللحظة. يُقدر بأن الدخول إلى مناورة في غزة سيؤدي إلى تصعيد إضافي في الحدود الشمالية.
إن الزمن الذي يمر حالياً لا يؤثر على ساعة الرمل الإسرائيلية فحسب؛ فالأضرار في غزة تتراكم، وتحتاج حماس لإدارة توفير الذخيرة من أصل مخزون يتآكل بعد أن أطلقت حتى الآن نحو 7500 صاروخ إلى إسرائيل. رشقات أمس إلى المركز ومطار بن غوريون تداخلت مع الجهد الذي تبذله إسرائيل لإدارة نوع من حياة الحرب الاعتيادية وإعادة جهاز التعليم إلى النظام الكامل في “غوش دان” والقدس، كما تقرر أمس.
بعد بضعة أيام من الانخفاض الكبير في حجم النار نحو إسرائيل، تركز حماس الجهد على إطلاق الصواريخ نحو المركز لتثبت بأنه رغم الهجوم القاسي على غزة والضغط الذي يمارسه عليها سلاح الجو، ما زالت تحقق نجاحاً في إدارة منظومات القيادة والتحكم من تحت الأرض، وتسمح لقيادة حماس بإدارة المفاوضات على المخطوفين.
قد تكون حماس تحت الضغط، لكن كبار الذراع العسكري لا يزالون يحتفظون بقدرة إدارة المعركة العسكرية وإصدار الأوامر للمستويات الميدانية التي تنفذ سياسة النار. هذا المعطى لا يفاجئ إسرائيل حملات الماضي في غزة أثبتت بأن العملية الجوية محدودة، لنستنتج بهذا أنها لن تقضي على حماس وقدراتها. وكلما مرت الأيام تصبح تحديات حماس هي الأخرى معقدة أكثر.
بخلاف المواجهة مع حماس، فإن مزايا المواجهة مع “حزب الله” تبقى تحت القيود إياها.
مهما يكن من أمر، فعند الخروج من المناورة البرية في غزة، متى وقع هذا، تقدر قيادة المنطقة الشمالية بأن “حزب الله” سيرتفع درجة في إطلاق الصواريخ نحو الشمال. السؤال المفتوح هو: بأي نطاق وبأي رشقات؟ “حزب الله” ليس معنياً بالحرب كما يعتقد جهاز الأمن، لكنه في تأهب كامل لهذه الإمكانية.
تل ليف رام
معاريف 25/10/2023