احتفال متواضع بالثورة التونسية

حجم الخط
0

رأي القدس جاء احتفال الشعب التونسي بالذكرى الثانية لانطلاق ثورته متواضعا يوم امس، في ظل وجود حالة من القلق حول مستقبل البلاد وخروجها من ازمتها الاقتصادية، وصياغة دستورها الدائم واجراء انتخابات برلمانية في موعدها المحدد الصيف المقبل.ارث حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي كان ثقيلا بكل المقاييس، ولذلك من الصعب، وفي ظل التوقعات الشعبية العالية، ان تأتي الحلول سهلة وسريعة للمشاكل المعقدة التي ورثها النظام الائتلافي الجديد.المشكلة الاكبر التي تعانيها تونس في رأينا تتمثل في الانقسام السياسي والاجتماعي الكبير الذي يسود البلاد، بين العلمانيين والليبراليين من ناحية والتيارات الدينية من الناحية الاخرى، وهو انقسام يتعاظم ويخلق حالة من الاستقطاب تهدد الوحدة الوطنية، ويمكن ان تتطور، اذا لم يتم علاجها، الى صدامات تهز استقرار البلاد وأمنها، وهما رأسمالها الحقيقي.المرحلة الانتقالية في تونس شهدت بروز اول تحالف بين حزب النهضة الاسلامي، وحزبين ليبراليين علمانيين، الاول بقيادة السيد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت، والثاني بزعامة مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت) الامر الذي يعكس توجها تونسيا نحو التعايش بين الاسلاميين والليبراليين والعلمانيين، غير موجود حتى الآن في دول اخرى شهدت ثورات او انتفاضات شعبية، مثل مصر على وجه الخصوص.من الطبيعي، وفي ظل نقص الخبرة، والسقوط السريع لهياكل الدولة، ان تشهد المرحلة الانتقالية في تونس بعض الاخطاء، او نواحي القصور في الاداء الحكومي، ولكن ما هو غير طبيعي هو عدم التعاطي بسرعة مع هذه الاخطاء من خلال تعديل حكومي يقدم الخبرة على الولاء الحزبي او العقائدي، وبما يؤدي الى سد الثقوب واصلاح بواطن الخلل.الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة كان مصيبا في تحذيره الذي اطلقه يوم الجمعة الماضي من انزلاق تونس الى الفوضى والصدامات الدموية وتحولها الى صومال اخرى، لان هناك مؤشرات تبعث على القلق في هذا الخصوص. فاذا كان الخلاف بين الاسلاميين الممثلين في حزب النهضة المعتدل والجبهة العلمانية معروفا وظاهرا للعيان، فان الخلاف الذي لا يقل خطورة في رأينا هو ذلك المتفاقم بين حزب النهضة والسلفيين، وهو خلاف يتطور نحو الاسوأ رغم محاولات اخفائه، نظرا للتباين بين وجهات النظر حول التطبيق الفوري للشريعة الاسلامية واسلمة المجتمع التونسي بالتالي.الازمة الاقتصادية في تونس تحتل مكانة بارزة في الجدل السياسي الحالي الذي يسود اعمدة الصحف، والمنتديات السياسية، ولكنها تظل اقل خطورة مما كان متوقعا، فاعداد العاطلين عن العمل لم يتجاوز 850 الف عاطل، وهو رقم كبير دون ادنى شك، جعلت بعض الشبان يطالبون باستقالة الحكومة، ورحيل رئيس الجمهورية في بعض المناطق، خاصة سيدي بوزيد موئل الشرارة الاولى لمظاهرات وانتفاضات الربيع العربي، لكن دخول الاقتصاد مرحلة جديدة من النمو بمعدلات تصل الى ثلاثة في المئة بعد انكماش بالمعدل نفسه في بداية الثورة حسب احصاءات الحكومة، يوحي بان البلاد تسير على طريق التعافي شريطة استمرار الحد الادنى من الامن والاستقرار.لا نريد ان نرسم صورة تشاؤمية للوضع في تونس في ذكرى ثورتها الثانية، انطلاقا من دعمنا وتأييدنا لثورتها وانتصارا لشهدائها، لكن هذا لا يمنع ان نضع ايدينا على قلوبنا، خوفا من بعض الظواهر السلبية، واخطاء الحكم التي يمكن ان تعطي نتائج عكسية.تونس بحاجة ماسة الى الحوار الوطني الجاد بين مختلف اقطاب العملية السياسية، حوار يترفع عن الغطرسة والخلافات الايديولوجية والاحكام المسبقة، وبما يحول دون حدوث الفوضى ايضا، وتوسيع دائرة المشاركة في الحكم، والحفاظ على التعايش الذي ميز تونس في محيطها الجغرافي، والديمقراطية والحريات ابرز ثمار هذه الثورة الرائدة.qraqcaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية