إن رواية صلاح الدين بوجاه « لون الروح»(1) هي من آخر النصوص الروائية لهذا الكاتب الروائي و الناقد التونسي ، و هي من بين الأعمال السردية التونسية المتميزة التي تشد القارئ إليها باختلافها عن السائد و المألوف. فهذا النص السردي بدا لنا ضارباً بأوتاده في صميم السرديات المعاصرة . و إن كان يتقاطع أحياناً مع نصوص روائية مصرية في توظيف الأمكنة (الصحراء , البحيرة , النهر …) و بالأخص منها روايات صبري موسى و محمد البساطي و صنع الله ابراهيم فإنه في الحقيقة ينفرد ببعض المميزات منها شراسة الوصف الذي يعري الأشياء و يفضح الأقنعة المصطنعة و يلج أتون العتمات الدامسة، و كذلك سلاسة اللغة التي تمنحها جمالية أدبية آسرة ، بالإضافة إلى شذرات التخييلي التي تنذر بنسف واقعية النص و العروج به إلى عوالم العجائبية و الأساطير.
جمالية السرد و النص الجامع : *
إن هذا النص الروائي بمكوناته السردية و تقنياته الاسلوبية و الجمالية كفيل بإثارة القارئ المتمعن في المتون الروائية بعمق لأن النظام السردي و الخطاب الذي يتشكل في سياقه يشرعان لقراءة تأويلية نافذة و ممتعة ثم إن نص « لون الروح» من الأعمال السرديّة القليلة التّي تنهض بداياتها على عتبات نهاياتها وتنعطف مشاهدها السرديّة على بعضها البعض في اتساق عجيب, وهو يندرج في اطار فن التجريب الذي يعمد فيه السارد إلى تشويش هويّات الشخصيات الأبطال و تتوه فيه هويّة السارد بين مفهومي الرّاوي والمؤلف إلى جانب احتضانه لتقنيّة النص الجامع (2) وهو النص الروائي الذي يحتضن مقاطع من نصوص أخرى وبالتالي يكون المتن السّردي صدى لنصوص وآثار سابقة ولكتّاب مختلفين.
فالمتتبع لمسار البنيه السردية هنا يسجل ان صلاح الدين بوجاه قد ضمن نصّه الروائي مقاطع ومقتتطفات من كتابات متعددة لعل أبرزها «الشعب في الشارع» للينداغرانت و «دون كبشوت» ليميغال دي سرقنتيس و «كتاب المخلوقات الوهمية» لخورخي لويس بوخريس ومرغريتا غيريتو. وهذه النصوص المتنوعة ورغم سعي الكاتب إلى تركيبها والتأليف بينها في روايته فأنها تثير احيانا صعوبة لدى القارئ تحيل على التعقيد والغموض سواء في مستوى تلمس اتجاه المسار السردي أوفى مستوى تحديد ملامح الشخصيات الفاعلة في الأحداث الروائية.
*احتفاء بالمكان روائيا:
رغم أن عنوان الرواية « لون الرّوح» يوحي أوليا يطرح إشكاليه فلسفية-ميتافيزيقية هي مسألة الروح لدى الإنسان من حيث طبيعتها وخصائصها وعلاقتها بالجسد فان القارئ لا يجد سوى ايماءات طفيفة داخل النص لهذه المسألة. اذ تجاوز الكاتب المقولات الفلسفية المثالية والمادية في هذا السياق إلى المعطى الوجودي-الأنطولوجي لأن الإنسان عموما لا يتجلى معنى وجوده الاّ من خلال الحركة والصّراع في الحياة:» كل حركة تحسب على صاحبها, الصمت يلّف الجميع,والفندق الكبير ساكن تماما, أما الأنباء فمشوشة متضاربة, المنتجع بكامله في حالة انتظار امر جله غير معلوم, لذلك فهو هادئ ساكن,مثل مشرحة بعد خروج الجثة الأخيرة « (3 )
إن الانسان الذي يراوح بين الخير والشر, بين البناء والتدمير كائن عجيب الأطوار في هذا النطاق, لكن روحه تبقى سرا من الاسرار الابدية رغم عجائبيتها :»يبدو أن أصحابنا ينقبون على لون الروح فيما وراء الشحنة البادية ويرغبون في الوصول إلى اكتشاف ضمائر الناس وأسرارهم. وهل لون الروح الا من العلامات التي يصعب الوقوف عليها او البث في شانها فهو ابيض كالسماوي يجري ولا يتغير وهو متدرج للامحاء عند الغروب تبعا للضوء المسلط عليه» (4) أما الجسد الإنساني –هذا الجسم الآدمي الحي الفاعل- فهو معّرض لضروب المعاناة والألم والموت رغم أنه موقع المتعة واللذة في سياق الصراع والسعي لمغالبة الموت بل انه قد يتقلب إلى لعبة في ظل المتناقضات التي تحضنها الأمكنة و الأزمنة وضياع معنى الإنسان «الجسد لعبة, الأحلام,الجدّ نفسه لعبة,بل أبهى لعبة بين يدي هذا الكائن التائه في صحراء المين» (5)
والمتأمل في هذا العمل الروائي يلاحظ أن المؤلف قد وزّعه على ثلاثة فصول هي: 1- المنتجع قرب البحيرة 2- الشارع الفضفاض 3- غابة الأوكاليبتوس. تُحيلنا هذه العناوين على الأمكنة وهو ملك يدل على الإحتفاء بعنصر المكان في البناء السردي فحضور المكان هنا يبدو مركزيا وبالتالي فإن الكاتب تجاوز به وظيفته الصفر وارتقى به إلى مرتبة جعلته وسيلة فنية أساسية في النظام الروائي من خلال تعبيره عن الحالة النفسية للشخصية وتأثيره في مسار الاحداث الروائية . واذا كان هذا العمل الروائي يوحي ببعض سمات الواقعية حينا فانه يتكشف أحيانا عن ملامح عجائبية تحيل القارئ على عالم الأساطير وتكون للمكان هيمنة شبه مطلقة على مكونات النظام السردي بآعتبار أنه :»في السياق الروائي تتخذ الاشياء اشكالا جديدة وألوانا جديدة وتصبح حبلى بما لا يحصى من المعاني السياقية الحافة الجديدة التي تجعلنا ازاء واقع جديد يختلف تماما عمّا يمكن ان يوهم بأنه يماثله» (6)
إنّ المتأمل في تفاصيل المكان الفاعلة في رواية «لون الروح» يمكن ان يرصد بعض الأمكنة الاساسية التي تدور فيها الاحداث الروائية وتتأثر بحضورها، واهم هذه الامكنة:المنتجع (قريةسياحية) بين بحيرة وصحراء في الشرق،الفندق السّجين،الصحراء. إلاّ أن المكان الاساسي الذي تدور فيه أغلب الاحداث هو الفندق(نزل سياحي يفد عليه النزلاء العرب والإسرائبليين والأوروبيين) الذي يهيمن على فضائه حدث مركزي يتمثل في نشاط فرقة مخابرات للتجسّس على النزلاء ومراقبة السيّاح والتحسّب لإمكانية قدوم مجموعات سريّة للقيام بعمليات «إرهابية» في القرية السيّاحيّة : «التحقت بعملي يوم الثلاثاء ، في الفندق الكبير ظهر الخميس دعاني المحافظ واسند إلى الفريق العامل تحت إمرتي مهمّة مراقبة النزلاء، والاستعانة بالسّعاة وعاملات التنظيف،والخدم،والانتباه إلى ما يمكن أن يحدث في هّذه القرية السّياحيّة الشاهقة.. إحساس بالانكشاف وغياب الامن يتحكم في رجال الحماية، الأعوان خائفون مثل شجرة في البريّة تتقاذفها الريّاح، يوصون بالتدقيق في شؤون النزلاء،الرجال والنساء،الحقائب الكبرى والصغرى،بيوت الحمام، غطاء السرّير،مادون السّرير من صناديق ومحفظات،الغرف الجانبية،المقاصير الخاصة في الأجنحة الفاخرة،الممرات والمعابر…» (7)
*الرّاوي/تداخل الشخصيات:
ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان قراءة هذا العمل الرّوائي تحيل القارئ على تسجيل بعض الجوانب المتصلة بعناصر النظام السّردي من أبرزها غموض العلاقة بين الراوي والشخصية وحدودها. اذ يبدو الراوي طورا مستقلا بذاته ينقل حكاية هو غريب عنها هي حكاية الشخصية. في حين يظهر من خلال لغة الخطاب الرّوائي في بعض المواطن فاعلا في النص مشاركا في انجاز أحداثه و تسند الأفعال الى ضمير المتكلم المفرد و بذلك ينقل حكايته هو و يكون مجرد راو شخصية « ولقد لزمني هذا الشك طويلا حتى بعد الفراغ من مهمّة المراقبة ووقوع تلك الأحداث الكبرى التي غيّرت حياتي. بقيت مرتابا في سلوك وأفكار كل من حولي» (8).
أما الشخصيات الروائية-التي يتلاشى حضور البطل بينها ومن اكثرها ظهورا في مسار الأحداث (رحيم سويد-المكّي-عارف…) فإنها تشترك في نشاط المراقبة الأمنية داخل الفندق والتلصص على النزلاء وإن تفاوتت مراتب حضورها وتباينت نفسيتها. وهناك بعض الشخصيات التي يكون حضورها عرضيّا في بعض مفاصل المسار السّردي وهو ما يوحي بتقاطع الاحداث وتوتر إتجاهها في بعض الأحيان.
*الصراع مع الآخر الإسرائيلي:
إن القارئ لنص «لون الروح» بأمكانه أن يتّوصل إلى استنتاجات كثيرة تتعلق بالجانب المضموني، ولكّن رأينا من المفيد حصرها في موضوعيين أساسيين ؛ يتعلق أولها بالانسان مطلقا وفقدان الكائن المعاصر لمعاني الانسانية والقيم الأخلاقية بفعل آثار الحضارة الكوكبية-التكنولوجية المتوحشة( القتل-الظلم-تعذيب المساجين-انعدام الأخلاق الطيّبة…) أما الموضوع الثاني فإنه يتصل بإشكاليات الصّراع العربي مع الآخر الاسرائيلي الصهيوني.
إن تناول إشكاليات الصّراع العربي مع الآخر الإسرائيلي ليس موضوعا جديدا في مستوى الخطاب الروائي العربي المعاصر باعتبار أنّ العديد من الرّوائيين الفلسطينيين قد تطرقوا إليه في أعمالهم الرّوائية منذ زمن النكبة ومنهم غسان كنافي في «عائد إلى حيفا» و إميل حبيبي في «سداسية» الايام الستة و يحي يخلف في «تفّاح المجانين» وسحر خليفة في «عباد الشمس» « إلا انّ الجديد الذي لابدّ من الإشارة إاليه في رواية صلاح الدّين بوجاه يمس الاساليب الفنية والتقنيات السردية. لقد وظف بوجاه تقنية الوصف لطرح هذه الإشكاليّة بلغة سلسة مشبعة بالصور والمشاهد الإيحائيّة ، ذلك أن وصف الأمكنة (المنتجع،الفندق,الصحراء) يحيل على منتجع شرم الشيخ وصحراء سيناء . فالتوسع والامتداد الجغرافي الاسرائيلي – ولو عن طريق الحضور الامني والاستخباراتي- هو أول وجوه هذا الصراع في مظهره الخفيّ :»هناك من يؤكد أن هؤلاء القادمين من عملاء من الكيان المجاور قدموا لتنسم الاخبار وحماية رعاياهم فالمتناقضات لا تكف عن النزول على رؤوسنا مثل امطار الصحاري الدافئة،تتكرر، تتماثل لكنها في كل مرة تحدث نفس الاثر تفاجئنا، تضغط على ادمغتنا. وهنالك أيضا من يضيف أن أفراد الكومندوس السّري يضمّون نساء حسناوات، بل لعل إحداهن كانت في بعض السنوات ملكة من ملكات جمال الكيان المجاور في هذا الطور تبدلت خطة المراقبة ،دخلت حقبة جديدة من حقب التلصص على جميع هواتف الإقليم الشرقي…»(9)
وفي هذا السياق الروائي تتخذ العلاقة بيت الأنا العربي والآخر اللإسرائيلي ابعادًا نفسيّة وثقافية وحضارية متنوعة ولكنها لا تخرج عن دائرة الصراع سواء كان ظاهرا أو خفيا وهو صراع يضرب بأسبابه وخلفياته في التاريخ القديم ولا يزال ممتدا بشراسة في الحاضر وتنفتح مآلاته على المستقبل الإنساني الغامض. لعّل من ابرز أبعاد الصراع العربي الإسرائيلي أنه صراع ثقافي وحضاري عميق. فالثقافة اليهودية وان كانت لها مميزاتها الدينية وتقاليدها وتراثها الخاص فانها في آخر الأمر ترتبط بالحضارة الغربية المعاصرة من حيث الدلالة على الايغال في النزعة المادية و التوحش والخلو من القيم الأخلاقيّة والمعاني الروحية والإنسانية السامية.وهذا يَظهر من خلال وصف مدينة تل ابيب في بعض المشاهد الروائية المقتضبة :»في أكتوبر 2003 عدت إلى تل أبيب ، أقمت هناك أربعة اشهر بالقرب من كشك الفلافل في مبنى منخفض من اربعة طوابق يمتد بطول الشارع… المبنى ذو طابع يحمل بعض الشبه من الطراز الذي كان سائدا سنة 1909 حين دعت الهجرة الجماعية من اوروبا الى حاجة ملّحة وسريعة لبناء منازل جديدة وضع تصميمها مهندسون مهاجرون مما اعتادوا الاسلوب الغربي الحديث في البناء.. ابتكروا مدينة كاملة على ساحل البحر الابيض المتوسط (10). كما ان من تجليات هذا الصراع وأبعاده التي بإمكان القارئ أن يستشفّها من خلال المشاهد الروائية هذا سعي كل طرف من الطرفين إلى اثبات وجوده التاريخي والنفسي والثقافي من خلال إلغاء الطرف الأخر ،وبالتالي يبدو الصراع في هذا المجال صراع وجود يقوم على التشبث بالحاضر والخوف من المستقبل المجهول، مثلما يبرزه هذا المشهد الذي يبرز التمدد الديني والثقافي المتواصل للإسرائيليين اليهود في مقابل اندثار الثقافة العربية بمظهرها الإسلامي والمسيحي :»في الآونة الاخيرة تناقص عدد المساجد والكنائس في القرى والضّيعات الصغيرة، تكاثر عدد البيعات كل شئ هنا ذاهب إلى الندرة باستثناء ما يدعم الفكر الغالب.المغلوبون اصبحو يعتقدون أن هذه هي الحالة الطبيعيّة وأنّ النظر الى الداخل افضل كثيرا.فالمستقبل غير معروف، بلا معنى « (11)
إنّ الصورة الاساسية للإسرائيلي-الصهيوني في هذا النص الروائي هي صورة المحتل القادم من ارضٍ بعيدة والمغتصب للأرض العربية. فهو كيان غير طبيعي ولا إنساني أحتل ارض العرب عن طريق الحيلة والخديعة حينا وبواسطة العنف والقتل أحيانا أخرى، وبالتالي فإنّ هذا العدوّ ينظر إلى العرب بعين الرّيبة والتوحش.»لقد جاؤوا من إسبانيا ،تركيا ،اليمن ،سوريا ،بولندا ،اوكرانيا ،ليتوانيا،يوغوسلافيا،فرنسا،ألمانيا،الدنمارك،هولندا، مصر،جنوب افريقيا ،مولودوفيا ،صربيا،المغرب،تونس،الجزائر،أثيوبيا،الهند،كوبا،الأرجنتين،المكسيك،افغنستان… كل الشوارع مكتظه باليهود الدياسبورا، الذين جمعوا شملهم بعد ألفي عام قائلين لبعضهم البعض:هاي اتذكروننا؟»(12) من هنا نستنتج أن من اشكاليات علاقة العربي بالآخر الاسرائيلي-الصهيوني الخوف المتبادل وهي معطى أساسي يرتبط بالذاكرة التاريخيّة باعتبار أن خلفيّة الصّراع هي الوجود والإثبَات التاريخي.لذلك تبدو لنا صورة الإسرائيلي صورة دموية ووحشيّة تجاه العرب عامة والفلسطينيين خاصة ذلك أنّ الصهيوني القادم من بعيد يعيش حالة خوف دائمة ويسلك أساليب القتل والتنكيل الوحشي لتثبيت احتلاله للأرض من جهة كما يتبع طرائق نشر الرّعب وسلب الممتلكات والديار لتهجير أهلها من جهة أخرى:»إنّ الحياة في الحّي الذي اقيم به -مربّع سكني أطلق عليه اسم يهودا- تشبه اجواء انقلترا في الخمسينات عدا وجود سوبرماركت عبر الشارع يحمل اسم سوبرسول. ماهي حقيقة الحياة؟ الكل يخضع تحت حراسة اصحاب الحّي الرّوس،المدّججين بمسدسات في أحزمتهم… تتوالى أيام الشارع الفضفاض متماثلة لا جديد فيها، الأسر تنغلق على خيرها وشرّها،أم وليد لا حديث لها إلا عن المضايقات التي تتعرض لها،أهل سامر ايضا يضيفون انّهم حرموا من بعض ممتلكاتهم، هي فرصة بالنّسبة إلى المسؤوولين لإخراجهم من الأرض والدّور…» (13)
[email protected] (*) كاتب وباحث تونسي :
(1) صلاح الدين بوجاه/لون الروح،دار الجنوب للنّشر،تونس 2008.
(2) النص الجامع: مصطلح نقدي متداول في المدرسة البنيوية:وهو النص السردي الذي تنفتح فيه ذاكرة المؤلف على
(archi-texte) نصوص سابقة فيؤلف بينها في نصّه
(3) لون الروح ص،56.
(
(11) م.ن. ص:93
(12) م.ن. ص:110
(13 ) م.ن. ص ص : 104-105
عمار عوني