من أهم المبادئ والمفاهيم التي يحتاجها الإنسان في عمره، وجميع حياته، هو الاحترام المتبادل، فهو الإطار العام في الحياة، بالدرجة الأولى، من خلال التعاطي مع الآخرين في المجتمع، لقد أكدت جميع الأديان على ، وبالاخص الدين الإسلامي الحنيف، ضمن آيات وأحاديث تحث الإنسان على أن يرتقي بالتعامل مع الآخرين، ويبقى محافظا على إنسانيته وإنسانية الآخرين. ولكن يوجد من يطبق مبدأ الاحترام ليس من اجل المبدأ، وإنما لعلاقة تبادلية غير مبنية على أسس، الهدف المنفعة، وهذا ما جعلني أتساءل مع نفسي، هل يتم احترام المقابل قبل معرفته أم بعد معرفته؟ توجد نظريتان من وجهة نظري المتواضعة ضمن هذا المفهوم، وهما الأكثر شيوعا واستخداما في المجتمع، النظرية الأولى، التي تؤمن أن كل إنسان يستحق الاحترام إلى أن يثبت عكس ذلك، أي أن الشخص لا يحتاج الى أن يكون معروفا من قبل الآخرين لكي يحترم ويقدر على أساس معرفتهم به، وإنما هو يستحق الاحترام لأنه إنسان مثل الآخرين، (أي لم يثبت انه لا يستحق الاحترام). أما بالنسبة للنظرية الثانية، فهي تؤمن بالعكس تماما، أي أن الفرد لا يستحق الاحترام إلى أن يثبت عكس ذلك، فنجد الكثيرين ممن لا يحترمون الآخرين، لأنهم مجهولون بالنسبة لهم، ويعتمدون الاحترام والتقدير فقط للأفراد الذين اثبتوا جدارتهم، بحصولهم على هذا الحق الإنساني، لاحظ أن هذه النظرية مبنية على مبدأ سوء النية، أي أن الشخص يبني على أن المقابل (المجهول) غير جدير بالاحترام، وعندما يثبت عكس ذلك سيحصل عليه، أما بالنسبة للنظرية الأولى فهي مبنية على حسن النية، أي أن الشخص يبني على أن المقابل (المجهول) يستحق الاحترام، وفي حالة إثبات العكس يسلب منه هذا الحق. إن فكرة ربط الاحترام فقط بالأفراد الذين هم معلومون من قبلنا، أو مع الشخصيات التي لها حضور اجتماعي (معروفة أو بارزة)، هي فكرة خاطئة، تعبر عن قلة الخبرة بالتعامل مع الآخرين، فكثير منا ما يستخدم المثل القائل (الذي لا يعرفك يجهلك)، وهذا معناه أن الشخص لم يعرف قيمة المقابل إلا بعد أن يتعرف على قيمته ومكانته. إن أسلوب التعالي بالتعامل وتجاهل الآخرين، لا يعبر عن المكانة الرفيعة للشخص، وإنما يبين أن هذا السلوك هو نتيجة لوجود الشخص في مكان اكبر من حجمه، في السابق كانت الشخصيات تبرز في المجتمع، نتيجة عملها في مجال معين، مثل العمل العلمي أو الإداري أو الديني أو السياسي، أي إنجازات الشخص واجتهاده في مجاله، الذي جعله يصبح ذا مكانة اجتماعية معروفة، أما الآن فالحالة أصبحت معكوسة، لان اغلب الشخصيات البارزة عملها هو من اجل إبراز نفسها، وليس من اجل عنوانها الذي تُعرف به. إن فكرة العمل من اجل البروز بالمجتمع، واخذ مكانه خاصة (مختلفة عن البقية)، هي نتيجة لاحد السببين، إما بسبب نقص بالشخصية الذي يجعل الإنسان يشعر أن مكانه وحجمه الطبيعي في المجتمع اقل من الآخرين أو بسبب الأطماع الشخصية، أي من اجل أن يستغل الإنسان المكانة أو المنصب الذي يريد أن يصل إليه، وان دل هذا على شيء فيدل على أن المظاهر لازالت تلعب دورا مهما في المجتمع، خصوصا لدى الشخصيات الاجتماعية، التي تعتقد نفسها مميزة عن عامة الناس، وأن من يملك ثروة أو مركزا وظيفيا يستحق الاحترام من اجلها وبالتالي أصبحت لدينا علاقة طردية، ما بين الاحترام والحضور الاجتماعي، ضمن نسيج أو ثقافة المجتمع، التي هي أشبه بمغناطيس كبير، تجذب أفراد المجتمع من خلال الضغط الاجتماعي، غير المباشر على الفرد في مجتمعه، كمن يرتدي بذلة أنيقة وساعة يدوية غالية الثمن، فيلفت الانتباه أكثر من الشخص الذي يرتدي ملابس عادية بسيطة، كما ان هناك بعض العوائل تعتبر نفسها مميزة وأفضل من غيرها بانسابها العريقة المعروفة. فكم منا تقرب إلى هذه الشخصيات الجميلة، واكتشف أنها ليست جميلة، فهي شخصيات شمعية، وهي شخصيات تذوب وتنكشف كلما تقربت منها، وترى حقيقتها من الداخل وليس صورتها من الخارج.