احتلال واحد وحرب واحدة متعددة الساحات

هشام عبد الله
حجم الخط
0

مرجل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يغلي، لا يكاد يخبو حتى تستعر جذوته من جديد. وإذ تتعدد صوره وأدواته على كل ساحاته، فإن حربه تظل حربا واحدة متواصلة ما بقي الاحتلال الذي لا تمل إسرائيل ولا تكل من محاولة تجاوزه، لكن عبثا.
وتجد إسرائيل نفسها مع كل منعطف جديد، ومنذ احتلالها الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية عام 1967 في مواجهة جديدة مع ذات الاحتلال وتداعياته المختلفة وفي ساحاته المتعددة.
ولم تفلح أي محاولات للتسوية والتوصل إلى اتفاق سياسي مع الفلسطينيين في تجاوز عقبة الاحتلال الذي تصر إسرائيل على إدامته بانكارها لحقوق الفلسطينيين في نيل استقلالهم وحقهم في تقرير المصير، وبالرغم من قبول الفلسطينيين بإقامة دولة في مساحة لا تتعدى 22 في المئة من أرض فلسطين التاريخية. بل أن إسرائيل، وعلى مختلف حكوماتها التي تخللتها منذ العام 2000 عام اندلاع انتفاضة الأقصى، لم تأت على ذكر دولة فلسطينية، ورفضت منذ العام 2104 عام توقف المفاوضات بين الطرفين، الدخول في أي محادثات سياسية، وحصرها في قضايا التنسيق الأمني ومسائل تتعلق بالاحتياجات المادية فقط.
وفي غضون ذلك، لم تتوقف إسرائيل عن قتل الفلسطينيين والتشديد عليهم، وبناء المستوطنات ومصادرة المزيد من أراضي الضفة الغربية، والإمعان في سياسة تهويد القدس الشرقية لاسيما البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى على وجه الخصوص.
وتزامن ذلك كله مع جنوح المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف، وهو ما كان جليا في الانتخابات العامة فيها والتي لم تفرز سوى اليمين، بمن فيهم غلاة المستوطنين مع وصول نفتالي بينيت إلى منصب رئيس الوزراء قبل عامين، ومرورا نحو حكومة اليمين المتطرف الحالية التي يرأسها بنيامين نتنياهو، في حين يعتبر ايتمار بن غفير وبتسلإيل سموتريتش أبرز رموزها.
وخلال هذه السنوات الأخيرة ضاعفت إسرائيل من ضغوطها على الفلسطينيين، سواء تلك التي تمارسها على السلطة الفلسطينية بالتحديد حجز مئات ملايين من الدولارات من أموال المقاصة التي تجبيها نيابة عنهم، أو تلك المتعلقة بالقيود على حياة الفلسطينيين اليومية وإطلاق يد المستوطنين في مختلف مناطق الضفة الغربية.
لكن أبرز هذه الضغوط تمثل في مضاعفة اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى وتشديد قبضتهم على المقدسات الأخرى، الإسلامية والمسيحية على حد سواء، وفي نفس الوقت منع وصول فلسطينيي الضفة الغربية إلى المدينة المقدسة.
وربما كانت «معركة» البوابات الإلكترونية التي حاولت إسرائيل نصبها عند بوابات المسجد الأقصى عام 2017 ومحاولات اخلاء سكان حي الشيخ جراح الفلسطينيين من منازلهم لصالح المستوطنين، أبرز محطات المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال الأعوام الأخيرة.
وتزامن ذلك مع مواصلة إسرائيل حصار قطاع غزة، وشن هجمات متكررة لاسيما العدوان الأخير الذي شنته العام الماضي حين اغتالت أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي، وردت الحركة بقصف صاروخي على مناطق مختلفة في إسرائيل.
ومنذ بدابات العام الماضي والمواجهات متواصلة في الضفة الغربية، لاسيما في منطقتي جنين ونابلس حيث تنشط مجموعات «عرين الأسود» الفلسطينية. وهي مواجهات وصفت بانها الأعنف منذ عام 2004 في نهاية فنرة انتفاضة الأقصى.
وتصاعدت المواجهات منذ وصول حكومة اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو وحلفائه بن غفير وسموتريتش. وشهدت ساحات المسجد الأقصى في شهر رمضان الحالي صدامات حادة بين الجنود الإسرائيليين الذين اعتدوا على المعتكفين داخل المسجد، لإفساح المجال أمام المستوطنين الذين أردوا الاحتفال بعيد الفصح اليهودي.
وقد جلبت الصدامات ردات فعل بقذائف صاروخية من المقاومة في غزة، وفي هجوم غير مسبوق من لبنان، وفتحت الساحات المختلفة مجددا أمام المقاومة في الوقت الذي تنشغل فيه إسرائيل بأزمتها الداخلية المتعلقة برفض المعارضة للتغيرات التي تريد حكومة نتنياهو ادخالها في النظام القضائي في إسرائيل.
واضطر نتنياهو إلى الإعلان عن وقف اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى حتى نهاية شهر رمضان، ولم ترد إسرائيل على الهجمات الصاروخية في الوقت الذي اتهمت فيه حركة حماس بالوقوف وراءها.
واعتبر قياديون وخبراء إسرائيليون ان عدم رد إسرائيل على الهجمات الصاروخية وإعلان نتنياهو عن وقف اقتحامات المستوطنين بمثابة «تآكل» لقوة الرع الإسرائيلية، وهي اتهامات تتعزز مع فشل إسرائيل في ردع المقاومة في غزة التي عملت خلال السنوات الأخيرة على رفع مستواها وتطوير بنتيها التحتية بالرغم من محاولات إسرائيل تدميرها ولجمها.
ويتزامن ذلك كله مع فشل إسرائيل في جر الإدارة الأمريكية والغرب لتوجيه ضربة إلى إيران التي تعتبرها القوة الرئيسية التي تقف وراء المقاومة في غزة ومع حزب الله اللبناني.
تجد إسرائيل نفسها اليوم وهي في خضم أزمة داخلية عميقة غير مسبوقة في تاريخها وأنها تقف في مواجهة مختلف ساحات المقاومة، في غزة، والقدس، والضفة الغربية، وفي لبنان. ربما ان هذه الساحات قد توحدت بسبب الاعتداءات الأخيرة على المسجد الأقصى، لكنها باتت تملك كل ما يلزم للرد على إسرائيل خارج نطاق الأقصى أيضا.
الأكيد أن التيار الصهيوني الديني في إسرائيل مصمم على المضي قدما في مخططاته نحو التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى، بل إن المنظمات التي تدعو إلى بناء هيكل سليمان مكان الأقصى لم تهدأ أبدا، وعاودت نشاطاتها مع وصول حكومة اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في إسرائيل.
وهي حكومة شارك معظم وزرائها ونوابها في مسيرة غير مسبوقة إلى البؤرة الاستيطانية في بلدة بيتا في الضفة الغربية. وهذه تضاف إلى الساحة المشتعلة أصلا في الضفة الغربية بدون توقف منذ أكثر من عام.
هي إذن ساحات متعددة لحرب واحدة، تريدها إسرائيل، أو لا تريدها، لكنها منخرطة فيها بما تملك وما لا تملك، يغذيها الدعم المستمر والثابت من الغرب الذي لا يكف عن الدفاع عن إسرائيل قاتلة أو مقتولة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية