احتفاء بالتجربة الشعرية عند أحد رُوّادها الحالمين الكبار !

حجم الخط
0

في الدورة الـ 27 من المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث:

عبد اللّطيف الوراريالاحتفاء بهويّة القصيدة المغربية وأجيالها: اِحتضنت شفشاون، وهي بلدة أخّاذة تقع شمال المغرب، فعاليّات الدورة السابعة والعشرين من المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث، يومي 14 و15 يوليو/ 2012م. حضرها أبرز ممثّلي القصيدة المغربية المعاصرة بمختلف أجيالها وحساسيّاتها المائزة، كما حضرها نقّاد ودارسون يتقدّمهم الناقد والأكاديمي المخضرم نجيب العوفي، وأعينهم قبل أدوات تحليلهم على التجربة الشعريّة عند محمد الميموني بوصفه واحداً من أهم روّاد الشعر المغربي الحديث ممّن بقوا على قيد الحياة، إلى جانب ابن بلدته ورفيقه في القصيدة الشاعر عبد الكريم الطبال. وقد انطلقت الفعاليّات مساء السبت في فضاء القصبة الأثري، بكلمة رحّب فيها مدير المهرجان الشاعر عبد الحق بن رحمون بالشعراء والنقاد والإعلاميّين الذين تجشّموا وعثاء الطريق وقيظها، من أجل الاحتفاء بالقصيدة، مُؤكّداً على حرص جمعية أصدقاء المعتمد على وفائها بالموعد السنوي للمهرجان الشعري الذي بات يكرّس نفسه كعلامة دالة على الهُويّة والانتماء إلى ثقافة مغربية مخصوصة، وما فتئ يسعى إلى ترسيخ قيم التعبير الشعري في الحاضر وفي سياق التداول الفنّي، بما يعنيه ذلك من تحصين لمدوّنة القول والخيال والذوق، والطموح إلى جعل القصيدة المغربية، بشتى لغاتها وأصنافها، مقاماً من مقامات الاحتفاء، كبديل عن الثقافة السائدة التي تروّج للمبتذل والساقط؛ قبل أن يُطلق عنان القول ومخيّلته لشعراء وشواعر تناوبوا على منصة الإلقاء فأبدعوا وصدحوا بالقصيد الذي رجّعت أصداءه أسوار القصبة التاريخية التي تعود إلى عصورٍ خلت، وهم: عبد الكريم الطبال، بوزيد حرز الله (الجزائر)، محمد الميموني، وفاء العمراني، حسن الوزاني، خالد الريسوني، صباح الدبي، يحيى عمارة، محمود عبد الغني، أمينة المريني، فاطمة بنمحمود (تونس)، أحمد بنميمون، ياسين عدنان، الزبير الخياط، محمد أحمد بنيس، جمال الموساوي، محمد المسعودي، محمد علي الرباوي، محمد عرش، ايمان الخطابي، عبد الحق بن رحمون، جمال أزراغيد، مخلص الصغير، فاطمة الزهراء بنيس، محمد بنيعقوب، عبد الله المتقي، عبد الجواد الخنيفي، عبد السلام مصباح، عمر العسري، محسن أخريف، علية الإدريسي، منصف بندحمان. وقد تخلّلت حفل الافتتاح وأمسيتي الشعر معزوفاتٌ موسيقيّة على آلة الأرغن وقّعتْها، باقتدار، أنامل الفنّانة الأديبة سعاد أنقار.

في التجربة الشعرية عند محمد الميموني: ومن قناعة ترسّخت لدى مُنظّمي المهرجان بأنّ الشعر المغربي صار يمتلك من المقوّمات الجمالية والتخييلية التي تحتاج إلى البحث والدراسة المستفيضة في كثير من تجاربه الشعرية، اختير خلال هذه الدورة محور ‘التجربة الشعرية عند محمد الميموني’ في ندوة نقدية شارك فيها الناقد والأكاديمي المخضرم نجيب العوفي، والنقاد الشعراء يحيى عمارة، وعبد اللطيف الوراري، ومحمد المسعودي، وعمر العسري. وكشفت مداخلاتهم جوانب متعدّدة من تجربة هذا الشاعر الرائد في تاريخ الشعر المغربي. ففي مقاربته المعنونة بـ (التجربة الشعرية للشاعر الكبير محمد الميموني)، وصف الناقد نجيب العوفي الشاعر المحتفى به بأنّه ‘نَهْـرٌ شعريٌّ ميموني يمضي لوجهته الشعرية عميقا، ً وئيداً ودؤوباً لا يلوي إلّا على الشعر’، و’نَهْـرٌ رقراقٌ غارقٌ في حبّ مجراه’، وهو ـ بهذا المعنى ـ ‘ الشاعر النّهْري الذي الذي رأى وروى’. وبعد أن عدّه واحداً من مؤسِّسي ومشترعي القصيدة المغربية الحديثة، ضمن شعراء آخرين هو أكثرهم ‘دأباً على الشعر’، إذ تمتدّ تجربته لنِصْف قرنٍ من الشعر، أي منذ طلائع الستينيّات إلى الآن، قدّم نجيب العوفي قراءةٌ كرونولوجيّة لمسار محمد الميموني الشعري، معتمداً على أعماله الشعرية الكاملة التي صدر عن وزارة الثقافة المغربية في جزئين. ورأى في لغة الشاعر خاصية الملاسة بوصفها مصدر قوّته، فهي السهل الممتنع الذي يجمع بين العذوبة والجزالة، إذ يختار مفرداته بعناية، وينضّد جمله برهافة، ويسبك صوره الشعرية بخيوط من حرير، وقال: ‘على امتداد مساره الشعري الطائل والحافل كانت لغة الميموني تينع وتزهو من غير أن تفقد خاصيتها’. ولفت إلى أنّ ‘سخونة المرحلة’ التي قال فيها محمد الميموني الشعر آخذة بعنان ديوانه الأوّل (آخر أعوام العقم) تحديداً، حيث كانت المرحلة تستدعي بعض الخطابة والهتاف، وإن كان الشاعر نفسه واعياً بذلك، ومحاولاً التخفُّف من النبرة الخطابية في شعره؛ لكن ما أن خبا جمر الرصاص وذهبت أحلام التغيير، بدا الأفق رماديّاً أمام الشاعر، فطغت على شعره نبرة الأسى والحزن. وبهذا المعنى، وجد الناقد نجيب العوفي في الشاعر صفة من كان شاهداً بحقّ على مرحلةٍ ملغومةٍ من تاريخ المغرب، عبّرها ورصدها في شعره. إلى ذلك، رصد العوفي أربع تيماتٍ متداخلة ومتآخية في شعر محمد الميموني، هي: الوطن، الطبيعة، الذّات والحلم. وفي سياق ذلك، نعته بأنّه ‘نيوكلاسيكي الثقافة’، و’الرومانسي الكبير’ الذي تجد في شعره شيئاً من الشاعر الإسباني ـ الأندلسي غارسيا لوركا لغةً وحساسيّةً، و’السكرتير الشعري’ لمرحلة من تاريخ المغرب الحديث؛ لكنّه أكد أنه مع طلائع الألفية الثالثة، سوف يدخل الشاعر في مرحلة جديدة سمّاها ‘المرحلة الإشراقية- الغنوصية’، بعد أن ‘حال الحال وتبدّل المآل’ وتغيّرت المدينة في عين الشاعر، وهي المرحلة التي تتّسم ب’متاهة التأويل’ حيث ترد على القارئ انخطافات الشاعر وإشراقاته الذاتية من كلّ نبع كريم. وفي شهادته الموسومة بـ’شاعر الأشياء والكلمات’، تحدّث الشاعر يحيى عمارة عن محمد الميموني بوصفه ‘يحمل تاريخاً شعريّاً كونيّاً’، فالمتون الشعرية التي كتبها تُعبّر عن ذلك، عدا أنّه ‘خريطة شعريّة وحدها كمّاً ونوعاً’. وزاد أنّ ‘شعر الميموني يعالج القضايا الجوهرية الكبرى التي يستند عليها، من خلال عناصر الحلم والذاكرة والزمان والمكان والمعرفة الشعرية العميقة’، مُقسّماً إيّاه إلى مرحلتين: مرحلة الشعر الإيديولوجي الذي يمثّله ديوان ‘آخر أعوام العقم’، ومرحلة الشعر الفلسفي الجمالي الذي تعكسه دواوين الشعر التالية. وأشار عمارة، في سياق ذلك، إلى أنّ هذا الشعر يقوم على مجموعة من الثنائيّات الضدية، أهمّها: الظاهر/ الباطن، الإشارة/ العبارة، الواقع/ الحلم؛ عبرها كان الشاعر يبدع في العالم الذي يحلم به داخل توليفةٍ تجمع بين البحث والاستئناس بالأشياء. وبخصوص لغة الشعر، رأى أنّها لغة موحية تتّكئ على رؤية شعرية مُكثّفة تتداخل فيها مرجعيّات ومصادر كتابية متنوّعة: عربية، إسبانية وفرنسية. وترتيباً على ذلك، وصف القصيدة التي يكتبها محمد الميموني بأنّها حيّة ‘لا تعرف الشيخوخة’، وأصيلة، وهي بمنأى عن أن تكون ‘صدى’ لغيرها في المشرق العربي كما زعم بعض الدارسين. وبصدد ‘تطوُّر التجربة الشعرية عند محمد الميموني’، استهلّ عبد اللّطيف الوراري مداخلته بالقول إنّ ‘محمد الميموني هو واحدٌ من القلّة الهائلة في تاريخ الشعر المغربي الحديث، تلك التي استطاعت أن تضع شعرنا، بعد أن كان نسياً منسيّاً في طليعة الشعر العربي خاصة، والإنساني عامّةً، وفقاً لما راكمته من تجربة مخصوصة في الرؤية إلى الذات والطبيعة والعالم’. وبعد أن أشار إلى ما يثيره مفهوم (التجربة الشعرية) من غموض نتيجة استعمالاته الملتبسة في النقد العربي الحديث، قال الوراري إنّ ما لفت انتباهه في ديوان (آخر أعوام العقم) هو ذلك ‘الوعي الحادّ والمبكِّر بالعالم الذي كانت تكتبه الأنا الشعرية بدون أن تسقط في شرك الإيديولوجيا التي كانت متفشّية بين أبناء جيله لدواعٍ سياسية واجتماعية، وإن كان الديوان نفسه لم يسلم من نبرة الاحتجاج والخطابة’؛ لكن ديوان ‘الحلم في زمن الوهم’ يظلُّ، في نظر الناقد، هو بداية تشكُّل وعي جماليٍّ جديد داخل التجربة الخاصة بشعر محمد الميموني، وذلك عبر تذرُّعه بالحلم أو اتِّخاذ الحلم ذريعةً كتقنيّةٍ كتابية تُفكِّك مسلَّمات لغة الإيديولوجيا التي كانت تحتمي بها ذات الشاعر، وتعيد بناءها وقف منطق اللعب اللغوي والكنائي الذي يتسلّى مع النسق بقدرما يُفجِّره من الداخل. وقد مثّل الناقد على هذا الوعي الشعري بقصائد من الديوان نفسه، مؤكِّداً أن الشاعر يعمل على تكثيف هذا الوعي الحادّ والمصطرع داخل تجربة الحدود أو، بعبارة الشاعر نفسه، داخل ‘المتاهة التي تُبدئ في كُلّ منعطفٍ وتُعيد’، بين وعي الأنا بتصدُّعها واغترابها في زمنها، وبين أن تغيب في ‘حضرة الحلم’. وبناءً عليه، يذهب إلى أن ‘الحلم في زمن الوهم’ يُمثّل علامةً فارقةً أو برزخاً بين مرحلتين حاسمتين: أ ـ مرحلة التأثُّر الإيديولوجي من غير استغراق ولا تشبُّع؛ ب ـ مرحلة اصطراع الوعي الجمالي للتجربة بين مقترحين؛ ج ـ المرحلة الإشراقية حيث ترتفع أنا الشاعر بأشواقها وأحلامها وتجاربها، داخل متاهة التأويل، إلى مرتبة ‘اليوتوبيا’. يوتوبيا الأنا. وختم الوراري مداخلته النقدية بقوله: ‘إنّ محمد الميموني لا يكتب الشعر وكفى، إنّه يحلم عبر شعره بقدرما هو يضيء جوهر الحياة ويجعلنا قادرين على الانفعال بها’. وأمّا الناقد محمد المسعودي فقد قارب (شعرية الدهشة وشغب السؤال في ديوان موشحات حزن متفائل)، متنبّعاً لمحات شعرية الدهشة في جل نصوص الديوان، من نسغ الارتباط بلحظة بدء تكون الطبيعة واستواء عناصرها، وارتباط الإنسان بها في طهرها وصفائها، وفي سموها ورفعتها. وقال: ‘إنّ قصيدة محمد الميموني في ‘موشَّحه’ هذا تعزف على إيقاع تصوير الإحساس بالحنين إلى جمال الكون والطبيعة في لحظة صارت البشاعة فيها لغة كونية. ولعل تجسيد هذه الدهشة ذات النبرة الاحتفائية بالأرض والجبال وشتى مظاهر الطبيعة تتبدى في أكثر من صورة بين دفتي الديوان’. وقف المسعودي على متوالياتٍ نصّية تكشف اندهاش الشاعر بالطبيعة عبر إعادة اكتشافها واكتشاف حقيقتها وحقيقة ارتباط الإنسان بها، إذ إنّ الشاعر يخلق عوالمه المتخيلة عبر التعبير عن لحظة انخطاف أمام سحر الكون من حوله، وأمام تحول ذلك السحر إلى وقر يثقل روح الكائن ‘المسكون بجني اللايقين’ الهارب إلى خلاص فردي لا يستطيع بلوغه. وفضلاً عن سؤال الحياة والبقاء الذي تظهره رمزيّاً، ‘تمضي أغلب نصوص الديوان مستثمرة طاقة السؤال وإمكانات السرد لبناء متخيلها، خالقة نوعاً من الجدة في الاشتغال الشعري. ولا تكمن هذه الجدة في الجمع بين السؤال والسرد، فحسب، وإنما تمتد إلى القدرة على توظيف طاقات شعرية أخرى من بينها الاهتمام بالتصوير في أبعاده الحسية والذهنية لتحريك مخيلة القارئ وتحفيز طاقة التأمل لديه للتفاعل مع النص الشعري’. ومن خلال (المداخل الشعرية في تجارب محمد الميموني)، سعى الناقد عمر العسري إلى محاولة تحديد بعض الجوانب من التجربة الشعرية لمحمد الميموني الذي مارس بقصائده، كما قال، دوراً مباشراً وحاسماً في تشجيع وتحصين الولادات المبكرة والنماذج اللاحقة من تجربة الشعر المغربي المعاصر، مركّزاً على مدخل اللغة الشعرية بكلّ ما تشتمل عليه من عناصر لفظية ومن علاقاتٍ وأدوات وأساليب بلاغية اشتركت في بناء القصيدة؛ فأشار إلى أن لغة الشاعر تبدو في تعابيرها وصورها لغة رمزية بامتياز، تتأرجح بين بعدين أسطوري وصوفي؛ فالبعد الأول كامنٌ في ما هو توليدٌ لوضعيّاتٍ إنسانية خارقة تتماهى، بشكل غير مباشر، مع نصوص قديمة، والبعد الثاني حاضرٌ عبر ذلك البياض الداخل في التجربة الشعرية. وبعد أن يتوقّف عند الرمز والتوازي كخصيصتين تميّزان هذه اللغة، قال العسري في ختام مداخلته: ‘وبما أنّ القصيدة لدى الميموني نابعة من سفر طويل في التاريخ وفي الوجود، فإنّنا نشعر كذلك، وليس من باب الصدفة أو العفوية المطلقة، بأنّ قصائده تشكل لحمة واحدة تتكرّر بتنويعٍ لغويٍّ شفيف، وبإيقاعٍ مرن يتروّى في ظروف ممكنة ومستحيلة في آن’. في ختام مداخلات الندوة النقدية التي احتفت بتجربته الشعرية على صُعدٍ كثيرة، قال الشاعر محمد الميموني: ‘لم يخطر على بالي أنني أسترجع نصف قرن، وأتذكّر من أين جاء الجنون، ومن أين جاءت تلك اللحظة التي ألهمتني قصيدة طازجة، مرتجلة، تلقائية تتجاوب مع ما يجري حولي، على قدر فهمي لما يجري حولي في ذلك الزمان. كيف أتصوّر في أواخر الخمسينيات أن أكون موضوع نقاش كبار النقّاد ونخبة من المثقّفين المتتبّعين للشعر المغربي بصدق ومحبّة ومعرفة.. إن أقصى ما يمكن أن يحلم به شاعرٌ وصل من العمر عتيّاً أن يكون في ذاكرة الأجيال التي جاءت من بعده’. وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر محمد الميموني هو أحد روّاد الشعر المغربي منذ مطلع الستينيّات، وقد بدأت تجربته الشعرية منذ 1958 بنشر قصيدة في مجلة ‘شراع’، إلى أن أصدر باكورته الشعرية ‘آخر أعوام العقم’ في العام 1974م، ثمّ توالت بعدها الدواوين: الحلم في زمن الوهم (1992)، طريق النهر (1995)، شجر خفي الظل (1999)، أمهات الأسماء (1997)، محبرة الأشياء (1998)، ما ألمحه وأنساه (2000)، متاهات التأويل (2001). صيرورات تسمي ذاتها (2007)، وموشحات حزن متفائل (2008). وكانت وزارة الثقافة قد أصدرت سلسلة أعماله الشعرية الكاملة في العام 2002م. وله أيضاً كتابان في النقد، هما: ‘الشعر المغربي المعاصر: عتبات التحديث’ (1998)، و’سبع خطوات رائدة: دراسة في الشعر المغربي المعاصر’ (1999)، كما ترجم عن اللغة الإسبانية ‘ديوان التماريت’ للشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، مع دراسة وافية عنه، وفيها كشف عن مدى الأثر الذي خلفه الشعر العربي الأندلسي في الشعر الإسباني منذ عصوره الذهبية خلال القرنين 16 و17م. ويعدُّ الديوان آخر مجموعة شعرية كتبها لوركا قبيل اغتياله 1936م وهي السنة نفسها التي رأى بها محمد الميموني النُّور في مدينة شفشاون الجميلة بحقّ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية