يحدث أن تكون الحكاية على مرمى كلمة من شفاهةٍ تنسج الحدث في مسارات الخيال، ويظل الحكاء في دائرة «الحَلْقَه» يستعير من جملة وقائعه سيرة لبطل ينتظره بشغف أفق انتظار المتلقين، على أساس أنه خَبَر الرغبة الدفينة في عيونهم، التي لا ترى الواقع سوى على أسنة رماح المنتصرين الأقوياء، الذين يعيدون للضعفاء شيئا من سيرتهم في ملهاة الواقع، ومن ثمة تكون الرواية هي الملحمة التي تبهج اللحظة وتقتلع من انتظار المتلقين نارا تنفخها لتنبثق الفرجة كأحايين أسطورية تمتع من حيث تروي مسارات الكبد الإنساني.
الرواية بين محكيات اللهجة ومحكيات الحدث:
لقد استمدت الرواية العربية متعة نشاطها من الميادين والأماكن المفتوحة، التي انتشرت فيها «الحَلْقَه» كمسرح للحدث الشعبي الذي يحكي الصراع من أجل انتصار البؤساء، ولحظة البطل المنقذ الذي يشكل ملحمة الراهن في الخيال وفضاء الأمكنة الحلقوية التي تنتزع من الناس برهة في مسار كبدهم اليومي، لتقذف في خيالهم شيئا من أحابيل الحركة والفعل والفضاء المستمرة في الخيال، كلهب شمعة تذوب بفعل الحرارة لتترك أثارا لينة تديم شيئا من متعة التشكيل الخارج عن نطاق الشمعة، قد يتشكل من البقايا اللينة عالما لا يمت بصلة للشمعة، لكنه من دفء لهيبها وطراوة طبيعتها.
يبدو أن نجيب محفوظ إذا اعتبرناه أبا للرواية العربية، انطلق من الحارة القاهــــرية ليؤسس شبكة علاقات الحدث الروائي المشتبك مع عناصر قاع المجتمع، المخزنة في وعيها براءة الإخلاص للبطل المعبر عن ملحمة إنجاز لحظة التغيير والتحول في مصائر الناس. إن جوهر العلاقة التي يقوم عليها بناء الحدث في سردية نجيب محفوظ، هي بساطة خيوط نسيج السدى المجتمعي، لا من حيث حركته نحو المصير، بل من اشتقاق بنية الرواية من تقاطعات المصائر ذاتها التي تحرك الحارة والناس في ما بينهم وهم يديرون شؤون المكان في تقابله المضني مع أمكنة مغايرة مختلفة، ترتفع فوق الحارة وتنظر إليها من أعلى، ما يجعل القيمة تتفجر من ذاتها، معلنة سلطتها، فالثلاثية أو «زقاق المدق» مثلا، تنبع أهميتهما من خلال ملحمة الانعتاق من واقع يشكل أحداثه من حلم الشخوص في التخلص من تحدي المكان والوقائع التي تمنحه هويته، لكنها تعي في النهاية أن الأمكنة والوقائع ليست موضوعات مفارقة للذات، إنها هويات ملتصقة بها شكلت وعيها من خلال المسار اللاواعي في التعامل مع عناصر الوجودين المكاني والحدثي.
استمدت الرواية العربية متعة نشاطها من الميادين والأماكن المفتوحة، التي انتشرت فيها «الحَلْقَه» كمسرح للحدث الشعبي الذي يحكي الصراع من أجل انتصار البؤساء.
الإبداع الروائي وتطلعات اللغة:
يشكل البحث عن اللغة هاجس الروائي وأساس الرواية التي تماحك من أجل افتكاك هوية الحكاية الماتعة، الطالعة من نضال الشخوص وتقاطع المصائر، فاللغة في الرواية لا يصنعها المعجم بقدر ما يصنعها ذلك الحراك المشحون بطاقة اكتشاف مسار الناس خلال عبورهم اليومي نحو اكتشاف وجه الحياة المصبوغ بلقمة العيش، وتعب المسار المضني نحو الذات، التي ليست هي «أنا»، إنها اللغة المشتركة بين الذوات في اقتسامها العناوين الحيوية الكبرى في الوجود، الحرية، الكلام، الشمس، الهواء، الفضاء، الأرض والماء.. ومن ثمة فاللغة التي لا تنبثق من جوهر الكلام فهي قاصرة عن تلبس جمال المعنى في تداول الخطاب واستمراره، لأن الكلام هو العلاقة المريرة والصادقة مع تلك العناوين الحيوية الكبرى في الوجود، والعلاقة معها تختلف باختلاف البيئات، وبالتالي فاللغة ذاتها تكون ثمرة التعايش مع الكلام المشحون بأشكال الحرية والتعبير والشمس والحب، الناتجة في مناخ ذا خصوصية، ومن هنا تتعب اللغة وهي تفجر حدث الرواية في بيئة معينة، محاولة تقمص شكل اللغة ذاتها في بيئة أخرى، كما هو الحال بالنسبة للرواية المغاربية والمشرقية، ولعل أهم ما تنبض به اللغة في مشرقيتها هو النفس الشعري الحاصل بالسليقة من طبيعة اللهجة المموسقة والعاجة بمفردات طرية حد الغنج، كما هو الحال بالنسبة للمحكي اللبناني والمصري إلى حد بعيد، والسوري أيضا، فمحكيات اليومي تقدم الطراوة والسهولة في توظيف المعاني، كمفردات الحب والتعبير عنه اتجاه المرأة مثلا، الذي يعاني شيئا من الجفاف في اللهجة المغاربية، وعندما تحاول الرواية المغاربية أن تلتصـــق بهذه الهــــوية في اللغة في كينونتها المشرقية تتخلى عن ميزة جوهرية على مستوى اللهجة المغـــاربية، وهو الوصول الجاهز في وضوحه والصارم في رؤيته للمعنى في المفاهيم المجردة كالموت والحب، وبالتالي لا تكمن الشعرية في طراوة اللغة المنبثقة عن الكلام، ولكن في كيفيات توظيفها، حسب شرطيات العناوين الحيوية الكبرى للوجود في علاقاتها بالبيئة ذات الخصوصية.
يشكل البحث عن اللغة هاجس الروائي وأساس الرواية التي تماحك من أجل افتكاك هوية الحكاية الماتعة، الطالعة من نضال الشخوص وتقاطع المصائر.
في انتظار الرواية:
في انتظار الرواية، ينفتح أفق التلقي على احتمالات الخبرة لدى الروائي، فيزعم المتلقي أنه يعرف سر نفخ الكاتب روح الحركة في شخوصه، عند هذا المنعطف الإبداعي يلتقي القارئ والروائي كلاهما عند مستوى الخيال، بل لعل القارئ يصبح روائيا بزعمه هذا، وقد يكون صادقا في ذلك، لأنه أصبح سدى ضمن نسيج المخيلة الروائية لدى الروائي، فتراه يطرح احتمالات الرؤية الحدثية في سجال أشبه بضرب الودع لدى العرافين، لكن خرق أفق توقع المتلقين يأتي دوما بما لا ينتظره القارئ، وهذه العملية هي التي تلهب إبداعية الروائي، لأنها في الجغرافيات الثقافية والوعي المتثاقف تَحْدُثُ العملية وفق قنوات منتظمة ومعرفية عبر مشهد إعلامي مدروس وموزون، ما يتيح للروائي أن يغذي مخيلته وعالمه الحدثي التكويني بما تفجره إحداثيات واقع الاحتمال التخييلي في أذهان القراء، وبالتالي تحل إشكالية ما يطلبه القراء، كون المنتظم الروائي الذي يشترك فيه المجتمع المعرفي والقارئ والروائي يفك الإشكال، وتسهل بالتالي عملية سبر الآراء فيما يتعلق بالمقروئية وتيسير النشر وفق رغبة شرائح المتلقين.
نقرأ الرواية ثم ننتظر انطباعا حاصلا بالضرورة، ليس هناك من يقترب من السرد ولا يشكل انطباعا أوليا حوله، هذا الانطباع الأول هو ما يسميه النقاد بالقراءة الأولى، أو التذوقية.
الهاجس المركزي:
نقرأ الرواية ثم ننتظر انطباعا حاصلا بالضرورة، ليس هناك من يقترب من السرد ولا يشكل انطباعا أوليا حوله، هذا الانطباع الأول هو ما يسميه النقاد بالقراءة الأولى، أو التذوقية، أي تلك التي تترك أثرا عفويا يشعره القارئ من خلال التفاعل الوجداني مع النص، ثم القراءة الثانية النقدية التي تنبثق فيها المواجهة مع فضاءات السرد وطبقات اللغة، حيث يتم من خلال هذه العملية الانفتاح على خصوصية العمل الروائي عند الكاتب، بل قد يحصل ذلك التقارب بين القارئ والروائي من حيت الوشائج التي تنطلق من النص وتتغلغل في وعي القارئ فتبني في خياله عالما موازيا للعمل الروائي يمثل الصورة السردية لعملية البناء الروائي وخصوصياتها الفنية والإنتاجية للشخوص والأماكن والأزمنة والتفاعل في ما بينها، ولعل الواقع الروائي عند الكثير من الروائيين الذين تركوا بصمة في عالم السرد والحكاية تبرر هذا المنحى التواصلي بين وعي القارئ ووعي النص، أو الحوم حول الهاجس المركزي للروائي، لكن تغلغل القارئ في مخيال العالم الروائي للكاتب قد يعتبره الروائي تصنيفا له، فيقابله بالرفض على أساس أن أعماله لا تدور حول ثيمة واحدة، فنجيب محفوظ هو منتج الشخصية في عفويتها وتمردها على الحارة، لكن من منطلق التحرر غير المبرر بمستوى معرفي معين، كما هو الحال بالنسبة لحميدة في «زقاق المدق»، ويعتبر الصراع من أجل التحرر من طاحونة أطر هيمنة السلطة، وبالتالي اكتشاف أساليبها وآلياتها المنتجة للقهر هو، ديدن بنية العالم الروائي عند عبد الرحمن منيف في «شرق المتوسط»، أما الحفر في مستويات المدينة واستنطاق الشخوص وفق نظام سردي يحرك عفويا العناصر المجتمعية الخالصة في تعالقاتها الوطنية والناهضة لتوها من أجل تحقيق أغراضها، بغض النظر عن حقيقة هذه الأغراض، يمثل الهيكل الوظيفي لرواية الطاهر وطار كما هو الحال بالنسبة لرواية «الزلزال»، ومن هذه العناصر التي تصير متتاليات تنطلق من عقل الكاتب كمنظومة إبداعية لتواجة اختبار الواقع، ثم يستقبلها ثانية وعي الروائي ليطور فيها انطلاقا من اختبار الواقع فتكتسب صفة النموذج أو الهاجس المركزي.
٭ كاتب جزائري