احتفالية بغاليري رؤي لفوزه بجائزة لابلوم الفرنسيةالشاعر حوامدة : قلبي صار عمانيا بعد أن امتلأ بسحر ابن عربي ودان بدينه في الحب
يحيي القيسياحتفالية بغاليري رؤي لفوزه بجائزة لابلوم الفرنسيةالشاعر حوامدة : قلبي صار عمانيا بعد أن امتلأ بسحر ابن عربي ودان بدينه في الحبعمان ـ القدس العربي : استضاف مركز رؤي للفنون في عمان مؤخرا حفلا تكريميا خصص للشاعر موسي حوامدة بمناسبة فوزه بالجائزة الكبري من مؤسسة اورياني الفرنسية وجائزة الريشة لابلوم من مهرجان تيرانوفا الفرنسي، وقد أدارت الحفل الممثلة كفاح سلامة، وتحدث فيه الناقد فخري صالح والروائي العراقي المقيم في عمان علي بدر والقاص المغربي عبدالله المتقي والسيدة سعاد الحوراني مديرة مركز رؤي للفنون إضافة إلي قصيدة من الشاعرة العمانية عائشة السيفي، ثم قدم الشاعر المحتفي به كلمة شكر، ومجموعة من قصائده الجديدة. وفي مداخلته النقدية أشار الروائي علي بدر إلي سعي حوامدة إلي لغة لا يكون فيها المعني إلا تكراراً للمخيلة، ولا يكون فيها الصوت إلا ابتكاراً للكلام الذي تفيض فيه نبراته علي صواتاته، ولا تكون فيه الدلالات إلا بخروج المعني عن العبارة، وبخروج الكلمات عن ملكوت الكلام، وهكذا لا تتجسد اللغة إلا وراء اللغة، ولا يظهر التفكير إلا وراء التفكير باللغة، ولا يتحدد العالم بخارجه إلا من خلال داخله، وهكذا نقترب نحن مع الشعر إلي جوهر اللغة، كما تقترب اللغة من جوهرها نفسه ، وأضاف متسائلا ما الذي يجعل موسي حوامدة مخلصاً للشعر. .؟إنه يقترب من القصيدة بوصفها ضرباً من اللغة المتفجرة، ضرباً من اللغة التي تحررنا من الزمن، ومن الوقائع الجزئية للزمن والزمنية، وذلك عبر التماس انفتاح علي نوعية من الكلية. موسي يحاول أن يجد في القصيدة نوعا من المعاش، نوعا من النظرة التي تتجدد بنفاذيتها واختراقها البارع للأعماق، وتتجدد عبر عبورها لوقائع اليومي والمعاش لتلتحم اللغة وللمرة الأولي في معناها الأبدي، في معناها المثالي. يحاول أن يصل بين نقطتين، نقطة الوحي ونقطة المعاش. حيث يخرج فيها تعيين الشيء إلي تجريده، ويخرج تحديد الشيء إلي تضمينه. يذهب موسي إلي اللغة حيث الوجود العاري للأشياء، حيث الحرية التي تسمح لنا برؤية آثار الوجود في الطبيعة الخلاقة، الطبيعة القادمة من مكان آخر، والتي تكمن في الأصل الملغز لوحدة الوجود، الوجود الملتحم غير القابل للفصل، وهو الشيء الأول الذي يكون عليه انتباهنا .أما الناقد فخري صالح فقد ذهب إلي منطقة أخري لتعريف حوامدة وشعره وعلاقته به أثناء الدراسة الجامعية في الجامعة الأردنية وفيما بعد في العمل الصحافي، وقال بعد تخرجه من الجامعة ذهب موسي إلي الصحافة، وهي مهنة قريبة من الشعر وبعيدة عنه؛ قريبة منه في عنفوانها ودروبها غير المعلومة وسعيها للتثبت من تحقق العدالة في أبهي صورها (ونحن نتحدث بالطبع عن روح الصحافة ونماذجها العليا لا صيغها المرتزقة المهترئة)، وبعيدة عن الشعر في التزامها اليومي وطبيعتها الضاغطة التي تغرق الكاتب في اليومي والراهن واللغة التي تسعي إلي الإفهام والتوصيل والوضوح ما أمكن الوضوح. هكذا جاءنا موسي حوامدة من باب الصحافة العريض، إذ عمل في ثلاث علي الأقل من الصحف الأردنية الكبيرة، متنقلا ما بين تلك الصحف واضعا نصب عينيه أن يكون شاعرا في الصحافة وصحافيا في الشعر. كلنا نعلم أن معظم الشعراء العرب المعاصرين عملوا في سلطة المجتمع الرابعة، من بدر شاكر السياب، مرورا بصلاح عبد الصبور، وصولا لمحمود درويش وسميح القاسم، وغيرهم من زملائنا السابقين واللاحقين في مهنة المتاعب. لكن هذه المهنة، التي أكلت من أعمارنا ولا زالت، لم تجعل صديقنا موسي ينسي حلم الشعر الذي راوده علي مقاعد الدراسة فأصدر متأخرا ديوانه الأول (شغب) عام 1988 الذي يوحي عنوانه برؤية العالم لدي موسي حوامدة وطريقة نظره إلي المحيط من حوله، فالاحتكاك العاصف بالسياسة والمجتمع هو ديدن صديقنا الشاعر، والرغبة في خلخلة السائد في تلك العلاقة هي بغيته من الكتابة عامة، ومن الشعر خاصة. لعل دواوينه الشعرية التالية: (شجري أعلي) و(أسفار موسي: العهد الأخير) و(سلالتي الريح) توحي بهذه المقاربة المشاغبة للعالم وأحواله، فهي تخمش وجه السائد وتتحرش به وتتحداه. وهو ما يشير إلي أن الشاعر في موسي انتصر علي الصحافي فيه، والمتمرد في سلوكه قاده إلي الاصطدام دوما مع قوي الثبات في المجتمع والثقافة والأدب والشعر. إنه، كما يقول، من سلالة الريح وعنوانه المطر.. . أما مشاركة الشاعر المغربي عبدالله المتقي فقد كانت بعنوان شهادة لله وجاء فيها هنيئا لصديقي الدائم والحقيقي موسي حوامدة الذي يثير الغبار والاندهاش، ولقصيدته التي تسكن الظن والاحتمال كالأسطورة بهذا التتويج الذي سيظل كما حجر كريم في خاتم ذهبي، مشرقا في ذاكرتنا الشعرية. ماذا في قلبي المغربي، سوي أن أشد علي يديك أيها الشاعر الحقيقي الذي يسكن الشعر والشعر يسكنه، وأقول لك: تملأني الغبطة يا موسيوالغبطة فائض قيمة الفرحوالفرح دائما شحنة قوية للحب ماذا في جعبتي سوي شاعر متمكن من مفاعيل القصيدة السحرية، ولا يتوقف عن تجديد أدائه الشعري، رغم الانكسارات التي ملأت الكؤوس دفلي؟شاعر ظل شامخا كما شجره العالي، كما إرم ذات العناد، كما قريته السموع ، رغم مكابداته التي وصلت أروقة المحاكم، شــــــاعر لم يتعب ولم يهن علي عظم، ولا اشتـــــعلت قصيدته شيبا، بل ظل متوهجا ومتجددا لا تنال منه الخطوب، ولا الظلام الذي لا يري إلا الظلام، لأن النور لا يري إلا النور .وأخيرا قدم الشاعر المكرم حوامدة كلمة شكر فيها مركز رؤي للفنون والمشاركين من النقاد والأصدقاء في تكريمه والحضور، ومما قاله شكرا إلي هذه الوردة الجميلة التي تضيء ليالي عمان بالفرح، وهي تؤثث جدرانَها وفضاءها بالألوان التشكيلية الزاهية والأعمال الفنية البارعة والنادرة، في مدينة ترغب في التثاؤب مبكرا، وتميل إلي إطفاء النور بعد آذان العشاء مباشرة، شكرا لهذه الصديقة، المثقفة، الحيوية، رفيقة الفنانين التشكيليين وأم الصبايا الجميلات، التي زرعت فيهن الجمال والحيوية مبكرا فنشأن فراشات زاهيات، ذاهبات إلي غدهن بخطي ملائكية واثقة، حاملات صنيعة الوالدة المتحضرة بغير تصنع، ومنهج الأب المبدع فنا وبحثاً وعطاء، لكن سعاد غرست في بناتها وأسرتها وعالمها الجمالَ سلوكا وثقافة حية.هل قلت عنها أم الصبايا؟ لم أبتعد هكذا عن مجاز الشعر فقط، بل خذلتني رزانة الحكمة وجدية الكلمات، وهي تتفلت من جهامة بطاقات الاحوال المدنية، التي لا تقول الحقيقة كما تراها الغيوم والنوارس، والبصيرة الحذرة من مقارفة أخطاء الأرقام في حضرة ربات الجمال. وشكرا للصديق العزيز فخري صالح الذي صارت رفقتنا كتاب حياة، وصار لقاؤنا اليومي طاقةً للعيش، وصارت حواراتنا راحة للعقل قبل الفؤاد، وشكرا للصديق علي بدر الذي وضع اسمه علي خارطة الرواية العربية، وضخ في شريان الحياة الثقافية العراقية والعربية حراكا طازجا وشبابا تقدميا، يري الخراب فينبش قلبه ولا يصمت لإرضاء قبيلة أو طائفة، شكرا لعلي الفلسطيني الذي حمل حب ادوارد سعيد في رواية مذهلة دلت علي أن قلب العراق ليس في بغداد فقط، وإنما تكاد تلمسه في القدس او عمان وفي جوانحك التي تغص بألم القهر لما أصاب بلاد الرافدين.وشكرا لفرنسا التي منحتني تكريما قبل أن أتلعثم بحرف واحد من لغتها، أو أجيد كلمة واحدة من تراث شعرائها الكبار، وشكرا لمهرجان تيرانوفا وللصديق الشاعر ماريو ساليس وللجنة المهرجان ومؤسسة اورياني وجامعة نانسي ومدينة ويمبي ومدينة ميتز ومقاطعة لورين من قبل. شكرا لناسها الطيبين المثقفين وحتي لمجانينها الذين أصغوا لقصائدي بالعربية قبل أن تقرأ لهم بالفرنسية، واحاطوني باهتمام أربك حصاني الذي لم يكن يرغب في اختراق سور طروادة الوجلة.شكرا رددتها كثيرا هذا المساء لأن مركز رؤي للفنون أصر علي ان يقيم لي هذا التكريم، رغم التجاهل الذي صار عادة متبعة في المؤسسات والدوائر الرسمية التي لا تعترف بغير سلطان الواسطة والشللية لتقيم مآدب التكريم والمنح التي أعف عنها لأنها تضع كل المعايير للتمايز إلا معيار الحرفة والفن والأدب.لكني لا أحقد ولا أنزع طريقا منفردا، فقلبي صار عَمّانيا بعد أن امتلأ بسحر ابن عربي، ودان بدينه في الحب، ولا ألوم ولا أعتب ولا أعاتب، فما نلته من حفاوة هذه الليلة أنساني طعم المرارة الذي قلت عنه مرة: (أقلعت عن شرب المرارة فوجدتها في حلقي)، لكني أقول الليلة اقلعت عن المر، لأنكم عسل الأماسي والحياة، عسل حقيقي لا ينكر نزيهٌ طعمه الحلو والساحر، ومفعوله القوي في إشفاء المرضي من كل عتب . بقي أن أشير الي أن موسي حوامده من مواليد قرية السموع في فلسطين 1959 عمل في الصحافة الأردنية الثقافية والسياسية وما يزال وقد أصدر في مجال الشعر: شغب 1988م، تزدادين سماء وبساتين 1999، شجري أعلي 1999 ،أسفار موسي العهد الاخير، 2002، من جهة البحر 2004، سلالتي الريح 2007، وفي النثر أصدر: خباص الضايع حكايات ساخرة 1994.زوجتي ضربتني حكايات حب ساخرة 1999، حكايات السموع 2000 وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، و اتحاد الكتاب العرب، ونقابة الصحافيين الأردنيين، ونال عن شعره أخيرا جائزة La Plume (الريشة) وهي الجائزة الكبري Grand Prix والتي تمنحها مؤسسة اورياني Fondation Oriani الفرنسية عام 2006. QMK0