احتفال افتراضي بزمن المهرجان

حجم الخط
0

فيما هي تصوّر ذاك الحفل الموسيقي، لم تبرح الكاميرات تلك البقعة، المستديرة حين تُشاهد من علٍ، التي ضمت العازفين والمنشدين. فقط هم، يقودهم المايسترو هاروت فازليان بحماسة فائضة، بل مبالِغة إذ رحنا نفكّر، نحن غير العارفين بالموسيقى، أن الأمور يمكن أن تجري بحركات وإيماءات أقل سرعة وتدافعا.
وقبل أن نبدأ بمشاهدة العرض على التلفزيون، كنا نعرف أن ليس ثمة حضور، لكن أين أولئك القليلون الذين لا بدّ لهم أن يكونوا هناك، أعني المشرفين المعنويين عن العمل، والفرق التقنية التي حضّرت له، والجهات الرسمية وغير الرسمية التي سيعود إليها عائدُه (الإسمي والمعنوي)؟ لا أحد. فقط الفرقة، أو الفرق البالغ عددها مئة وسبعين عازفا وعازفة، ومنشدا ومنشدة، وهي تعزف بلا كلل، ومن دون فواصل بين قطعة موسيقية وأخرى، وبين أغنية وأخرى. كأن الوقت الذي أعطي للأمسية يجب أن يستنفَد كلّه بالموسيقى. أو كأن من يصنع تلك الفواصل عادة، بين المقاطع الموسيقية والأغنيات، هو تصفيق الحاضرين الذين لم يكونوا حاضرين.
ثمة من قال إن عدد من شاهدوا واستمعوا كان، هذه المرة، أكبر من كل المرات التي سبقت، قاصدا الحفلات التي قدّمت هناك، في قلعة بعلبك الرومانية، ابتداء من عشرينيات القرن الماضي وانتهاء بالحفلة الأخيرة التي عطّل قيامَها وباء كوفيد 19، وكانت ستقيمها الأوركسترا الوطنية الفرنسية احتفاء بالذكرى الـ250 لولادة بيتهوفن. أما الحفل الأخير الذي مضت أيام قليلة على إحيائه فقد أتيحت مشاهدته للبنانيين جميعا، حيث عرض بالتصوير الحيّ على شاشات التلفزيون المحلية كلها، كما على وسائل التواصل الاجتماعي واليوتيوب. كما أن أولئك الذين أحبوا أن يكونوا مشتمَلين أكثر بجو العرض، اتسعت لهم مساحة مشاهدته، إذ غطّت صورُه الحيّة جدرانَ مبنى المتحف الوطني، وهذه إضافة أخرى للرمزية التي شاء المسؤولون عن الحفل شحنه بها. وإن أتت مخذولة بالتعليق الذي ذكر للدلالة على الحاجة إليها: «ليتسنى رؤيتها لمن كانت الكهرباء مقطوعة عن بيته».

أن تُذكر أسماء مثل جان لوي مانغي، الذي عمل على تشكيل فضاء القلعة وهندسة جماليتها، وغبريال يارد الذي رافقت موسيقاه أداء رفيق علي أحمد، وهو يقرأ مقاطع لجبران خليل جبران، وكارل أورف الذي أضفى عمله كارمينا بورانا أبهة غامرة على فضاء القلعة.

وكانت المشاهدة في أهمية السماع، ذاك أن الإدخالات التصويرية التي رافقت الحفل لم تتوقف طيلة مدة العزف. قلعة بعلبك، وفي وسط معبدها (معبد باخوس) حيث كانت الفرقة الموسيقية، كانت تتبدّل ألوانها طيلة الوقت من الأزرق إلى الزهري إلى ألوان مختلفة أخرى، كما بُذلت جهود لإعادة تصوّر كيف كانت المعابد والأبنية والأروقة المؤدية لها من نحو ألفي سنة. أما الاحتفال بالقلعة، وبتمثيلها إبداع اللبنانيين وثقافتهم، فبدت في التسلسل الذي راح شريطه يُظهر، أسفل الشاشات، أسماء الذين تعاقبوا على إحياء مهرجانات بعلبك «الدولية»، ابتداء من عشرينيات القرن الماضي. أما الإبداع الداخلي فتمثل فيما قدّمه الرحابنة وفيروز على مدار سنوات كثيرة على «أدراج بعلبك». ثم هناك جبران خليل جبران، الحاضر دائما كلما شاء لبنان أن يشير إلى عظمة إبداعه على الرغم من صغر حجمه.
أغلب الظن أن غياب الجمهور يرجع إلى تفادي جمع البشر وحشدهم، خوفا من استشراء عدوى كورونا، وربما رأى البعض أن الحفل أقيم لكي لا تُترك المدينة سنتين كاملتين من دون إقامة مهرجانها، ما قد يتركها عرضة لتصورات الكثير من ساكنيها عن كيف ينبغي لها أن تكون. وهذا ما ينطبق على لبنان بمجمله، ذاك الذي، بدوره، ينبغي أن لا يُترك للتخلّف والفوضى اللتين يأخذه إليهما الوباء والإفلاس. كان ينبغي أن يُقام حفل مثل هذا لكي يحافظ اللبنانيون، أو بعضهم، على ما كانوا يجيدونه ويحسنون فعله. هي شيء مثل الخميرة يجب أن تبقى، وإلا ستغلب على صورهم التحولات الأخيرة الذاهبة بهم إلى آخر الفقر.
أن تُذكر أسماء مثل جان لوي مانغي، الذي عمل على تشكيل فضاء القلعة وهندسة جماليتها، وغبريال يارد الذي رافقت موسيقاه أداء رفيق علي أحمد، وهو يقرأ مقاطع لجبران خليل جبران، وكارل أورف الذي أضفى عمله كارمينا بورانا أبهة غامرة على فضاء القلعة.. أن تُذكرهذه الأسماء، وتستحضر، يعني أن تأتي حاملة جرعة أوكسيجين للبنانيين، الذين أودت بهم سياسة حكامهم وطائفية نظامهم السياسي إلى الاختناق. هذه المرة بدا بعيدا ذلك الترف اللبناني، بل مؤلما في ابتعاده، إذ بدا أقرب إلى الرثاء منه إلى الرجاء، وإلى الإحباط بدلا من الأمل الذي قالت اللجنة المنظمة أنه الداعي إلى إقامة الاحتفال.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية