احتفاء ألماني ببلوغه الخامسة والسبعين: الروائي السوري رفيق شامي الذي حمل معه شمس دمشق إلى ألمانيا

مروان علي
حجم الخط
2

صوت خاص جدا في الأدب الألماني الجديد وملك الحكاية بلا منازع، إنه صاحب «الجانب المظلم للحب» و»سر الخطاط الدفين» و»صوفيا» و»سر بعثة الكاردينال» وأعمال أخرى تركت أثرا كبيرا في قلوب القراء في ألمانيا والعالم. إنه رفيق شامي الروائي والكاتب الألماني السوري الأصل، الذي حمل معه شمس وسماء دمشق إلى ألمانيا حيث يعيش منذ مطلع السبعينيات.
وقبل أسابيع احتفل رفيق شامي مع عائلته الصغيرة في البلدة الألمانية الصغيرة التي يعيش فيها منذ سنوات طويلة، واعتذر عن عدد كبير من الدعوات من مؤسسات وجهات ثقافية وحتى رسمية بسبب الأوضاع المضطربة في سوريا وعدد من الدول العربية .
هنا وقفة مع تجربة رفيق شامي الطويلة والمتفردة في الكتابة.
ولد رفيق شامي في دمشق في حي «العمارة» الشعبي الواقع في المنطقة المسيحية قرب الباب الشرقي لدمشق، وهناك أمضى فترة الطفولة والشباب. كان الحي فريدا وعالما خاصا.. دمشقيون، شركس وأكراد وأرمن ودروز وعلويون، وفي حي ملاصق للعبارة عاش فلسطينيون ويهود بسلام. في هذا الحي تعلم رفيق شامي فن (الروي) لأصحابه وأدرك دور الكلمة وسحرها حين تقال بعيدا عن الوعظ والملل والبكائيات .
اسمه الحقيقي سهيل فاضل، غادر سوريا في مطلع السبعينات إلى ألمانيا حيث درس الكيمياء وتابع الدراسة حتى حصوله على درجة الدكتوراه، ليعمل بعدها في واحدة من أهم وأكبر الشركات الألمانية. لكن شغف الكتابة أخذه ليتفرغ تماما للكتابة الأدبية ويتابع مشروعه الخاص جدا وهذا ما لفت أنظار النقاد والقراء الألمان في تقديم عوالم دمشقية بلغة سهلة وفِي إطار سرد  مرصع بالشغف والحنين والأمل،  وتمكن من إقامة جسر يربط بين الحكاية العربية واللغة الألمانية مع إخلاص شديد لبيئته وشخوصه وأمكنته وأحلامه ومدينته دمشق طبعا   .
تنحدر عائلة رفيق شامي من بلدة معلولا الآرامية التي لا تبعد كثيرا عن دمشق، وأمضى طفولته وصباه في دمشق حيث المكان الحاضر بقوة في كل أعماله تقريبا .
أسس صحيفة «المنطلق» الجدارية والتي نشر فيها كتاباته الأولى وهو في سنوات الصبا، وتركت هذه الصحيفة أثرا كبيرا عليه لأنها منحته فسحة الحرية الأولى .

الحياة.. المعلم الأول
يقول رفيق شامي: «كنت لا أملك سوى 890 ماركا ألمانيا (900 – 10 ثمن سجائر في الطائرة) ادخرته من عملي كمدرس. اضطررت بعد أقل من شهرين للبحث عن العمل، فوجدت عملا في نقل علب البريد (رسائل وطرود بريدية) من شاحنات نقل إلى القطار وبالعكس. وكان علي العمل لثمان ساعات. ومن ذلك اليوم تنقلت على امتداد خمس سنوات إلى أكثر من 16 وظيفة منها الخدمة في المطاعم، والعمل في ورشات بناء، ومعامل الصلب في المدن الصناعية القريبة من هايدلبرغ. وكوني كنت قوي البنية فهذا أهلني لأعمال شاقة لكنها ذات أجر عال. وكنت أفضل تلك الأعمال أكثر من العمل في المطاعم، إذ كانت ظروف العمل فيها ولا تزال حتى اليوم، سيئة وبأجر زهيد.
لم أنقطع عن دراستي، إذ كنت أعمل في العطل وأنتظم في الدراسة خلال الفصل الدراسي، واستمتع بالحياة وكلما سنحت لي الفرصة أجلس لأكتب (خاصة روايتي «الوجه المظلم للحب»). ولا أخفيك أنني كنت سعيدا بحريتي ونقاء حياتى من أية تبعية.
هذا الانخراط في الحياة الألمانية ورؤيتها في قاعها أعتبره معلمي الأكثر إقناعا عن الحضارة الأوروبية وطبيعة المجتمع الألماني، وكذلك أفادني في صقل ألمانيتي وفي البدء بحوار عسير مع الألمان حول الثقافات لم أنته منه حتى اليوم. وفِي كل مساء كنت أجلس قبالة صورة صغيرة لدارنا في دمشق وأحتسي الشاي مع الذكريات».

كيف أصبح كاتبا؟
في روايته «المرأة التي باعت زوجها في سوق البراغيث» أو كما يسمى في دمشق (سوق قميلة)، يأخذنا رفيق شامي إلى سيرته أيام الطفولة والشباب في سوريا ومرحلة النضج السياسي، وقد روى لي مرة كيف كان يقرأ بنهم شديد كتبا من مكتبة أبيه أو مكتبات أهالي زملاء مدرسته الأثرياء، وقد تعلم الكثير من تلك الكتب، وكيف أدت هذه القراءة إلى تقدم بنجاح في مدرسته (الكلية البطريركية الكاثوليكية) وإلى كره لكل ما هو قومجي شوفيني وعنصري مما أدى إلى صراع مع بعض الأساتذة، وفيما بعد مع ستالينية خالد بكداش وحزبه الذي أطلق عليه اسم الحزب الشيوعي والذي ورثته ارملته وفيما بعد عشيرته الخانعة أمام الروس والأسد.
كما يحدثنا عن الدراسة والعمل والكتابة في ألمانيا من خلال حوار بين الحفيد والجد نمضي مع الكاتب عبر لغته السلسة والرشيقة وحكاياته الآسرة حول دمشق وحاراتها وأزقتها وأسواقها. وتفتح ذاكرة الطفولة المشهد على دمشق القديمة بتفاصيلها الساحرة، وأسرارها الخفية، بمعاناتها تحت وطأة عقود من الديكتاتورية، وأغلال قرون من العشائرية، بناسها وبيوتها ومعابدها، تقاليدها وأعرافها، وإرثها الثقافي الشفهي من الأساطير والخرافات الشعبية والأقوال المأثورة.
في هذا الكتاب يقف رفيق شامي ليتأمل تجربته في الحياة والكتابة ويقترب من القارئ كي يعرف الطريق الطويل الذي سار عليه حتى  أصبح كاتبا بل واحدا من أهم الكتاب  الذين يكتبون باللغة الألمانية.

على الكاتب أن يقف مع شعبه
الذين يعرفون رفيق شامي من خلال رواياته ومقالاته وحكاياته يعرفون الموقف الواضح له من قضايا الحرية والكرامة، حيث لم يساوم أبدا، ودفع ثمن ذلك ليس فقط في منفاه بعيدا عمن يحب بل لأن دور النشر العربية وحتى المترجمين ابتعدوا عن أعماله، وبقدر ما كان يحقق النجاح والشهرة في ألمانيا وأوروبا والعالم كانت محاولات بائسة للتعتيم على هذه التجربة المتفردة والناجحة بسبب الموقف السياسي لصاحبها الذي يقول: «على الكاتب ان يكون واضحا ويقف مع شعبه وحقه في الحرية والكرامة والحياة دون (لو) و(لعل) و (عسى) و (سوف) و(إن).. وبلا أي تردد. على المثقف أن يكون نورا في هذه الظلمة الحالكة وأعتقد أن سعد الله ونوس حين قال (نحن محكومون بالأمل) قصد بالدرجة الأولى المثقفين.
مقالاته السياسية تترجم إلى أكثر من لغة، وهناك عدد كبير منها كتبه بالعربية للصحف الإلكترونية قبل وبعد الثورة مثل «الجدار» و»صفحات سورية». إلى جانب كل نشاطاته اهتم رفيق شامي باللغة العربية المعرضة للخطر وأصدر دراسة طويلة وشيقة تحت عنوان «قرعة جرس لكائن جميل».
وعن علاقته بدمشق يعترف رفيق شامي :»دمشق ليست مدينة على الخارطة بل حياة ضاعت مني كما يضيع مفتاح بيت دمشقي وككل شيء غال فقدته حفرت دمشق منمنات أيامي معها في ذاكرتي.
دمشق لا تشبه إلا نفسها ولا تضاهيها مدينة أخرى وسأظل أغني حبها ما دمت حيا.
أتخيل دمشق وقد تعبت وملأ اليأس قلبها.. لكنها دمشق التي رغم كل شيء ستلقي اليأس والخراب عن كاهلها وتنهض كما فعلت مراراً  في تاريخها رافعة جبينها عاليا كفتاة جميلة ومدللة».

أسرار الفتنة
استفاد رفيق شامي من عمله كباحث كيميائي في تدقيق كل شيء في أي عمل والبحث والتمحيص سواء أكان ذلك يتعلق بحادثة ما أو مقولة أو حتى تاريخ ووصف بيت دمشقي او زنزانة في سجن أو حكاية. يقول: «كابدت الكثير لشق طريقي دون تقليد أحد ولأنني سريع الملل أعتني جدا بالحبكة في كل رواية بشكل كبير ومثير … يسهل ايصال ما أريده دون وعظ وهذا الأسلوب يجذب القارىء مهما تعقدت وتشابكت أحداث الرواية».
في رواية «صوفيا» التي ظلت لشهور على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، لا يكتب رفيق شامي عن الثورة أو الانتفاضة السورية وهو لا يتفق مع فكرة كتابة رواية الثورة، فعلى عكس الشعر أو الدراسات السياسية أو التحقيقات الصحافية التي تلعب دورا هاما في مرافقة أية ثورة تفشل أغلب الروايات المرافقة للثورات والتي كتبت غالباً على عجل ويذوي تأثيرها بعد زمن قصير، لأن فن الرواية يتطلب بعداً نقدياً يسمح بروي أحداث ما دون تأليه او حتى عشق أبطالها. ما يهمه وتحديدا في «صوفيا» هو الزمن الذي يسبق الانتفاضة حيث تبدأ فيه الأرض بالاهتزاز وتتشقق طبقات الإسمنت المخابراتي تحت أقدام الناس .الرواية تتحدث عن خوف الناس وعن مراقبتهم  لكل ما يقولونه خوفا من  عواقبه، ثم كيف بدأوا يشعرون بأن الوقت قد حان للمقاومة. وبنفس الوقت تتحدث الرواية عن استحالة العودة لمنفي مثل سلمان بطل الرواية دون زوال سبب منفاه.
رواية جريئة يتجاوز فيها الحب العقل ويقوده للمقاومة رغم اليأس .
وهذه الرواية أغنية لدمشق البعيدة والتي ستعود لأهلها وعشاقها.
وفي أحدث رواياته «سر بعثة الكاردينال» يعالج رفيق شامي كما في رواياته السابقة مواضيع هامة في مجتمع يقف على أعتاب ثورة. تدور أحداث الرواية في دمشق نهاية عام 2010 وبداية 2011. مفوض الشرطة الجنائية بارودي، رجل في أواسط الستينيات مرهق بعد أربعين سنة من العمل الدؤوب لمكافحة الجريمة في بلد لا يسمح له فيه أن يسأل كل من يلزم التحقيق معه. وُكِلَ بالتحقيق في جريمة بشعة بعد تلقي السفارة الإيطالية برميلا كبيرا قيل أنه مليء بزيت الزيتون وعندما فتحه الطباخ وجد في الزيت جثة كاردينال كان قد وصل إلى دمشق قبل عدة أسابيع.
لماذا اُرسل البرميل إلى سفارة إيطاليا وليس كما وجب إلى سفارة الفاتيكان؟ ما معنى الحجر الأسود الذي وضعه القتلة مكان قلبه الذي نزعوه وقاموا بخياطة الجرح بعناية فائقة كما فعلوا بعينيه بعد أن أغلقوا جفونه على قطعة نقد ذهبية؟ ولماذا نُزِع خاتم الكاردينال من إصبع يده اليمنى، هذا الخاتم الذي يمنحه البابا عندما يبارك تسمية الكاردينال الجديد؟ كل هذا دل بارودي أن هناك رسائل وراء هذه الإشارات في جثة القتيل.
الشيء الجديد في هذه الرواية هو بنيتها الفنية فأحداثها تدور خلال ثلاثة أشهر من تشرين الثاني/نوفمبر2010 إلى بداية شباط / فبراير2011 لكن من يقرأ الرواية يدخل إلى عمق المجتمع السوري وخاصة الدمشقي ويرافق تطوره طوال ستين سنة عبر يوميات المفتش بارودي التي يكتبها بوضوح عديم الرحمة لا يخلو من السخرية من ذاته، ويخفي مذكراته في مخبأ أمين، لأنه لا يتجرأ على الحديث بصراحة مع اي زميل او جار. في هذه اليوميات خلفية توضح لماذا ستقوم ثورات الكرامة في كل البلدان العربية حتى ولو هزمت مئة مرة.

تكريم وترجمات
تُرجمت روايات رفيق شامي إلى أكثر من ثلاثين لغة وحصل على جوائز ألمانية وأوروبية وعالمية وعرضت قصصه على شكل مسرحيات في عشرات المسارح وحتى في دار الأوبرا الشهيرة في فيينا (قصة فاطمة ولص الأحلام). وكل رواية جديدة له حدث أدبي كبير في ألمانيا ترافقه رحلة لأكثر من 100 أمسية لكل كتاب في مسارح كبيرة في ألمانيا وسويسرا والنمسا. مع ذلك هناك تجاهل إعلامي عربي مقصود لهذه التجربة الأدبية الفذة بكل تأكيد، بسبب مواقفه من قضايا الحرية وحقوق الإنسان وعدم مهادنته في دفاعه عن حقوق المرأة في المساواة التامة، ووقوفه مع حق الانسان في حياة حرة وكريمة مهما كانت عقيدته أو انتماؤه الإثني أو الثقافي والسياسي.
وماذا عن مشاريعه المستقبلية؟
في حديث لنا قبل أسابيع طرحت عليه هذا السؤال فأجاب: «هناك رواية كبيرة أحاول منذ سنين إنهاءها، وموضوعها مديح فن السرد الشعبي الشفاهي دون وعظ بل عبر استخدام وسائله الشيقة. سيصدر لي في تشرين الأول/أكتوبر كتاب صغير وهام بعنوان «ضد اللامبالاة»، انتقد فيه نزعة اللامبالاة التي تتفشى في ألمانيا، كما في أغلب البلدان، أسرع من كورونا والتي تسمح لنجوم الكتاب والمفكرين والفلاسفة «التلفزيونيين» كما أسميهم بتعليقات عنصرية محرضة على العنف ضد الأقليات دون أن يخشوا عقابا. فالناس اللامباليون نيام وهم في يقظة. هؤلاء «النجوم» اعتُبروا يوماً «يساريين متطرفين» وهم اليوم من أكثر الناس تطرفا في عنصريتهم ضد اللاجئين والأجانب وكل ما ومن ينتمي للإسلام. وأنا إضافة لتحليل اللامبالاة وخطرها، أبرهن على أنهم لم يكونوا يوما يساريين ولا هم اليوم يمينيون، بل هم بنفس صغيرة انتهازية يبيعون على بسطاتهم الفكرية ما هو رخيص ورائج.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية