في تجاهل غريب من نوعه لمشاعر الفلسطينيين ومعاناتهم، من الأسري إلي ذوي الشهداء، وصولا إلي بقية قطاعات شعبنا الفلسطيني المثقل بالجراح، المنهك من الأنين، يستمر رئيس السلطة الفلسطينية، بتحدي مشاعر الجميع، وينطلق من رحلة عناق إلي أخري، مع أولمرت، الذي بدوره يخوض حرباً دموية ضد شعبنا الأعزل، ويحاول أن يعزز مواقعه السياسية داخل التجمع الصهيوني، بالمزيد من الدماء التي يسفكها علي تراب فلسطين كل يوم.
مشكلة محمود عباس أنه بدأ يتصرف مثل أي زعيم عربي، ولم يع بعد أنه زعيم في شعب مختلف تماماً، في التجربة، والحياة. فالمرارة التي عاشها شعب فلسطين، وحجم التضحيات الجسام، جعلته مختلفاً، من حيث التحدي، والتعبير بأشكال عديدة عن رفض الإذلال، الذي لا يشاهده رئيس السلطة لأن سيارته لا تقف علي الحواجز الصهيونية مثل بقية الفلسطينيين، كما أنه لم يسبق أن أنجبت واحدة من نساء عائلته الكريمة علي حاجز أمام أعين الذئاب من الجنود الصهاينة، دون أن يسمح لها بالوصول إلي مستشفي، وحسب معلوماتنا ليس لديه أيضا أشقاء معتقلين، أو أبناء جرحي، أو غير ذلك من قاموس المعاناة اليومي لشعبنا.
ببساطة، هو زعيم عربي لا أكثر، هكذا كل تصرفاته تقول، فهو لا يراعي مكانة هذا الشعب، ولا طريقة حياته وخصوصياته، ويصر أبو مازن، علي الاستمرار في تبني منهجه السياسي، معتقداً أنه سيدخل التاريخ من خلاله، خصوصا وان نظريته في عالم السياسة والتعامل مع الكيان الصهيوني هي المشكلة الأساس، وهي التي أطلقها في كتابه الشهير (الصهيونية بداية ونهاية). هذه النظرية تقوم علي أساس أن الاقتراب من الكيان الصهيوني في عالم السياسة، سيحقق المعجزة ويعمل علي تفكيكه، وانتزاع دولة وغير ذلك من المتممات النظرية لأي فكرة فلسفية، يستطيع كتابتها أي شخص، وتصلح دراما تلفزيونية من عالم الخيال، لأن الوقائع وحركة الشعوب لم تكن يوما مسألة مخبرية، كما يجري اليوم، حيث يضع أبو مازن الشعب الفلسطيني بأكمله في المختبر، ويود إجراء التجارب عليه من أجل تحقيق نظرياته في عالم السياسة.
صحيح أن الشعوب العربية في حراكها ظلت أسيرة الاختيار النظري للزعماء العرب، طبعاً لأن الزعيم العربي ما يراه في المنام، يصبح ملزما لشعبه، الذي يحتفل بيوم ميلاد كما يحتفل بنزول الأفكار الجديدة التي يخترعها، خصوصا وان الوحي الخاص بالزعماء العرب، هابط صاعد، وما علي الأمة، إلا الاستجابة.
أبو مازن ليس بعيدا عن هذه الذاكرة، ولذلك تجاوز هذا الرجل احترام وتقدير الشعب الفلسطيني، بل وبات يعبث بوجدان هذا الشعب، وهو يعلم أنه يفعل ذلك، في انتهاك خطير للخطي التي سار عليها سلفه الرئيس الراحل ياسر عرفات، والذي رضي أن يكون سجينا وسقط شهيدا علي أن يستمر في عناق القتلة، بعد أن أدرك أن طريق التسوية مسدود.
الذي لا يريد أن يفهمه أبو مازن، انه لو اجتمع معه كل الزعماء العرب، وحاولوا إعادة أنتاج الشعب الفلسطيني من جديد وفق طريقتهم، ولو كان من ورائهم كل زعماء الكون المعتلين، فإن هذا الشعب لن يكون إلا شعبا ثائرا، فليحترم مشاعر هذا الشعب، وكفانا عناق القتلة، وكفانا نظريات، فما تراه في المنام يا سيادة الرئيس، حدث به أطفالك فقط، ولا تخبرنا عنه.
أيمن خالدكاتب من فلسطين6