الرباط – “القدس العربي”: في بداية كل يناير/كانون الثاني، وبعد أيام على الاحتفال بالسنة الميلادية الجديدة في المغرب، يطفو على السطح نقاش حول تقويم زمني آخر واحتفال آخر لم يصبح رسميا رسميا بعد لكنه ضارب في عمق الثقافة المغربية وتاريخها، كما أنه ينتشر بين الأسر المغربية بلا أضواء ولا شجرات ولا تزيين محلات، إنما إعداد أكلات بسيطة المكونات لكنها ترمز لعمق الارتباط بالأرض والتفاف الأسر حولها وتبادل الأماني بأن يكون العام الجديد عاما ممطرا، وشتاؤه مزهرا، وربيعه مثمرا. إنه “الناير” كما تتداوله الأسر المغربية خصوصا في البوادي أو المنحدرة من أصول فلاحين وهو احتفال يزامن يومي 12 و13 من يناير/كانون الثاني من كل عام.
وانتقل الاحتفال من جانبه التقليدي الذي يجمع الأسر على موائد أطعمة خاصة إلى مناسبة تغطي وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة حيث تغزو عبارات التهنئة بالأمازيغية الفضاء الأزرق ومنها “أسكاس أمباركي”، “أسكاس أماينو” وغيرها من العبارات التي تجتمع حول مضمون “سنة سعيدة” ويصادف هذا العام 2969 حسب “التقويم” المختلف حول أصله.
من أهم المتغيرات الجديدة في هذا الاحتفال الذي يعم كل بلدان شمال افريقيا من المغرب إلى ليبيا هو اهتمام الجمعيات المدنية به وإحياؤها لهذه الذكرى كل سنة عبر تنظيم موائد العشاء والسهرات الفنية والأنشطة الثقافية. يقول الباحث في الثقافة الأمازيغية أحمد عصيد إن الاحتفال يعرف انخراط منتخبين محليين في الجماعات والبلديات التي تخصص ميزانية لهذا الحفل، فالاحتفال مر عبر مراحل وتحول من الحاضنة الشعبية التي حافظت على الاحتفاء بشكل تقليدي إلى أن أصبح يحظى باهتمام إعلامي كظاهرة مجتمعية ودخل في اهتمام الفاعل المدني بفضل نشاط الحركة الأمازيغية ليغدو المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وهو مؤسسة رسمية، الذي ينظم احتفالية رسمية سنوية تحضر فيها الأطعمة والاحتفالات الفنية المتنوعة.
وحسب عصيد، الذي تحدث عن تحضير نوع من الأكلات التقليدية المرتبطة بهذه المناسبة والتي ترمز إلى الارتباط بالأرض والانتماء إليها حيث تطبخ كل أنواع الخضار والحبوب التي تنبتها الأرض دفعة واحدة فهناك طبق “تاكلا” و”حاكوزة” حسب المناطق، ويتم هذا تيمنا بسنة فلاحية جيدة ويصادف 12 و13 من يناير/كانون الثاني من كل سنة.
ومن ضمن الأكلات التي يتم تحضيرها غلي حبوب، شعير أو ذرة بالماء مع زيت زيتون أو زيت أركان في المناطق التي يتوفر فيها وتسمى “تكلا” وهي “عصيدة”. ومن الطقوس التي تواكبها رمي عظم تمر ومن يصادفه في طبقه يعني ذلك أن السنة الجديدة ستحمل له حظا جميلا إضافة إلى نوع من الكسكس وكلها أكلات تواكبها طقوس تميزها عن باقي الأيام بأن تضم في مكوناتها ما يتم دسه ليكون مفاجأة سارة لمن يعثر عليه. وقد ضرب نشطاء أمازيغيون هذه السنة موعدا أمام البرلمان لتناول وجبة كسكس خاصة بالمناسبة كنوع من المطالبة بجعل هذا البعد الثقافي معترفا به رسميا وتخصيص يوم عطلة رسمية له كما فعلت الجزائر.