احتفلت بـ 4 وأنكرت قتلها 274 مدنياً: إسرائيل.. من مرض الضمير إلى موته

حجم الخط
1

هل يمكن لمجتمع أن يعيش بدون ضمير؟ هل يمكن لدولة أن تعيش بعد أن قُطع ضميرها؟ هل الضمير عضو حيوي مثل القلب أو الدماغ؟ أو مثل الطحال أو كيس المرارة اللذين يمكن العيش بدونهما؟ أو ربما كغدة درقية يمكن العيش بدونها، ولكن هناك حاجة إلى بديل اصطناعي بدلاً منها؟ كل هذه الأسئلة يجب أن تقلق الجميع الآن بعد أن اجتازت بلادهم عملية استئصال لبقايا الضمير في 7 تشرين الأول 2023؛ منذ ذلك الحين وإسرائيل دولة مقطوعة الدماغ، لكنها على قيد الحياة.

لا طريقة لوصف العملية التي مرت بها إسرائيل في الأشهر الأخيرة إلا كعملية انفصال عن الضمير. هذا الضمير كان مريضاً منذ سنوات قبل ذلك، أما الآن فمات. ثمة تبريرات وتفسيرات لدى الأغلبية، لكن السؤال ما زال صالحاً بكل قوة: كيف يستطيع مجتمع العيش لفترة طويلة بدون ضمير؟ في 7 تشرين الأول مع كل الفظائع، قالت إسرائيل لنفسها: يجب تصفية الضمير. من الآن فصاعداً، لا أحد غيرنا. من الآن فصاعداً، ولا يوجد غير القوة؛ لا الأطفال الذين يقتلون بالآلاف أو الأمهات الموتى؛ لا الدمار الشامل أو التجويع؛ لا طرد المعوزين أو فرض الرعب المطلق. لا أمر يهم إسرائيل عدا ضحاياها وعقوبتها ومعاناتها وبطولتها.

الفرح الوطني الذي اندلع في إسرائيل عقب تحرير المخطوفين الأربعة كان مبرراً وإنسانياً وجارفاً ومثيراً للمشاعر. العمى الذي رافق ذلك كان دليلاً على نهاية الضمير القومي. قتل في مخيم النصيرات في يوم تحريرهم، حسب وزارة الصحة في غزة، 274 شخصاً، وأصيب 698 شخصاً. صور سيارات الإسعاف والسيارات الخاصة والعربات التي تجرها البهائم التي نقلت مئات القتلى والمصابين إلى المستشفى الذي يتفجر بسبب الازدحام في دير البلح، كانت هي الصور الأصعب من بين صور هذه الحرب. فضلت إسرائيل إخفاءها ومحوها وإنكار وجودها وكأنها إذا أخفتها وتجاهلتها لم تحدث. لقد تغلفت بالفرح، سمعت أغاني مديح بالعملية الجريئة، التي كانت وبحق جريئة، ولبطولة الجنود التي كانت وبحق بطولة، وللضابط الذي قتل، الذي ستسمى العملية الآن على اسمه – ولم تذكر ما حدث في النصيرات.

عندما قالت دفنه ليئيل في القناة 12 بأن العملية كانت “كاملة” ماذا كانت تقصد؟ هل الـ 300 قتيل من وصف “الكمال”؟ هل لو قتل ألف شخص أيضاً في حينه ستعتقد أن الأمر “كامل”؟ و10 آلاف جثة؟

هل كان يمكن اجتياز خط الكمال الي تقصده ليئيل؟ ما الذي كان سيتجاوز الخط الحدودي للإسرائيليين؟ لو سقطت ألف قنبلة على النصيرات، هل كانت ستثير الأسئلة؟ هذا مشكوك فيه.

عندما يقول قائد حرس الحدود، المفتش بريك إسحق، بطل الساعة الذي حررت قواته المخطوفين، إنهم قتلوا بـ “قيمية” وأن عمليتهم كانت “جراحية” – ماذا كان يقصد؟ هل القتل الجماعي أمر “قيمي”؟ إذا كان الأمر هكذا فكيف يبدو القتل غير القيمي؟ هل الـ 300 قتيل “عملية جراحية”؟ إذا كان كذلك، فكيف يبدو قتل الإبادة الجماعية؟ عندما لا يقول أحد خلاف ذلك، ولا يصححه، ولا يتحفظ، ولا حتى يضع نجمة صغيرة للتعليق، من أجل ألا يخرب نشوة الجمهور على شاطئ البحر، فثمة شيء مريض جداً.

بالطبع، كان يمكن ويجب الاحتفال بهذا التحرير المثير للانطباع. الإسرائيليون يستحقون لحظة من الفرح في جهنم الأشهر الأخيرة التي لا تنتهي. ولكن لا يمكن، لا يمكن، تجاهل الثمن الذي دفعه الفلسطينيون، حتى لو كان هناك من يعتقدون أن الثمن كان أمراً محتماً أو حتى مبرراً بطريقة لا مثيل لها.

إن المجتمع الذي يتجاهل بكل فظاظة ومطلق الثمن الذي دفعه عشرات آلاف الأشخاص بحياتهم وأجسادهم وممتلكاتهم مقابل تحرير أربعة مخطوفين وفرح لحظي لمواطنيه، هو مجتمع ينقصه عامل حيوي. مجتمع فقد الضمير.

بقلم: جدعون ليفي

 هآرتس 13/6/2024

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية