القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني: احتفل المجلس الأعلي للثقافة، علي مدار يومين، بالمشروع الفكري للدكتور أنور عبدالملك، وذلك بمشاركة عدد من الكتاب والمفكرين السياسيين وأساتذة الفلسفة وبعض رجال السياسة، حيث كان علي رأس الحضور الدكتور مراد غالب أشهر وزير خارجية في عهد الرئيس عبدالناصر، وكذلك الدكتور مصطفي الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب، كما شارك بأوراق ومداخلات كل من أنور مغيث، حسن حنفي، رفعت السعيد، سلوي بكر، سيد عشماوي، عبدالعال الباقوري، احتفالية بأنور عبدالملك تقوده إلي انتقادات لاذعة للوضع السياسي ودعوة مجددة لإحياء روح باندونغ محمد السيد سعيد، محمد حافظ دياب، محمد حاكم، محمود أمين العالم، ضياء رشوان، نبيل زكي، حلمي النمنم، وهاني شكر الله، ودارت المناقشات عن فكر أنور عبدالملك حول ستة محاور منها نهضة مصر عند عبدالملك، ثم البعد الحضاري وكيف يراه، والمجتمع المصري والجيش وهو مأخوذ من عنوان أشهر كتب عبدالملك الجيش والحركة الوطنية الصادر عن دار ابن خلدون في بيروت عام 1974، وكذلك المجتمع المصري والجيش ـ 52 ـ 1970 وصدرت عن دار الطليعة بيروت 1974 وهي الطبعة المعتمدة من المؤلف، وهي ذاتها التي صدرت عن دار المحروسة بمصر عام 2005، كذلك تناولت محاور النقاش ماركسية العالم الثالث ومفهوم المثقف الوطني ومفهوم الانتماء.
وكان الدكتور عماد أبو غازي نائب الأمين العام للمجلس الأعلي للثقافة قد منح الدكتور عبدالملك في الجلسة الافتتاحية درع المجلس، ثم بدأت وقائع الجلسة الأولي بتقديم ضاف من الكاتب والمحلل السياسي نبيل عبدالفتاح الذي قال إن أنور عبدالملك واحد من الأعلام المرموقة في الحياة البحثية والأكاديمية والفكرية المرموقة سواء كان ذلك في الفكر العربي أو العالمي، وأضاف أن وجوده وحضوره المعرفي والإنساني يمثل حضورا مهماً للحياة الأكاديمية والبحثية، وقد أعطي ـ بكل تأكيد ـ الحياة المصرية ثقلا خاصة وسط حالة الخضة غير المحتملة التي نعيشها وذلك عبر تراثه الكبير الذي بات جزءا من التراث الإنساني والعالمي. وأضاف عبدالفتاح: إن عبدالملك واحد من أكثر مفكري الجنوب ذيوعا منذ ستينيات القرن الماضي ولم يستطع أحد أن يضاهي إنجازه سوي إيهاب حسن وسمير أمين.
واختتم نبيل عبدالفتاح حديثه بالتأكيد علي أن أنور عبدالملك أحد مراكز المعرفة المصرية الحديثة دون زيادة أو نقصان، وكذلك واحد من رعاة المدرسة الوطنية المصرية وفي القلب منها الفكر الاجتماعي وانحيازاته.
أما الدكتور أنور عبدالملك، فقد تحدث في كلمة مختصرة حول أطراف مشروعه الفكري، الذي يقوم علي استعادة مفهوم الأمة أو القومية، ونفي الاعتقاد السائد بأن أوروبا هي مهد القوميات مشيرا الي أن مقومات الأمة تعتمد علي اللغة المشتركة، والجغرافيا ومصادر المياه، وبهذا المعني فإن أول قومية في التاريخ هي القومية المصرية التي وجدت مكتملة العناصر منذ سبعة آلاف عام، ثم عرج عبدالملك علي مفهومه للاشتراكية الديمقراطية واستعرض نماذجها في عدة دول كبري بما فيها الصين، وهو ما كان مدخلا للحديث الأثير لديه عن الامتداد المصري نحو الشرق، ويؤرخ له بمؤتمر باندونج الذي يعتبره نقطة حقيقية مثلت نهضة شعوب الشرق، ثم تعرض لمفهوم الخصوصية وعلاقتها بالحوار الحضاري الدائر حول العولمة والانفتاح علي الآخر وأكد أن الحديث عن الخصوصية ليس حائلا ـ بأي حال ـ عن ذلك الحوار، وأبدي اندهاشه من تلك النظرة الغربية لمفهوم الخصوصية لا سيما في النظر الي الأديان، وقال: إن أغرب ما أسمعه ذلك الحوار بين الإسلام والغرب وهي تسمية ـ في رأيه ـ ليست في محلها إذ يجب أن تكون الحوار بين الشرق والغرب، بدلا من تحويل الحوار إلي حالة مدببة لا تنقصها المشاعر الدينية المتهمة بالعدوانية.
ووصف أطروحات صمويل هنتنغتون في هذا السياق بأنها خطاب تبشيري صنعته الأجهزة الاستخباراتية وليس طرحا لأفكار تستدعي النقاش، ودعا في نهاية كلمته إلي حتمية الانتباه لضرورة انتقال ميزان القوي من حلف الأطلنطي الي آسيا، وهو ما يعني ـ في رأيه ـ تحرك المركز وانهيار الحضارة الغربية، وانتقد الأداء الرسمي للدولة ولرجال الأعمال الذين يختارون الأماكن الفاخرة في أوروبا للتعاون معها متجاهلين الامتداد شرقا، وأكد أن ما يحدث الآن يعني تواصل الفساد ومن ثم المزيد من الانحدار الحضاري، وسوف نحاول هنا تقديم جانب من بعض الأوراق التي شهدها الاحتفال بالدكتور أنور عبدالملك علي مدار يومين.
المجتمع، الجيش، والمثقف الوطنيمن بين الأوراق التي قدمها الاحتفال ورقة الدكتور أنور مغيث أستاذ الفلسفة تحت عنوان نحو نظرية ماركسية للعالم الثالث أشار فيها إلي اهتمام عبدالملك المبكر بالإسهام المصري في تطوير الماركسية وتكييفها مع الاستراتيجيات الوطنية للدول المستقلة حديثا، وقال مغيث: إن أنور عبدالملك صاغ مصطلح المدرسة المصرية في الماركسية مبينا التأثيرات العالمية لهذه المدرسة.
وأضاف أن عبدالملك اعتبر الماركسية ليست سلاحا من أجل التحرر الوطني والاقتصادي لبلدان العالم الثالث فحسب، ولكنه اعتبرها أيضا طريقا للتحرر الفكري من الهيمنة الثقافية الغربية.
وأضاف أنور مغيث أنه في هذا الإطار جاء الإسهام الفكري للدكتور أنور عبدالملك في إطار علم الاجتماع، فقام بمراجعة التعريفات الليبرالية، وكذلك الماركسية الغربية التي تتعلق بمفاهيم الدولة والأمة والقومية وغيرها، واختتم مغيث حديثه بالقول: إن الإسهام الفكري لأنور عبدالملك يحمل هم إبراز التباين بين الواقع الذي انتجت فيه هذه الأفكار، والمعطيات الجديدة التي فرضها كفاح الشعوب في مواجهة الغرب الاستعماري.
أما الدكتور حسن حنفي فقدم ورقة تحت عنوان انور عبدالملك: المثقف الوطني أشار فيها إلي أن مفهوم المثقف الوطني هو محور الحياة الثقافية والسياسية وهو شبيه بالمثقف العضوي عند جرامشي، يجمع بين الفكر والثقافة والسياسة باسم الفلسفة الحية والالتزام كمفهوم وجودي معاصر يعبر عن روح النضال الوطني في الأربعينيات، النضال ضد الاحتلال من أجل الاستقلال، وهو ما أسماه حسن حنفي الاستعمار العالمي ضد الهيمنة، وضد القصر والإقطاع والفساد الحزبي في الداخل.
وأضاف حسن حنفي أن أنور عبدالملك بهذا المعني هو ابن مصر الذي يعبر عن مشروع نهضتها الوطنية، وهو مشروع نهضوي تقدمي اشتراكي باسم الشيوعية الوطنية ونموذجها الشهيد شهدي عطية، واعتمادا علي طبيعة المجتمعات النهرية والدول المركزية.
ويري حسن حنفي أن ذلك لا ينفي رؤي أخري ليبرالية وطنية أو إسلامية وطنية أو قومية، فالتعددية السياسية شرط الحوار الوطني وتكوين الجبهة الوطنية، تعددية علي مستوي النظر ووحدانية علي مستوي العمل، وهو ما يحقق ـ في نظره ـ الحد الأدني من الوفاق الوطني.
إلا أن ذلك كله لا يعفي المثقف الوطني من الوقوع في بعض الاشتباهات كما يذكر حنفي ويقول: انه الاشتباه والتوتر والتوزع بين قطبين كلاهما صحيح، ويتحول ذلك حول سؤال أساسي هو: هل النظام السياسي هو الدولة؟
، هل العمل الوطني داخل المؤسسات أم خارجها؟
، هل الجيش أداره تحرر وطني أم قمع سياسي؟ هل الزمان والخلود ثقافة سياسية أم دين؟ إلي آخر هذه الأسئلة الشائكة التي طرحها حسن حنفي في ورقته.
أما الكاتبة سلوي بكر فقدمت ورقة تحت عنوان المجتمع المصري والجيش، قراءة جديدة أشارت فيها الي أنه رغم مرور حوالي ربع قرن علي صدور الطبعة العربية من كتاب المفكر أنور عبدالملك المجتمع المصري والجيش الصادر عن دار الطليعة اللبنانية فإنه يظل عملا يثير الدهشة ويستحق التوقف والنقاش من جديد، وتقول بكر: إن هذا البحث الرائد غير المسبوق في اللغة العربية وقت صدوره، إنما يتعرض لعلاقة حركة الجيش المصري والضباط الأحرار في يوليو 1952 وعلاقتها بكل القوي والاتجاهات السياسية في المجتمع المصري، مثبتا أن هذه الحركة إنما كانت انعكاسا لحراك اجتماعي سياسي طويل الأمد، وتلبية لمأزق واحتدام وصل إلي ذروته وغاياته القصوي.
وتري سلوي بكر أن الكتاب يعكس مأزقا راهنا في الفكر المصري خلال هذه الآونة، إذ أنه لا توجد دراسة عميقة شفيفة علي غرار ما قدمه عبدالملك تتعلق بأسئلة المجتمع المصري الآن، اللهم إلا بمجالات وتصورات متناثرة تأتي من هنا أو هناك بين الحين والحين.
واختتمت سلوي بكر حديثها بالقول: إن كتاب عبدالملك المجتمع المصري والجيش ظل مرجعا أعلي لعدة عقود، وعملا نفيسا لكل مهتم بقضايا الوطن، إذ كان بمثابة أول تفسير وتحليل متماسك لما جري في مصر منذ ثورة يوليو حتي هزيمة 1967، وهو وثيقة انما تدلل علي عمادة كاتبها وعمق فكره في هذا المجال.
أنور عبدالملك بين الخصوصية والهويةأما الورقة التي قدمها الدكتور سيد عشماوي تحت عنوان تاريخ مصر الحديث، تساؤلات الخصوصية، الهوية، والانتماء، فقد أشارت إلي أن منهج أنور عبدالملك كان محاولة جادة لقراءة واستدعاء تاريخ مصر الحديث والمعاصر وبصفة خاصة في كتابيه نهضة مصر، ثم المجتمع المصري والجيش، وأضاف الدكتور سيد عشماوي: إن التاريخ لدي أنور عبدالملك أحد الهموم الوطنية، حيث يستدعي من خلاله الماضي ويقارن ما بينه وبين الحاضر من توافق أو اختلاف، والإحاطة بالحاضر أي إدراك وقائعه وتطوراته بمجملها ظاهرا وباطنا.
أما حول مفهوم الخصوصية الذي طرحه عبدالملك فقال عشماوي: انه مما لا شك فيه أن خصوصية وهوية أبناء الوطن المصري تعني وعيهم بأنفسهم، وإدراكهم لذاتهم، بمعني توحدهم كجماعة وكأمة، ويضيف أن دراسات عبدالملك عن نهضة مصر تشكل أبعاد الخصوصية والهوية أي الشخصية الذاتية من خلال الاستمرار والتغير، التواصل والانقطاع.
أما الدكتورة علياء وجدي فقدمت ورقة بعنوان البعد الحضاري في فكر أنور عبدالملك، أشارت في بدايتها الي ان العامل الحضاري يحتل مكان القلب في فكر أنور عبدالملك.
وأضافت أن العالم لدي أنور عبدالملك يتكون من مجموعة من الحضارات الكبري، التي هي بمثابة الساحات المكانية التي تنتشر فيها ثقافة رئيسية محورية، وتمتلك الدول والأمم المنتمية لهذه الحضارات سيرة تاريخية مشتركة بعدية الأمد تمثل المنبع الرئيسي للرؤي والمفاهيم التي تشكل ملامح هذه الحضارة وتحدد خصوصيتها، ومن هذا المنطلق ـ حسب وجدي ـ فإن الحضارات في فكر عبدالملك فاعل دولي شأنها في ذلك شأن الدول القومية والتجمعات الإقليمية، كذلك لا تغفل وجدي العامل الثقافي وتراه واحدا من أوجه القراءة التي يقدمها أنور عبدالملك لأحداث السياسية.
وقد ركزت الورقة علي ثلاث قضايا رئيسية لدي أنور عبدالملك الأولي هي العولمة، حيث وجه عبدالملك نقدا شديدا للدعوة اليها حيث يؤكد أن دعاوي العولمة للانفتاح علي الآخر ليست إلا دعاوي لفرض الهيمنة والنفوذ، وأنها لن تحقق سوي مزيد من التبعية والانحدار، أما النهضة والتنمية فتتحققان بالتمسك بالشخصية القومية والاجتماعية والثقافية واتباع السبل التي تتلاءم وهذه الشخصية. أما القضية الثانية التي تتعرض لها علياء وجدي فهي ما أسمته ريم الشرق وتتعلق بدعوة عبدالملك الدائمة لنقل مركز الثقل من الأطلنطي إلي آسيا والمحيط الهادي، أما النقطة الثالثة فهي الخصوصية حيث تأسس المفهوم لديه ـ حسب وجدي ـ علي رفض أطروحات النظرية العالمية التي تصلح للبشرية كافة، وكذلك السعي لحل معضلة المثقف العربي وصراعه بين مفهومي دور الأصالة والمعاصرة.
ملاحظة ختاميةيذكر أن الاحتفالية التي قدمنا لها كان مقررا لها أن تعقد في العام الماضي، لكنها تأجلت اكثر من مرة لأسباب غير معلومة، لكن المؤكد أن الدكتور جابر عصفور ـ عندما اقترح عليه أحد أصحاب الضمائر ـ الاحتفال بعبدالملك، قام عصفور بالاتصال بالرجل، الذي تجاوز الثمانين، وطلب إليه أن يتصل بمن يريد الاحتفال به ويتكفل بالأمر، فرفض أنور عبدالملك وتأجلت المناسبة.
ويبدو أن الاحتفالية كانت علي غير رغبة المجلس، حتي بعد أن حل الناقد علي أبو شادي محل جابر عصفور، فقد تغيب عن حضور الافتتاح لأسباب لم يعتذر عنها، ولم يشر إليها نائبة عماد أبو غازي، ولا نعلم ما إذا كان هؤلاء يعرفون قيمة الرجل ويتجاهلونه عن عمد، أم أنهم يحتاجون إلي مرشدين وأدلاء يضعون أيديهم علي ما هو حقيقي في هذا الوطن.
المؤكد أن أنور عبدالملك، الذي لم يحظ بأي تكريم لائق في مصر، سيظل أكبر من هذه الاحتفاليات التي يبدو فيها حجم الإساءة أكبر من الإحسان.QRE