القول أن “الحركة الاحتجاجية الشعبية التي شهدتها إيران، على خلفية رفع سعر البنزين، جرى احتواؤها” هو قول لا يستقيم في توصيف ما يطبع المشهد الإيراني راهناً. فصفة الاحتواء تحمل في طيَّاتها سمات إيجابية. ما جرى هو إخماد بالقوَّة لاحتجاجات امتدت، بلمح البصر، إلى المحافظات والمدن التي خرجت عن حيادها، والانتشار الأفقي السريع للهيب الغضب يعكس الواقع المأزوم الذي بات يعتري العلاقة بين الشعب والنظام.
حجم الضحايا الذي سقط خلال أيام بفعل “القوة المميتة” وحجم العنف المضاد الذي مارسه المُحتجّون، ينذران بانتقال إيران إلى مرحلة جديدة. لم تكن هذه حال احتجاجات 2009 و2017. فـ”الثورة الخضراء” في 2009 اندلعت رداً على ما اعتُبر تزويراً للانتخابات الرئاسية التي أوصلت أحمدي نجاد في ولاية ثانية إلى الحكم، بعدما كانت آمال المعارضة الإيرانية مُعلَقة على نجاح مرشحها مير حسين موسوي. اتخذت الثورة الطابع النخبوي وتمركزت بشكل رئيسي في العاصمة والمدن الكبرى، وواجهتها السلطة بحملة اعتقالات واسعة للقيادات الفعّالة والناشطين ورموز التيار الإصلاحي الذي تزعمه الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وفرضت تعتيماً إعلامياً عليهم قبل أن تتطوَّر الاحتجاجات إلى مواجهات في الشارع وتُسقط الضحايا، مُشكِّلة آنذاك أحد أبرز التحديات أمام الجمهورية الإسلامية منذ انتصار ثورتها في 1979 ولا سيما بعدما أخذت أفكار “الثورة الخضراء” السياسية ومبادئها ومفاهيمها تتبلور وتتوسَّع وتستقطب، ما حدا بالنظام إلى إجهاضها من الداخل وممارسة أساليب القمع والترهيب وفرض الإقامة الجبرية على زعيم الحركة موسوي ورجل الدين مهدي كروبي، والتضييق على رموز النظام الذين تماهوا مع نتائج الانتخابات لصالح الإصلاحيين.
غير أن ثمّة تحولاً أحدثته تلك “الثورة” رغم إخمادها، لجهة أن الشعارات التي انبثقت عن مبادئها أضحت تتحوَّل نقطة ارتكاز للاحتجاجات اللاحقة لحظة اجتيازها السقف المطلبي إلى السياسي. فتظاهرات 2017 التي خرجت على خلفية مطالب اقتصادية بعنوان “لا للغلاء” بعد زيادة أسعار المواد الاستهلاكية، وانطلقت شراراتها من مشهد قبل أن تتمدَّد إلى همدان وأصفهان وقم، تحوَّلت شعاراتها إلى سياسية بعدما مواجهتها بالقوة، فحضرت شعارات “لا غزة ولا لبنان… روحي فداء إيران” مجسّدة مبدأ “إيران أولاً”.
قنبلة البنزين
ما حصل منذ مساء الخميس 14 نوفمبر/تشرين الثاني مع “قنبلة البنزين” أن الإيرانيين رفعوا في تظاهراتهم شعارات “البنزين يزداد غلاء… والفقير يزداد فقراً” وتصاعدت إلى “لا بنزين ولا مال… ما شأننا بفلسطين” و”لا غزة ولا لبنان… روحي فداء إيران” و”ما ذنب أمتنا في سوريا”. واتسمت التظاهرات بجرأة أكبر في البُعد العقائدي – السياسي، مع تعرضها للترهيب، حيث رُفعت شعارات “لا نريد لا نريد… الجمهورية الإسلامية” و”الموت للديكتاتور” و “الموت للخامنئي” و”يا ديكتاتور اترك البلاد”. فالتجرّؤ على المرشد الإيراني علي خامنئي، وحرق صوره، وصدور أصوات شعبية رافضة للدولة الدينية، وقيام فتيات بنزع حجابهن والمطالبة بالنظام الملكي السابق أيام الشاه، لا يُعبِّر فقط عن غضب من أداء الحكومة، بل عن توقٍ إلى تغيير جذري في مرتكزات النظام.
بدا من مسار احتجاجات 2019 أن ثمَّة هوَّة تتعمَّق بين النظام والشعب. فإذا كان استهداف المصارف يرمز إلى الغضب من انهيار “التومان” وانعكاسه الكارثي على حياتهم، فإن استهداف المراكز العسكرية والأمنية ومخافر الشرطة ومقرَّات “الحرس الثوري” و”الباسيج” هو رسالة طلاق مع كل ما تُشكّله هذه المنظومة.
حتى الآن ليس واضحاً حجم الضحايا التي سقطت جرَّاء قمع الاحتجاجات. ففرض القيود على خدمة الإنترنت أمَّن للسلطة مسألتين: الأولى، قطع أوصال المدن بعضها ببعض بما يمنع توسُّع حركة التظاهر وانتشار الصور والفيديوهات التي يلتقطها الناس بهواتفهم الذكية، لتشكل حافزاً للمتظاهرين للنزول إلى الشارع، فتتحوَّل إلى كرة ثلج. أما المسألة الثانية، فهي إطلاق يد السلطة للبطش بالمحتجين بعدما أعطى خامنئي الضوء الأخضر لذلك حين وصفهم بـ”الأشرار”.
الكرّ والفرّ
المتابعون للشأن الإيراني يعتبرون أن النظام أصبح في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، ويرون أن النظام قد يكون نجح حالياً في وأْد الاحتجاجات، لكنه لا بد من مراقبة طبيعة ردَّة الفعل الداخلية حين تتكشَّف أرقام الضحايا ويتم تناقل الأخبار والصور بين المدن والمحافظات. فما ميّز الحركة الاحتجاجية الحالية هو انفلاشها الواسع، بحيث لم تعد هناك من مناطق محايدة وأخرى غير محايدة، وهذا سيُشكّل تحدياً كبيراً أمام السلطات، حيث أظهرت أيام الاحتجاج الأولى أسلوب الكرّ والفرّ المعتمد من قِبل المتظاهرين لإرهاق الشرطة واستنزافها، والتعامل العنيف مع كل ما يمتّ للدولة بصلة.
الاقتناع الذي يُبديه المراقبون بأن احتجاجات 2019 ستليها حكماً حركات مماثلة، مردَّه إلى أن الأسباب الموضوعية لخروج الناس على السلطة وعلى النظام غير قابلة للاحتواء، بل هي عُرضة لمزيد من التفاقم. المسألة تتعلق بالضائقة المعيشية التي يعيشها الإيرانيون، وحالة الفساد المستشري وسيطرة “الحرس الثوري الإيراني” على المقدرات الاقتصادية، والحصار المفروض على بلادهم نتيجة العقوبات الأمريكية، وتأثير الدور الإقليمي على معيشتهم، في وقت يحلم الجيل الإيراني الجديد – كما الأجيال الأخرى المنتفضة في دول أخرى – أحلاماً وطموحات بحياة أفضل، حملتها لهم “ثورة الاتصالات” وتواصل التجارب وغياب الحواجز بين الشعوب.
لم تكن الاتهامات بوجود مؤامرة، ونَعْت المتظاهرين بأنهم “خصوم وأعداء” و”خدم أمريكا” و”معادون للثورة” إلا ذريعة لتبرير القمع والقتل. فالنظام الإيراني ليس قلقاً من تآمر الخارج عليه. هو يدرك تماماً أن الغرب ليس عدواً له، وأوروبا بعواصم دولها واتحادها على تحالف وثيق معه، ووقفت موقف المتفرِّج حيال الأنباء الواردة عن مقتل متظاهرين، واكتفت بالتعبير عن “القلق” من ذلك.
والأهم أن “نظام الملالي” متيقن تماماً أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد إسقاط نظامه، ورغم كل الضغوط التي يُمارسها رئيسها دونالد ترامب، فإنه لا ينفك عن مغازلة طهران من باب المستقبل الزاهر وفتح دروب العالم أمامها حين تجلس إلى طاولة المفاوضات وتُنجز الاتفاق معه حول الملفات الخلافية، ولا سيما ملفي النووي الإيراني والصواريخ البالستية.
على أن ما يُخيف النظام الإيراني حقيقة هو استمرار حركات الاحتجاج في الدول التي قاتل كل تلك السنين لبسط نفوذه فيها، والتي يشعر أنها تهتزّ تحت أقدامه. المقصود في المصاف الأول هو العراق بما له من تأثير اجتماعي على إيران. فتلك العلاقة الروحية والثقافية والاجتماعية والعقائدية بين الإيرانيين والعراقيين تترك ارتداداتها على كل من الساحتين. فالحراك في العراق تقوده البيئة الشيعية واصطفت الحوزة الدينية إلى جانب الشارع ضد النظام العراقي القائم، وهذا التحوُّل يُعطي المبرر العقائدي للشارع الإيراني للوقوف في وجه نظامه. فالتدخل الإيراني لإخماد الاحتجاجات في العراق، عبر سحق المتظاهرين، لا يهدف إلى حماية نفوذ طهران في بغداد بقدر ما كان يهدف إلى تفادي امتداد ارتداد المشهد العراقي إلى داخل حدودها.
فما دام هناك متظاهر في العراق، فإن ثمّة مَن يسمع في إيران. تمدُّد إيران خارج حدودها في ظل الضغوط عليها والمواجهة مع أمريكا يضعها في موقع الحد من الخسائر، لأن الضغوط ستتواصل، أقله إلى حين يتضح مسار الانتخابات الأمريكية الرئاسية، وهي فترة ليست قصيرة، إذ مع الانهيار المالي والاقتصادي الذي تُعانيه في الداخل وما يُصيب أذرعها العسكرية في الخارج من أعراض مماثلة بفعل العقوبات عليها، وحال الانهيار المالي والاقتصادي التي تصيب حدائقها الخلفية من العراق إلى لبنان، فإن السؤال يدور حول مدى قدرتها على الصمود، لا سيما وأن قمع الاحتجاجات في إيران كما العراق، ولبنان – إن حصل ذلك – سيؤدي إلى حال من الغليان والاحتفان، وسيُؤسس لجولة جديدة من المواجهات، إذا تأكد أن تلك الشعوب تجاوزت حاجز الخوف نهائياً!.