احتجاجات الضفة وضرورة العودة إلى الحلول الصفرية

حجم الخط
0

فراس ابو هلال لم يكن أحد بحاجة إلى الاحتجاجات الأخيرة التي اجتاحت الضفة الغربية ليدرك مدى أزمة المشروع الوطني الفلسطيني. ولم يكن الفلسطينيون بحاجة إلى الإجراءات التقشفية التي اتخذها سلام فياض ليعرفوا بؤس مسار أوسلو السياسي وملحقاته الأمنية والاقتصادية.على أن هذه الحقائق حول أزمة المشروع الفلسطيني وبؤس مسار أوسلو ـ على بداهتها – ظلت غائبة عن دائرة الفعل الفلسطيني لفترة طويلة، سواء كان ذلك على مستوى السلطة ـأو السلطتين !- والشعب والفصائل، وهو ما يعطي لهذه الأحداث أهمية استثنائية، باعتبارها قد تمثل حجرا يحرك المياه الفلسطينية الراكدة.لقد قيل الكثير عن الأسباب الاقتصادية لانطلاق الاحتجاجات وغياب البعد السياسي عنها، ولمح الكثيرون إلى أن حركة فتح هي من أشعلت شرارة المظاهرات من خلال نقاباتها العمالية للضغط على سلام فياض الذي لا يحظى بتأييد كبير عند كثير من قيادات الحركة، وهي تلميحات تسعى إلى نفي أي دلالات سياسية للتحركات الشعبية، واستبعاد أي إمكانية لتحولها إلى تحرك شامل يضع المشروع الوطني الفلسطيني برمته على الطاولة.وعلى الرغم من مشروعية هذه التحليلات، إلا أن التجربة العربية مع التحركات الشعبية ابتداء من تونس وليس انتهاء بسوريا، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن نهايات الحراك الشعبي قد لا تتفق مع مقدماته، وأن الأسباب المباشرة التي قد تمثل شرارة الاشتعال تخفي وراءها أسبابا أكثر عمقا وأهمية، وأن المظهر الاقتصادي للأزمة في غير بلد عربي هي بالأساس أزمة سياسية واجتماعية وبنيوية شاملة، وهو ما يعني أن قيام أي طرف بإطلاق صفارة البداية للحراك الجماهيري لا يعني بأية حال قدرته على التحكم بلحظة وكيفية إعلان نهاية هذا الحراك.إذن، وخلافا لما أرادته حركة فتح من البدء بحراك شعبي للضغط على سلام فياض وحكومته، فإن هذه الاحتجاجات قد تمثل فرصة مهمة لتشخيص أزمة المشروع الوطني الفلسطيني ومحاولة البحث في حلول استراتيجية لهذه الازمة، ووضع الأصبع على مواطن الألم الحقيقية بدلا من الانشغال بمعالجة أعراض المرض التي لا يمكن أن تشفى دون علاج المرض نفسه. وحين يتحدث البعض عن اتفاقية باريس وعن ارتباط الاقتصاد الفلسطيني وتبعيته للاقتصاد الإسرائيلي كأساس للاحتجاجات الشعبية، فإنهم يستمرون بتضليل الشعب الفلسطيني ـ بقصد أو بدون قصد-. ويأتي في هذا الإطار الدعوات البائسة التي أطلقتها السلطة الفلسطينية لإعادة فتح اتفاقية باريس ومناقشة بعض بنودها التي أدت لتفاقم الأزمة الاقتصادية الأخيرة في الضفة الغربية، إذ يتناسى من يطلقون هذه الدعوات أن إسرائيل لا يمكن أن تعيد فتح الاتفاقية، في الوقت الذي لا يمتلك الفلسطينيون أية أوراق ضغط ذاتية أو عربية أو دولية على حكومة نتنياهو العنصرية، التي لن تكون مضطرة لتقديم أية ‘ تسهيلات ‘ مجانية للفلسطينيين وهي تحظى ‘بأرخص’ احتلال عرفه التاريخ.ويكمن التضليل في تركيز اللوم على بروتوكول باريس بتجاهل الجذر السياسي لهذه البروتوكول ممثلا باتفاقية أوسلو، والتي كان المفترض أن تكون فترة انتقالية تقود إلى الدولة الفلسطينية العتيدة، قبل أن تتحول إلى اتفاقية دائمة تنفذ منها إسرائيل ما يحلو لها، وتنتهكها متى وأينما شاءت، فيما يبقى الطرف الفلسطيني مجبرا على تنفيذ بنودها الأمنية خصوصا لارتهانه للمساعدات الاقتصادية التي لن يقدمها الغرب إلا إذا حصلت السلطة الفلسطينية على حسن السلوك من إسرائيل والدول الغربية. وحتى ينتهي التضليل فلابد من العودة في تشخيص الأزمة الفلسطينية إلى الأسباب الجذرية، والتي تتمثل بغياب مشروع وطني حقيقي يتابع المسيرة النضالية التي بدأت منذ احتلال العصابات الصهيونية للأراضي الفلسطينية عام 1948، وهذا الغياب ينطبق على نهجي المقاومة والتسوية على حد سواء. فبينما تعترف السلطة الفلسطينية كل يوم بفشل العملية السلمية وانسداد الأفق السياسي، يقتصر مشروع المقاومة على الجانب الدفاعي في قطاع غزة، إذ فقدت المقاومة قدرتها على تبني استراتيجية المبادءة والهجوم لأسباب موضوعية كثيرة خصوصا بعد الحرب المدمرة العدوانية التي نفذتها إسرائيل في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009، فيما