احتلال المرأة

حجم الخط
0

احتلال المرأة

جمال محمد تقياحتلال المرأة صدقوا عندما قالوا قديما وحديثا ان المرأة واهبة الحياة، واذ تقهر وتستعبد وتحتل فكأن الحياة كلها قد قهرت واستعبدت واحتلت.ان مثل المجتمع البشري كمثل كائن حي يسير علي قدمين هما المرأة والرجل فإن اعيقت احداهما او كلاهما فالسير يكون معوجا واعرج واحيانا مشلولا وكسيحا، والاخيرة هي الادق في وصف حالة المجتمع البشري الذي انطلق بالتعثر والاعوجاجمنذ ان تراكمت التمايزات الاجتماعية الناتجة عن تقاسم العمل ووظائف الانتاج وظهور الفائض القيمي وسيادة الملكية الخاصة الـــــذي ادي الي تبلور مجتمع الطبقات الاول مجتمع العبودية حيث نتجت عنه ولاول مرة في التاريخ البشري ظــــاهرة استعباد الانسان للانسان أمرأة كانت ام رجلا، واصبح الاستغلال والاســــتعباد والاحتلال هو شريعة الحياة في المجتمعات البشـــرية حتي يومنا هذا، وعليه فان طبيعة المنظومة القســـــرية للطبقات السائدة هي المسؤولة عن عبودية المراة والرجل معا.كان للانحطاط الذي لحق بالاطراف المحرومة من التمتع بفائض القيمة بحكم تدهور مواقعها في عملية الانتاج ـ هزيمة اقتصاد المنزل وجمع الثمار امام اقتصاد الزراعة والتعدين ـ الذي شمل كلا الجنسين دوره الحاسم في جعل المراة تتقهقر عن موقعها الطبيعي لتتضاعف وتزدوج المعاناة فهي الاكثر تضررا ـ عبدة للسيد حالها حال الرجال العبيد وتابعة ومقيدة بمؤسسة الزواج التي تجعل من الذكر هو السيد والامر الناهي في الاسرة ان كان عبدا او سيدا ـ فالظلم المزدوج قد تجسد في وضعها كنتيجة تتابعية لمجتمع الملكية الخاصة (المقدسة) التي اعتبرت المرأة جزءا من ملكية الرجل بشكل عام وخاص، وهي منتجة للخيرات المادية حالها حال الرجال العبيد ومنتجة للبشر ايضا، لقد اختزلت حقوقها بمؤسسة الزواج التي جعلت منها مجرد تابع للرجل وقراراته بقوانين منصوصة او عرفية مقابل ـ الحماية والكفالة ـ وهي حقوق مجتزأة وغير مجدية لانها مرهونة بما يتيحه الرجل نفسه من تفعيل او تعطيل، وهذا الحال جاء بعد دهر من التكامل كان فيه الجميع احرارا والمراة والرجل يكمل بعضهما الاخر بل كانت للمرأة حظوة مضافة لقدرتها علي الانجاب.من اين يأتي عذاب وارهاب المرأة؟:من سيادة وانفلات علاقات السوق العمياء التي حولت كل الاشياء الي سلع بما فيها الانسان فصار الرجل يبيع جسده كما المراة عندما يجد في ذلك مخرجا وحيدا لاعادة تجديد قدرته علي البقاء وصارت اسمي العلاقات الانسانية معرضة للهلاك لانها قد سعرت ومن يدفع يأخذ، اما تجارة البشر اي بيعهم وشراؤهم ان كانوا اطفالا ام نساء فانها اليوم بارقام فلكية لم تعرفها البشرية سابقا، ورغم كل مظاهر التمدن واطلاقية السير في الحريات الفردية (حرية الزواج والطلاق، وحرية الانجاب خارج مؤسسة الزواج، حرية الزواج المثلي، حرية تغيير نوع الجنس، حريات فردية بلا حدود ومضمونة) الا ان كلا الجنسين صار علي درجة تكاد تكون واحدة من الاستلاب فكلاهما يفعل ما يريد فرديا ولكن لا يحق لهما قطعا بالتجاوز علي قدس الاقداس علي شكل الملكية السائدة وعلي شكل توزيع الثروة وعلي نمط الاستهلاك السائد، وهنا تناقض بين انجازات نزعة الحرية الانسانية الفردية وبين تكثف وتاصل لا انسانية الطبقة السائدة التي تستثمر المجتمع بكليته الفردية والجمعية، بل العالم بأجمعه ليكونوا بالمحصلة مجرد ادوات في ماكنتها الغولة والمتضخمة عموديا وافقيا. ان الاحتكارات تبطش بالاخرين بمنتهي الوحشية والانانية فهي تقدس راس المال لانه صك غفرانها للدوس علي كل قيم العدالة والديمقراطية بل علي اي قيمة انسانية بما فيها قيمة الحياة ذاتها وبمعدل درجات ربحيتها المئوية والالفية التي تنعكس طرديا علي حالة ووضع الطبقات المنتجة المسحوقة وعلي المراة كونها عنوانا لها، فكلما تضاعفت ارباح الاحتكارات وازدادت نسب تغلغلها واحترابها وهيمنتها اشتدت عذابات المرأة ومعها رفيقها الرجل المسحوق واشتد الارهاب عليها لان ارهاب الاحتكارات ينتج ارهابا معاكسا، واخطر انواعه ذلك الارهاب اليائس الذي يبكي دخانه الاسود عيون الامهات والزوجات والاخوات وكل المسحوقين قبل ان يوصل رسائله الي من يهمه الامر ثم يأتي دورالحروب الارهابية المنظمة التي تشنها الامبريالية العالمية علي الجهات الاربع لتشكل الطامة الكبري في معاناة الانسان بمعزل جنسه او لونه وفي المقدمة منهم النساء والاطفال والشيوخ بل الجميع.ان الانجازات الانسانية الهائلة التي حققتها القوي المنتجة في البلدان الراسمالية المتطورة ساعدت المرأة علي استرداد جزء هام من حقوقها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لكن ذلك ليس نهاية المطاف، لان احلال فورة الحريات الفردية محل الحلول الاجتماعية الجذرية امر ملتبس اليوم لانها تبدو وكانها حريات مطلقة، والحقيقة ليست كذلك لان الحريات الفردية هي جزء من منظومة مقيدة من اعلاها ومستثمرة لخدمة الطبقة السائدة التي لا تتورع عن سحق ابسط حقوق الانسان في البلدان المستعمرة والمحتلة وحتي في بلدانها فهي تسحق وباساليب متطورة وانيقة،اية خطورة حقيقية علي سيادة نمطها، فجرائم الامبريالية خارج حدود بلدانها الاطراف لا تعرف بحجمها الحقيقي في المركز، ولا تسلط عليها الاضواء ما دامت الاطراف تدر علي المركز بنسغ الثروة الذي لا تشبع منه ابدا، لقد انتزعت المراة مكاسب غالية وعزيزة بتضحيات هائلة قد ادت الي عودة الكثير من حقوقها المغتصبة بالتلازم مع نجاحات الطبقات المسحوقة ولكلا الجنسين، وكان للاستقلال الاقتصادي للمراة وانتزاعها لحقوقها المدنية والسياسية في البلدان الراسمالية المتطورة اثرهما الفاعل في التاثير علي حركة تحرير المراة في المجتمعات التابعة والمهيمن عليها.تحرير المراة علي الطريقة الامريكية:تنتعش الامال في نيل المراة لحقوقها الاساسية كلما انتعشت الامال في تطور المجتمع واستقراره وتحرره ودمقرطة حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعكس صحيح، ولنأخذ العراق عينة تطبيقية لهذه الخلاصة، ان اعاقة تطور البلدان المتحررة حديثا واستنزاف طاقتها ضمن صراعات الاقطاب قد انعكسا علي واقع الحالة الاجتماعية لتلك الدول وكانا سالبين، ومن اوجه عديدة خاصة للبلدان التي تحتكم علي مصادر شريان الحضارة والمدنية ـ النفط ـ ومنها العراق فقد اتسمت مؤشرات التطور والانفتاح لديها بالتذبذب والانقطاع ومن ثم التشوه، ولا يكفي حقيقة ان يقام نظام مستقر وباليات ديمقراطية وبتعددية سياسية لتستعيد المراة دورها ومكانتها الحقيقية، ولدينا مثال صارخ علي ذلك هو الهند والحالة العامة المزرية للمراة والاكثرية الساحقة من المعدمين فيها، ففيها اكبر معدلات وأد البنات في العالم، وفيها اكبر معدلات القتل العمد للنساء ولاسباب مختلفة، وفيها اكبر معدلات المعاملة المهينة للمراة ـ الضرب التشويه والمتاجرة والحرمان ـ مع ان انديرا غاندي امراة وكانت واحدة من اعظم القادة السياسيين في الهند والعالم. ومع ان هناك احزابا ومنظمات مجتمع مدني ونساء نخبويات بل ومافيات نسوية لها باع طويل في مجالات عديدة تفوقت بها علي الرجال، هذه المفارقات تشي بشيء اساسي هو ان الهند بلاد لا تسودها ديمقراطية اقتصادية واجتماعية علي الرغم من توفر مظاهر التداولية والتعددية والانتخابات العامة والفدرالية الخ، اي علي الرغم من توافر ممارسات سياسية ديمقراطية غدت تقاليد واعرافا يشار لها بالبنان هناك فان حالة المراة الهندية تزداد سوءا كلما ازداد اندماج الاقتصاد الهندي بالاقتصاد العالمي ذي النزعة الاحتكارية المتوحشة.اما العراق فلم يشذ عن قاعدة التذبذب في انتعاش او تراجع مكاسب واوضاع المراة عموما ففي العهد الملكي كانت النخب النسوية العلنية او السرية قد تراوح جهادها ومسعاها بين معالجات اجتماعية محدودة من خلال العمل الخيري او ارتباطها السياسي الوثيق بالحركات الثورية والاحزاب الوطنية التي تتضمن برامجها فصولا لمطالب واهداف المراة العراقية واسباب تقهقر اوضاعها، ثم انطلاقتها التعبوية والتشريعية والسياسية بعد ثورة 14 تموز الذي استمر حتي نهاية عام 61 حيث بدأ مسلسل الانقطاع والتراجع الملحوظ في الاوضاع العامة حتي عام 72 الذي بدا فيه تواصل ما انقطع من تطور في اوضاع المجتمع والمراة ضمنه، ليشهد ازدهارا لم يشهده العراق سابقا (قانون راق للعمل، محو الامية بين الكبار من النساء والرجال وكان ناجحا، قانون متكامل وتقدمي للاحوال الشخصية، الزامية التعليم الابتدائي للاناث والذكور، نشاط سياسي وثقافي وتنظيمي متنام) واستمر الحال حتي الانقطاع الجديد الذي ابتدأ منذ اندلاع الحرب الايرانية ـ العراقية، وازداد تدهورا بعد الحصار الجائر الذي فرضته امريكا وحلفاؤها علي الشعب العراقي، وتوج بالتيه والكارثة الشاملة عندما وقع الاحتلال الامريكي علي العراق في 9 نيسان (ابريل) 2003 واصبح وضع المراة هو نموذج يقاس عليه شدة ما يتعرض له الوطن من الاستباحة والقتل المجاني والتردي الامني وفقدان الخدمات وتفكك الدولة وفسادها وانعكاس ذلك علي كل اوجه الحياة في المجتمع، ان الشعارات البراقة والحرية الكاذبة التي يدعيها البعض ثم مهزلة استقطاع نسب ثابتة للنساء في مجلس النواب ـ 25 % ـ وطرحه علي انه انجاز حققته المراة العراقية تحت ظل الاحتلال ما هو الا اسفاف ونفاق وعبودية متزلفة لم تفلح باقناع النساء العراقيات المكافحات لانهن لا يثقن بابناء جنسهن من نساء الصالونات والمافيات او من حاشية الاحتلال او جواري فلان وفلان، فالوزيرة الفلانية ابنة السيد فلان والاخري زوجة الشيخ فلان وهذا يشمل الرجال ايضا الوزير الفلاني ابن فلان عضو مجلس الحكم، وهذا ابن خالة فلان والسفيرة فلانة زوجة الامريكي فلان، وهذه اخذت عقد عمل من بريمر لتطوير المجتمع المدني في المنطقة الخضراء بواسطة فلان، واخري لها تجديد ووعيد لتواصل سفارتها من اجل سواد عيونها ومؤهلاتها التي تريح وزير الخارجية، وهكذا وفي اكثر من مكان، وهناك مافيا نسوية يقودها بعض تجار السياسة يختلط في عملها شفط بعض منح الدول المانحة، ببعض المكاسب للعمل كبديلات لملء النسب مع نوع جديد من الصالونات السياسية الضيقة التي يمارس فيها غزل سياسي وتحرر حقيقي من اي نوازع للكرامة الوطنية والاحساس بالمعاناة الجحيمية التي يزيدها امثال هؤلاء بفسادهم وتسلطهم.لقد حول الاحتلال ابناء شعبنا الي عبيد لا دية لحياتهم، وحولوا اكثر من نصف المجتمع الي غمامات سوداء تحني رؤوسها بالطين نحيبا علي حياتهن وحياة عوائلهن.ہ كاتب من العراق8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية