احب غيفارا.. واحب ما نحن فيه الآن
عناية جابراحب غيفارا.. واحب ما نحن فيه الآنقالت صديقتي شيئا لم استطع سماعه، فلقد قالته وهي تدفن وجهها في الوسادة، فلم استطع سماع ما قالت. سألتها ان ماذا قلتِ؟ ثم: ابعدي فمك عن وسادتك القذرة هذه فأنا لا استطيع سماعك وفمك مدفون علي هذا النحو .انت لا تحبين احدا ـ قالت ـ زلقت روحي الي الجحيم عندما سمعت اخيرا ما قالته. أنا؟ اجل، احب اجل، احب، بالتأكيد احب، واحب الكثير من الناس ايضا، لا تقولي هذا ثانية، ولماذا بحق الأبالسة، تقولين ما قلتيه؟ لأنك لا تحبين احدا. انت لا تحبين فلانة، ولا فلانة، ولا فلان، ولا ذاك الذي قلتي انك تحبينه، باختصار، انت لا تحبين اي مخلوق، لا تحبينني انا ايضا. قلت علي العكس، انت في هذا مخطئة. في هذا بالضبط يكمن خطؤك! أنا احب ناس كتير واشياء كثيرة. ردت وقد بانت اسنانها مدبوغة من كثرة التدخين: اذكري لي اسم شخص تحبينه، او شيء واحد؟ قلت: شيء واحد؟ شيء احبه؟ حسنا. عجزت عن التفكير في غمرة انهماكي بالرد عليها. فشلت باستحضار اسم اي شيء علي السريع . احيانا يصعب عليك ان تركز تفكيرك علي امر ما تحت ضغط استفزاز كريه. عدت الي سؤالها: تعنين ان اذكر شيئا واحدا احبه كثيرا؟ غير انها لم ترد. كانت قد عاودت دفن وجهها في الوسادة. الخادمة الفلبينية احضرت كأسي عصير الليمون، وضعتهما امامنا وانصرفت. انا اكره عصير الليمون لأنه يوجع معدتي. اذا كانت صديقتي تقصد انني اكرهها لانني قطعا لن اشرب عصير الليمون الذي طلبت الي الخادمة تحضيره لكلتانا، فأنا فعلا اكره الا يسألني احد رأيي في هذا الشيء او ذاك قبل حصوله. اكرهها فعلا، لأنها تتصرف بلؤم امرأة غنية خرقاء، تملك مالا كثيرا وخدما، وعادات درجت عليها، كأن لا تني منذ ان خلقت، تحتسي قدح ليمون لعين في الرابعة تماما وبعد ظهر كل يوم، الوقت الذي صدف انني اتيت لزيارتها الآن، من دون ان تسألني مثلا عما احب ان اشربه انا، غير ليمونها المقرف.هيا، جاوبيني، قلت لها، هل اذكر شيئا احبه كثيرا ام شيئا اميل اليه فقط؟ تحبينه كثيرا، اجابتني، قلت حسنا . ولكنني لم استطع ان اركز. كل ما استطعت ان افكر به هو ذلك الشحاذ الذي يفترش زاوية الرصيف المفضي الي مكان عملي، خاصة انه يضع نظارة طبية ذات اطار معدني، الشيء الذي يربكني تماما. ثم تلك السيدة التي عملت زمنا علي خدمة والدتي، والتي رفضت ان تعتذر او تغير رأيها في امر قالته اخيرا عن طبخ امي الكثير الملح، وهكذا غادرت مطرودة بعد ان حاولت ان ارغمها علي سحب كلامها اكراما لأمي المستشاطة غضبا، ولكنها رفضت. كانت طيبة وعلي كبرياء جميل. مدقعة، ونحيلة وضئيلة الجسم وذات معصمين دقيقين كنت احب ان اتأملهما كثيرا.لم تسقط رباب كانسانة، وبقي طعام امي مالحا ودرجة ضغطها عالية وفقدت السيدة التي تؤنسها، ولا اعلم لغاية الآن ماذا حل بـرباب العنيدة رغم انني حاولت تقصي اخبارها من دون فائدة تذكر. حسنا، احب ايضا الشتاء، و التبولة والبحر. هذا هو كل ما استطعت تذكره. قلت لصديقتي ماذا؟ وقد قالت شيئا وهي تدفن وجهها مجددا في وسادتها، فأحببت ان اخنقها بها، رفعت رأسها ونظرت في عينيّ تحديدا: لا تستطيعي ان تذكري شيئا واحدا. قلت: احب غيفارا، واحب ما نحن فيه الآن، الجلوس معك والتحدث والتفكير في الاشياء، واحب.. .غيفارا ميت ـ قالت لي ـ لقد مات من زمان، وحين يكون الانسان ميتا وفي السماء، فهذا لا يعود حقيقيا، انا اعلم انه ميت ـ قلت لها ـ هل تظنيني لا اعرف ذلك؟ ورغم هذا استطيع ان احبه، أليس من حقي؟ لمجرد كون انسان ما ميتا فهل بحياة الله ما يمنع من حبه، خاصة اذا كان هذا الميت احسن الف مرة من الناس الذين ما يزالون احياء؟ لم تقل صديقتي شيئا. عندما لا يكون هناك ما تقوله فهي لا تنطق بكلمة واحدة. قامت وشربت الليمون ولم تلتفت الي كأسي الممتليء. قلت: احب ان اشرب قهوة مرّة الآن.واستعير كام كتاب من مكتبتك الزاخرة بالكتب التي تشترينها وتراكمينها من دون ان تقرئيها، فقط لأن ثمنها لا يحرجك ماديا، ولكي يقـــــول من يراك محملة بالكتب بأنك مثقفة وقارئة نهمة. ثم انني احب مناكفاتنـــا هذه، واحب ما نحن فيه، اعني ما نحن فيه الآن، الجلوس معك والتحدث والمزاح، وعموما، احبك فعلا. قالت: ليس هذا بحب في حقيقة الأمر .0