تبدو الضفة الغربية عصية على أي تفكير أو محاولة للتطبيق الفعلي لمشروع المقاومة. إن جذرية الأزمة الفلسطينية، بشقيها السياسي والمقاوم، تتطلب العودة إلى التفكير بالحلول الصفرية لهذه الأزمة، وهو ما يعني الانقلاب التام على حالة الأمر الواقع التي فرضتها الأحداث منذ اتفاق أوسلو حتى يومنا هذا. ويأتي في مقدمة الحلول الصفرية استثمار الحراك الذي تشهده الضفة الغربية للتفكير جديا بإنهاء اتفاقية أوسلو وإعادة طريقة التعامل مع السلطة التي أنتجتها، بحيث ينتهي الخلل المتمثل بتحول هذه السلطة من وسيلة لتحقيق الأهداف النضالية للشعب الفلسطيني إلى غاية يضحى بكل الأهداف والمبادئ لأجلها، ويبدو هذا واضحا من اضطرار ‘قيادة’ السلطة للموافقة على معظم الإملاءات الغربية والإسرائيلية في سبيل الحفاظ على هذه السلطة.وعندما نتحدث عن إنهاء أوسلو وحل السلطة فإن هذا لا يعني الدعوة إلى تبني خيار ‘انتحاري’ دون حسابات سياسية دقيقة، بل هي دعوة إلى تبني استراتيجية متدرجة لحل السلطة بشكل كلي ضمن توافق وطني فلسطيني حتى لا يتم استغلال الفراغ من قبل الاحتلال الإسرائيلي أو ‘عملائه’ السياسيين، أو أن يتم العمل بشكل مدروس للفصل التام بين الدور الإداري لمؤسسات السلطة وبين الدور السياسي الذي يجب أن يعاد إلى منظمة التحرير الفلسطينية بعد إصلاحها وإحياء مؤسساتها التي دمرت بشكل ممنهج بعد توقيع اتفاقية أوسلو المشؤومة.قد يبدو هذا الخيار ‘رومنسيا’ أو غير واقعي في ظل النهج الذي تتبناه حركة فتح، وخصوصا بعد تنصل بعض قيادات الحركة من التصعيد الذي شهدته احتجاجات الضفة الغربية وتمظهراتها السياسية، وهنا تأتي أهمية الفصائل الفلسطينية الأخرى ـ وعلى رأسها حماس – التي يجب أن تتبنى استراتيجية المقاومة الشعبية في الضفة الغربية للوصول إلى ‘توريط’ الشرفاء الكثيرين في حركة فتح للانضمام إلى الحراك الجماهيري بأهداف سياسية ووطنية.لقد جرب الفلسطينيون المقاومة الشعبية في الانتفاضة الفلسطينية الأولى منذ عام 1987 وقادت فعليا إلى نتائج إيجابية لولا أن منظمة التحرير الفلسطينية اساءت استغلالها فأنتجت اتفاقية أوسلو. كما جرب العرب المقاومة الشعبية فأنجز بعضهم ثورات شبه مكتملة فيما فشل الآخرون ـ حتى الآن ـ في تحقيق أهدافهم لأسباب تتعلق بطبيعة الأنظمة الحاكمة، ولكنها مع ذلك أثبتت أنها خيار يمكن أن يراكم إنجازات كبيرة على طريق التحقيق الكامل للأهداف النضالية، وهو ما يعطي مشروعية أكبر لتبني خيار المقاومة الشعبية في فلسطين لإنهاء أوسلو وتوابعها.ولابد من القول أن هذا الخيار يتطلب من حركة حماس أن تلعب دورا محوريا في هذا النضال الشعبي الذي قد يقود إلى تحقيق أهداف استراتيجية، وهذا لن يتم إلا بالكف عن العبث المتمثل بتقزيم المشروع الوطني الفلسطيني في محاولات محكومة بالفشل للمصالحة مع فتح على أساس أوسلو ومنتجاتها من انتخابات جربناها تحت الاحتلال وأثبتت فشلها، أو في حصر الأهداف الوطنية في فك الحصار عن قطاع غزة، وهو ما جعل المشروع الفلسطيني بكل أسف تائها بين رواتب حركة فتح وتشغيل معبر رفح.لقد أوصلت حركتا فتح وحماس المشروع الوطني الفلسطيني إلى هذا الطريق المسدود، وهما المسؤولتان الرئيستان لإعادة هذا المشروع إلى سكته الحقيقية، ولا يعني هذا المساواة بأية حال بين الحركتين، فبينما تغرق فتح أكثر فأكثر في مشروع تسوية فاشل دون خيارات بديلة، تحاول حماس أن تبني أرضية صلبة لمشروع المقاومة في مواجهة أعتى القوى الإقليمية والعالمية، وفي ظل حصار خانق لم يشهد العالم له مثيلا، ولكننا نتحدث عن مسؤولية حماس لأنها تمثل النموذج الوطني الذي يتعلق به الفلسطينيون والعرب، والذي ينظر إليه كملاذ أخير للعودة بالقضية الفلسطينية إلى جذورها الأصيلة كحركة تحرر وطني تسعى إلى طرد الاحتلال.الاحتجاجات الشعبية ـ إذن – قد تمثل فرصة مهمة لتحريك المشروع الوطني الفلسطيني، ولكنها قد تشكل أيضا مجرد فرصة ضائعة جديدة إذا لم يتحرك الشعب الفلسطيني بشبابه وفصائله وقياداته نحو استثمار جذوة الحراك الشعبي، لتحقيق أهداف وطنية أكثر أهمية من محاولات بائسة للنقاش في جزئيات اقتصادية لن يعني حلها شيئا، إلا إذا وصل الحل إلى جذورها السياسية.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية