محمود معروف تونس ـ ‘القدس العربي’: لا يزال تنصيص الدستور التونسي الموعود على تجريم التطبيع مع الدولة العبرية، محل نقاش واسع بين النخب السياسية التونسية، بعد ان ظهرت مؤشرات لتدبير ‘التجريم’ بصيغ قانونية بديلة عن ‘نص دستوري’.وصادقت لجنة الحقوق والحريات، إحدى اللجان الست في المجلس التأسيسي (البرلمان المؤقت) التي تشتغل على مشاريع قوانين الدستور الجديد، بأغلبية أعضائها (15 من 21) على التنصيص على تجريم التطبيع في الدستور حيث نص الفصل 27 من مشروع الدستور على ان ‘كل أشكال التطبيع مع الصهيونية والكيان الصهيوني جريمة يُعاقب عليها بقانون’.ما اعاد موضوع دسترة تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني تصريحات الصحبي عتيق القيادي في حركة النهضة الإسلامية ورئيس فريقها البرلماني التي قال فيها إن قادة حركة حماس (اسماعيل) هنية و(خالد) مشعل ‘نصحانا، أثناء زيارتهما لتونس، بعدم التنصيص على تجريم التطبيع مع إسرائيل في الدستور التونسي الجديد’،وهو ما اثار استياء حركة حماس التي اصدرت اكثر من توضيح تنفي فيه ان يكون أي من قيادييها بحث هذا الموضوع مع أي مسؤول تونسي وان الحركة لا تتدخل بالشأن الداخلي لاي بلد عربي وان الدستور التونسي مسألة تونسية. وقال عتيق في بيان اصدره بعد بيانات حركة حماس ‘خلال أحاديثي مع القيادات الفلسطينية وبعض قيادات حماس وقع التطرق إلى موضوع التطبيع، فعبّر الأخوة الفلسطينيون عن رفضهم الشديد لكل أشكال التطبيع مع الإحتلال’.وأضاف ‘عند التطرق النظري والعرضي إلى الدساتير العربية، تبيّن أنها لم تُنصص على موضوع التطبيع، وإنما تضمنه القوانين الترتيبية لعمل وزارات الخارجية’.وتابع ‘هذا الذي جعلني أستنتج على وجه الخطأ ما ذكرته من انهم (أي قادة حماس) ليسوا مع التنصيص على التطبيع، لذا وجب التوضيح مع التحية والتقدير لقادة حماس، وفي مقدمتهم الأخ إسماعيل هنية والمناضل خالد مشعل’.وبالنسبة للفاعلين السياسيين والحقوقيين، فإن الامر بات محسوما ولم يعد محل نقاش، خاصة وان اللجنة تضم كل القوى السياسية الممثلة بالمجلس التأسيسي، لكن اكراهات تدبير الدولة وقيادتها والتعامل مع اطراف خارجية دفعت بأحزاب ‘الترويكا’ الحاكمة للبحث عن صيغة اخرى تختلف عن الصيغة التي وافق عليها ممثلوها بلجنة الحقوق والحريات وهو ما جعل هذه الاحزاب موضع اتهام القوى والاحزاب الاخرى خاصة بعد تضارب تصريحات ‘الترويكا’، بما فيها حركة النهضة ذات المرجعية الاسلامية التي تقود الحكومة، بين مؤيد لضرورة التنصيص ومتكتم أو غير مرحب بهذا الفصل، وهو ما عزّز الشكوك بوجود ضغوطات خارجية خاصة وأن ‘التنصيص’ إعلان صريح وموقف واضح من قضية التطبيع، وتحدث البعض عن وجود أياد خفية تعمل على عرقلة هذا الفصل، فيما رأى آخرون ان العدول عن هذا الفصل هو نتيجة ‘قرارات طبخت’ في الكواليس وخلصت إلى عدم التنصيص على هذا الفصل.واحتشد المئات من الناشطين التونسيين يوم 14 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي امام المجلس التأسيسي للتنديد بمحاولات التراجع عن المادة 27 من مشروع الدستور محذرين من مخاطر هذه الخطوة التي تؤشر الى الخضوع لإرادات خارجية تدفع بتونس نحو الارتماء بحضن الاجنبي.اولى مؤشرات التراجع عن تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني دستوريا جاءت بتصريحات لمصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي وزعيم حزب التكتل ادلى بها في العاصمة النمساوية فيينا وصفت المطالبين بتجريم التطبيع مع إسرائيل بأنهم ‘أقلية متطرفة من القوميين’ كما قوبل باستغراب ما ورد في كلمة رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي زعيم حزب المؤتمر امام الجمعية العامة للامم المتحدة من جملة خارج سياق الخطاب يؤكد فيها على التنديد بـ’معاداة السامية’ وفي القاموس السياسي فإن هذه العبارة ترد في الخطاب الصهيوني لابتزاز المجتمع الدولي من اجل دعم اسرائيل.ورغم التنديد الواسع بتصريحات بن جعفر والنقد الشديد لعبارة المرزوقي، فإن حركة النهضة، الشريك بالترويكا وقائدتها، التزمت الصمت، رغم ان مؤتمرها الاخير الذي عقد في تموز (يوليو) الماضي اقر تجريم التطبيع، ويفسر صمتها بإكراهات الحفاظ على الترويكا والتماسك الحكومي او تحاشيا لضغوطات خارجية تمارس على تونس ما بعد بن علي بهذا الاتجاه. وقال النائب مراد العمدوني، عضو لجنة الحقوق والحريات، ان أطرافا يهودية بتونس، (نحو 1500 يهودي يقيم أغلبهم بجزيرة جربة) طالبت بعدم تمرير البند وإنّ وفودا برلمانية أجنبية زارت المجلس التأسيسي وطلبت التخلّي عن التنصيص على البند المجرّم للتطبيع مع إسرائيل.واوضح العمدوني انه تمّ إلغاء الفصل 27 نتيجة الضغوطات الخارجية المطبوخة على نار صهيونية مؤكدا أن ‘النهضة’ التزمت لهذه الدوائر بألاّ يُدرج الفصل 27 في الدستور الجديد وأن هناك مجموعات مشبوهة متواجدة في أروقة المجلس تحت غطاء منظمات دولية ووفود برلمانية أجنبية يحاولون منع تفعيل بند تجريم التطبيع في الدستور الجديد.ويقول احمد الكحلاوي رئيس الهيئة الوطنية لدعم المقاومة ومناهضة التطبيع بتونس ان بلاده تتعرض إلى ‘ابتزاز اقتصادي’ من قبل الصهاينة وسفارات أجنبية ومؤسسات مالية دولية ‘لها شروط سياسية لتمكين تونس من قروض’.ولا ينفي الكحلاوي بأنّ إقرار مادة دستورية تجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني ستكون له تكلفة على العلاقات السياسية والاقتصادية مع الغرب الا انه حذر من ‘التواطؤ’ مع إسرائيل لأجل ‘حفنة’ من الهبات والقروض. وتحدثت تقارير إسرائيلية عن مطالبة وزير خارجية إسرائيل ليبرمان لمحافظ البنك المركزي الإسرائيلي بالتصويت ضد التعاون بين البنك الأوروبي وتونس بسبب البند المذكور.كما يتهم الكحلاوي دعاة التطبيع في تونس او ‘مجموعة الفرنكوصهيونية’ بالارتباط مع صهاينة فرنسا، سواء في الحزب الحاكم الفرنسي، أو في الحزب الاشتراكي الفرنسي يحاول الالتفاف على الثورة التونسية والعنوان الذي رفعه الشعب ‘الشعب يريد تحرير فلسطين’ يكاد يلغى ويوضع محلّه ‘الشعب يريد التطبيع مع إسرائيل’.الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة تحدث مع مجموعة من المثقفين والمفكرين العرب في تونس حول دسترة تجريم التطبيع واكد ان هذا التجريم مسألة لا تراجع فيها وان حركته كانت مؤيدة للمادة 27 من مشروع الدستور لكن فقهاء القانون الدستوري قالوا ان دستور اية دولة هو نصوص تتعلق بحدود واراضي هذه الدولة ان يتضمن موادا تتعلق باراض خارج حدودها.واوضح الغنوشي وهو الرجل الاقوى في تونس ان تجريم التطبيع يمكن ان يورد وينص عليه بتوطئة الدستور ومن ثم سن قوانين بشانه. وقال المولدي الرياحي رئيس كتلة ‘التكتل’ بالمجلس التأسيسي، أنه ‘لا موجب للتنصيص على تجريم التطبيع في الدستور أو التوطئة وهي مسألة تشملها القوانين لا الدستور’.وأشار الى أنه ‘من الأساسي التنصيص على القيم الانسانية ومبادئ حقوق الانسان في كونيتها في أسس البناء داخل التوطئة’ في الوقت الراهن، الا ان حزب ‘المؤتمر’ لا يزال متمسكا بضرورة التنصيص على تجريم التطبيع. وقال سليم حميدان وزير أملاك الدولة ‘ان تجريم التطبيع مسألة استراتيجية والتونسيون يعتبرون أن القضية الفلسطينية قضيتهم، معتبرا أنّ الصهيونية والاستبداد وجهان لعملة واحدة وأنّه لابدّ من تضمين حق شعبنا في مقاومة الطغيان في باب التوطئة’.ويعتقد أحمد الكحلاوي انّ ترحيل البند إلى لجنة التوطئة فيه ‘تمييع’ لمبدأ تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني وأنّ تجريم التطبيع مع إسرائيل هو مطلب شعبي وهدف من أهداف الثورة لا يقل أهمية عن التشغيل، مطالبا كل الفاعلين السياسيين بأن يتحملوا مسؤوليتهم في ذلك.وعبّر عن خشيته من الاكتفاء بإشارة فضفاضة لدعم المقاومة الفلسطينية في توطئة الدستور، كاشفا عن ضغوطات أجنبية على تونس للعدول عن تجريم التطبيع.مناهضو التطبيع يذكرون بخطوات واجراءات تطبيعية بين دولة زين العابدين بن علي والكيان الصهيوني والذي كان كبيرا وشمل بعض العلاقات العامة والبرلمانية ومصالح رجال أعمال وأكاديميين وفنانين لدرجة ان بلحسن الطرابلسي صهر الرئيس بن علي كان يدير خط طيران بين جزيرة جربة وتل أبيب لنقل اليهود في أوقات حجهم إلى معبد الغريبة وخارجه. ويحذر مناهضو التطبيع تونس الجديدة من العودة الى هذه الاجراءات ان كانت نتيجة رؤية بعض اطراف الترويكا او خضوعا لاكراهات اقتصادية يفرضها التدبير للشأن العام.