الشعار الجديد الذي احتل “مسيرة الأعلام” هذه السنة في يوم القدس، إلى جانب الشعارات الكلاسيكية المعروفة “فلتحرق قريتكم”، “محمد مات” و”الموت للعرب” هو “في غزة لا تعليم، لم يبقَ هناك أطفال”. ظاهراً، لا يدور الحديث مرة أخرى إلا عن نشيد عنصري ومنكر. فهل “الموت للعرب” أقل فظاعة من النشيد الجديد؟ ومع ذلك، من الصعب تجاهل الذكر الصريح، المبتهج، لأطفال موتى. كما من الصعب تجاهل حقيقة أن هذه الدعوات تنطلق في دولة تتنكر لموت جماعي لأطفال في غزة منذ بضعة أسابيع.
هذا الأسبوع انتظمت دولة كاملة، من كل جوانبها، كي تشكك في حقيقة أن الجيش الإسرائيلي قتل تسعة إخوة وأخوات، كلهم أبناء أقل من 12 سنة، في هجوم واحد. في الأسبوع الماضي، أثار رئيس الديمقراطيين يئير غولان عاصفة حين قال إن “أي دولة سوية العقل لا تقتل الرضع كهواية”. هذا قول واضح القصد – ومع ذلك، قلة امتنعوا عن المشاركة في سيرك التنديدات ضده.
التهجم على غولان تم إثباته على نحو أفضل من كل شيء، لأن أقواله لمست عصباً مكشوفاً. فالجمهور يكبت ما تفعله إسرائيل في غزة: عشرات آلاف القتلى، غالبيتهم الساحقة ليسوا من رجال حماس، ومنهم نحو 18 ألف طفل. حتى من يعترف بالأرقام، يقنع نفسه بأن قتل الأطفال “ضرر جانبي” ومحتم. لكن عندها يأتي عشرات آلاف المشاركين في “مسيرة الأعلام” ويثبتون بأن النقيض التام هو الصحيح: قتل الأطفال في غزة ليس نتاجاً مرفقاً بالأسف، بل تطلع عنصري تعبر عنه هذه الجموع بصوت عال ومبتهج فيما هي تسير في شوارع العاصمة.
“لا تعليم في غزة، لم يبقَ هناك أطفال” – هذا احتفال بالإبادة الجماعية. دولة سوية العقل لا تندد بمن يتساءل عن قتل الأطفال، بل من يحتفل بهذا القتل. لكن إسرائيل، مثلما رأينا مرة أخرى في يوم القدس، تسير نحو فقدان سواء العقل.
رعاع عنصري وعنيف يعم مجتمع بكامله. لكنه في إسرائيل يجلس على طاولة الحكومة ويملي السياسة. وعليه، فلا يمكن شطب أحداث “مسيرة الأعلام” بادعاء أنها ظاهرة هامشية. بطل السائرين هو وزير الأمن القومي بن غفير. فهو لا يستقبل فقط بإنشاد “الموت للعرب”، بل إنها دعوة لسياسة رسمية يعمل هو عليها ويطبقها.
لا يمكن الاستمرار مع غض البصر في ضوء التطرف داخل المجتمع الإسرائيلي. فدعوات الإبادة الجماعية تطبعت تماماً. فلئن حاولوا نكران النكبة من قبل، فها هو اليمين الإسرائيلي اليوم يدعو على رؤوس الأشهاد إلى نكبة ثانية. منظمة “إن شئتم” علقت يافطة كبرى كتب عليها “بدون نكبة – لا نصر”. الكثيرون من السائرين حملوا هذا الشعار على قمصانهم. دولة سوية العقل لا تدعو إلى نكبة. دولة سوية العقل لا تحتفل – برعاية وزراء وبتمويل بلدي – بقتل الأطفال في غزة. لكن إسرائيل تحتفل. وسواء العقل يبدو كذاكرة بعيدة.
أسرة التحرير
هآرتس 28/5/2025