احتفالات بالديمقراطية ‘نعم’ بالتحرير ‘لا’

حجم الخط
0

رأي القدس احتفل مئات الليبيين في مختلف المدن بـ’تحرير’ جميع الاراضي الليبية، وسقوط نظام العقيد معمر القذافي بعد حكم ديكتاتوري استمر اكثر من اربعين عاماً عانى خلالها المواطنون من مختلف انواع القمع والاضطهاد والحرمان، ولذلك لم يكن مفاجئاً ان يعبر هؤلاء عن فرحهم بهذه المناسبة رقصاً وغناء وتبادلاً للتهاني.

صفحة سوداء انطوت من تاريخ ليبيا، ولكن النهاية الدموية الهمجية التي انتهى بها حكم العقيد القذافي لا توحي بان الصفحة الجديدة التي من المفترض ان تبدأ حالياً ستكون ناصعة البياض لما يمكن ان يترتب عليها من تطورات داخلية عنفية في المستقبل القريب.

نشرح اكثر ونقول ان اعدام العقيد الليبي بدم بارد، واكثر من ألف من انصاره وابناء قبيلته والقبائل الاخرى المتحالفة معها، وخاصة الورفلة والمقارحة، وسحله في شوارع مصراتة والتمثيل بجثته، وتعريضه وهو الميت الى مختلف انواع الاذلال والمهانة بعرضه امام الجمهور في حاوية، وفوق ‘مرتبة’ قذرة، هذه الممارسات تسيء، بل وتشوه صورة النظام الليبي الجديد الذي يؤكد في جميع ادبياته انه يريد اقامة نظام ديمقراطي حضاري يستند الى حكم القانون والشفافية والقضاء المستقل.

لا نريد استباق الاحداث، واعطاء صورة متشائمة لتطورات الاحداث في ليبيا في الأشهر او السنوات المقبلة، ولكن نجد لزاماً علينا ان ننبه الى بعض النقاط التي تستحق التوقف عندها وتسليط الاضواء عليها لما تنطوي عليه من معان على درجة كبيرة من الاهمية على صعيد محاولة رسم صورة ولو تقريبية للمشهد الليبي المستقبلي:

أولاً: اختيار مدينة بنغازي، وليس العاصمة طرابلس، مكاناً لهذه الاحتفالات بالتحرير يوحي بان المناطقية، او بالاحرى التقسيم الجهوي سيكون أحد عناوين المرحلة المقبلة، مضافاً الى ذلك ان معظم حكام ليبيا الجدد ينتمون الى المنطقة الشرقية، والنسبة الأقل منهم من العاصمة او المنطقة الغربية بشكل عام.

ثانياً: سيطرة روح الانتقام والثأرية على نسبة كبيرة من حكام ليبيا الجدد والميليشيات التابعة لهم، فالى جانب اعدام العقيد الليبي وابنه بعد القاء القبض عليهما حيين، اكدت منظمة هيومان رايتس ووتش الامريكية امس انها رصدت اعدام 53 مؤيداً للقذافي في فندق المهاري في مدينة سرت الذي كان تحت سيطرة المناهضين للقذافي، وكان معظم هؤلاء مقيدي الايدي خلف ظهورهم، وبعضهم كان يعالج من جروح اصيب بها.

ثالثاً: تعيش ليبيا الجديدة حالة فراغ على صعيد القيادة السياسية، فالسيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي قال انه سيترك منصبه بعد التحرير، اما السيد محمود جبريل رئيس الوزراء فقد ترك منصبه عملياً وغاب عن الاحتفالات تحت ذريعة المشاركة في مؤتمر اقتصادي في الاردن، ولا يوجد اشخاص آخرون مهيؤون لملء هذا الفراغ.

رابعاً: الصراع على السلطة بين الاسلاميين والليبراليين العلمانيين مازال مستمراً، وقد يوازيه صراع مناطقي ايضاً، والتنافس بين الميليشيات المقسمة على اساس المعيار المناطقي نفسه، مما يوحي بان الامور تتجه نحو مسارات مجهولة في المستقبل القريب.

خامساً: الظهور السريع والمختصر لسيف الاسلام القذافي، والغموض المحيط باختفائه، وتهديداته للنظام الجديد قد توحي بان هناك نوايا، ولو نظرية، لتعبئة بعض بقايا النظام السابق للقيام باعمال عنف، خاصة انه يملك المليارات من النقد والذهب في حوزته ورثها عن والده.

من حق الليبيين ان يحتفلوا باطاحة نظام ديكتاتوري، وليس بـ’تحرير’ ليبيا، لان ليبيا لم تكن مستعمرة اجنبية حتى تحرر، كما ان من حقنا، وكل الذين ايدوا الثورة الليبية ضد الطاغية ان نطالب بتحقيق كامل في الاعدامات الهمجية هذه، وكل انتهاكات حقوق الانسان، فكون النظام الليبي السابق كان دموياً وديكتاتورياً لا يعني ان يعامل بالطريقة نفسها، من قبل نظام من المفترض انه يؤسس للديمقراطية والعدالة واحترام حقوق الانسان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية