إن عملية الإنصات للنصوص الشعرية الحقيقية، وخاصة لنصوص شعرية على شاكلة نصوص مجموعة «رقصة الطائر البحري»، ليست بالعملية السهلة والبسيطة، فهي عملية لا يخرج منها القارئ المُنصت بمعان دَانية القطوف يطمئن إليها ولها بسهولة، فالقصائد هنا بمثابة أغصان شجرة غزيرة الثمار المعنوية، كلما قُطِفَ معنى إلا وظهر معنى آخر وانبثق. فقصائد «رقصة الطائر البحري» كحَالِ الشعر الجيد تُشير بالإشارة المقتضبَة. ولعل إحدى الخصائص المميزة لتجربة المعتمد هو تأدية المعنى الشاسِع بالكلام القليل، وانفتاح هذا المعنى على أطياف معانٍ أخرى، تصبح هي جزءا من الممكنات التأويلية للنص.
تتجلى وتتحققُ ماهية الذات المتكلمة في الديوان في صورتين/ تجليين اثنين: أولا: السفر بكل ما يعنيه من تحليق وتغيير أمكنة، وثانيا: القولُ الشعري. والتجليان مرتبطان ارتباطا عُضويا سببيا، فالوجودُ في الديوان لا يتحقق إلا بالسفر، والسفر في الديوان ليسَ ترحالا يعودُ منه المسافر خاويَ الجِراب، بل هوَ سِفْرٌ شِعْرِي شَاعِرِي.
السفَر سِفِرٌ:
الخطاب الشعري هو خطاب الذات، لذَا لا غرابة في أن تكون هذه الأخيرةُ بؤرةَ هذا الخطاب ومحورَه ومفجرَته عبر استثمار العَاطفة واللغة والخيال. ولهذا نلفي في تجربة الشاعر المعتمد تذويبا للحدود بين الذات والذوات المخَاطَبَة في النصوص. ومنها الطائر البحري، الذي يتماهى مع الذات الشاعرة من خلال كلمات دالة على التوحد والاشتراك في الذات وفي المعنى. فالطائر البحري هنا، ليس حسب تأويلنَا، للمَقُولِ الشعْرِي، في جُمَاعِه، سوى الذاتِ الشاعرة. وهي ذاتٌ يدعوها الشاعر إلى التحرر، وإلى إطلاق جناح القول الشعري، بمُنطلق العِنَان الفنان الفتان، فالطائر البحري هو الطائر الشعري الذي أطلقه الشاعر من أقفاص النظر الواقعي إلى الوجود وإلى الحياة، واستبدلها بنظرة شعرية عميقة له ترصد حالات الذات الشاعرة في زمن التحولات وتحولات الزمن، يقول الشاعر: (مدينتي/ آه/ مدينتي/ أترك خلفي ظلك/ وأسكن القصيدة).
تمتح مجموعة كبيرة من قصائد الديوان معانيَ تَشَكلها من تجارب سفرٍ وإقامةٍ للشاعر، ومنها سفره وإقامته في الأندلس، حيث إن إقامة الشاعر هناك لم تكن إقامَة في الجغرافيا بقدر ما كانت إقامة في تاريخية المكان؛ إقامة وجدانية لم تبرحها الذات الشاعرة فيزيقيا إلا وهي متأثرة حمالة لقصائدَ/ صورٍ شتى، والديوان متضمن لقصائد كاملة احتفت بهذا المكان بكونه جرحا مفتوحا لا منسيا في مُضمرات اليومي والحياتي، ومن هذه القصائد قصيدة «جرح غرناطة»، التي يقول فيها: (غائر جرح غرناطة/ في دمي/ حين تعوي رياح/ الصبابة/ في طلل الذاكرة/ أحتمي بالكلام/ أطرز زهرة حلمي/ بخيط المجاز/ أرتق خوفي بحرفي/ وأمشي/ وئيدا/ وحيدا/ على جسر جرحي/ إلى عتبات/ القصيدة). وأيضا قصيدة «نزيف غرناطة»، التي نقتطف منها هذا القول الشعري: (عاشقان/ على نهر غرناطة/ رسما/ زهرة العشق/ في دفتر الماء/ مطر الوجد/ في ورق من هباء).
وهكذا تحضر المدينة في قصيدة المعتمد، مثلُه مثل غيره من الشعراء المعاصرين، إذ أن حضور هذه الأخيرة في بواكير الشعراء مسألة ثابتة. ولا غرابة في أن تكون هذه المدينة هي غرناطة، نظرا لما تُشكله عند الشاعر، كما في الضمير الجمعي من اختصار لانهيار وسقوط كبير، فهي عنوان أفولِ حضارة لم يعرفها المجتمع العربي إلى يومه هذا. لذلك لا تجد هذه الذات نفسَها إلَا في السَفر إلى الماضي، تأسيا به ولَوْذا إليه، حتى لو جاء استحضار المكان في سياق الفجيعة والفقدان والأحزان، فمَا تذكر المَفقُود واستحضارُه إلا دليل على مكانته في الذات والوجدان. وما استدعاء غرناطة سوى لأنها الملجأ الوجداني الروحي الذي تحتمي به الذات في صراعها مع اليومي الوجودي، في المدينة هنا والآن، نَقرأ في قصيدة: «مدينتي»: (مدينتي/ يلفها ليل من الصمت/ مدينتي/ حمامة في موكب الموت/ مدينتي/ طير بلا مأوى/ مدينتي عمر بلا جدوى) والقصيدة طويلة تتكرر فيها لفظة المدينة باطراد شديدٍ، مُحَملة معه معانيَ الحزن والكآبة واللاجدوى.
إذن، فالسفر والإقامة في الأرض بالنسبة للمعتمد ليست إقامة أي كان، بل هي إقامة مُقترنة بالتسجيل وبالتأريخ وبترك الأثر، بالوشم وبالرقش، أليس هو القائل في قصيدة: سفر: (أتأبط حرفي/ وأمشي/ دليلي رؤاي/ وخطوي/ توزعه الريح/ في شرفات الكلام. فهو سفرٌ زادُه الشعر، ومبتغاه القصيدةُ أيضا، إذ السفر هنا تسجيل. والمرور بالمكان، هو ترك الأثر، وهو مطاردة للقصيدة، للمعنى، يقول الشاعر: (فأطارد/ في دم محبرتي/ صوتها) وليس الضمير هنا إلا دالا عائدا على القصيدة، وفي هذا ارتباط وثيق بين الذات وهذه الأخيرة باعتبارها صوتَ الشاعر الحاملَ لموقفه من الوجود.
الوجود شِعْرا:
يتماهى الشاعر في ديوانه مع قصيدته، إذ هي صوتُه، وهي كلمته التي يصدح بها عاليا في وجه العالم، فالصوت المنسوبُ إلى ياء الذات المتكلمة يدل على القصيدة؛ على قصيدة مشتهاة: (أبحث/ عن دمي المسافر/ إلى صوتي). وقوله أيضا في قصيدة بعنوان «غيمة الحلم»: (صوتي الماء/ أو قلق فوق غيمة حلم/ تلاشت على ورق/ ينتشي بكلام المجاز). وقوله أيضا في قصيدة أخرى موسومة بـ«غرفة الحلم»: (منزويا في غرفة الحلم/ أقص ورق العزلة/ من أغصان عمري/ أتربص ــ وراء سحب الدخان ــ صوتي ورؤاي). وقوله أيضا في قصيدة أخرى: (تائه / غريب/ أنا/ مسافر إلى صوتي).
إن الذات في الديوان لا تحضر إلا وهي مرتبطة بالقول الشعري أو بما يدل عليه ويشير إليه. تماما كما تحضر مُرتَحِلَة، مُرتبطة بالسفر. كما لا يُذكر السفر إلا بحثا عن القصيدة، وعن الذات كمقابل موضوعي ودلالي لها. هو سفر من أجل الشعر حيثُ تصبح القصيدة سكنا، يقول الشاعر: (مدينتي/ أه / مدينتي /أترك خلفي ظلك/ وأسكن القصيدة). من هنا فلا غرو أن نجد الانشغال الوُجودي للشاعر بالقصيدةِ يأخذ حيزا مهما في تشكيل المتخيل والمعنى الشعري داخل النصوص، تماما كما نجده يدخل في صميم الانشغال الحياتي للشاعر. والعديد من السياقات الشعرية في الديوان دالة على هذا الانشغال، ومن أمثلة ذلك تكرار كلمة: «صوتي» الدال على القصيدة، وتكرار كلمات دالة على معنى الكتابة، منها: (أتأبط حرفي؛ ينتشي بكلام المجاز؛ أقص ورق العزلة؛ تنقش؛ تفتح باب المجاز؛ لن أسميك لكني سأسمي نفسي القصيدة؛ كتاب النار؛ أحتمي بالكلام؛ أطرز زهرة حلمي بخيط المجاز؛ أرتق خوفي بحرفي) وغيرِها كثير من نصوص المجموعة. ولعل هذا واضحٌ وجلي أيضا من خلال تسميات النصوص، حيثُ نجد ضمن عناوين المجموعة ما يلي: (يد الشاعر؛ الشاعر؛ القصيدة؛ أوراق النار؛ كتاب النار).
وقبل اختتام القول المرتبط بالجانب المعنوي في الديوان، لا بد من تسجيل ثلاث ملاحظات عنت لي، أولها حول قصيدة «أغنيات لليل» المهداة إلى امرئ القيس، فالإهداء هنا يحمل بعدا رمزيا، يتماهى مع المُهدَى إليه، ويستحضر عوالمَه الشعرية والحياتية. إذن، فالإهداء ليس بالإهداء المجاني، إنه إحالة على ليل امرئ القيس الذي قال فيه: وليل كموج البحر أرخى سدوله/ عليّ بأنواع الهموم ليبتلي. لذلك لا غرابة أن نجد أن كل نص من النصوص القصيرة المشكلَةِ لهذه القصيدة يَكشِفُ لنَا جانبا من رؤية شمولية لهذا الليل، وعلى هَدْيِ متن النصوص جاءَتِ العناوين، وهي كالتالي: (قطار الليل؛ وردة الليل؛ أقصى الممر؛ عباءة الليل؛ أسرار؛ باب الرؤى)، لتنتهي بقصيدة صُغرى، عنوانُها: «صهيلُ الصبح»، أو دَعُونِي أُسميها باستعارة قول امرئ القيس: «ومَا الصبحُ منكَ بأمثل»، حيث يقول الشاعر في مفتتح هذه القصيدة: أيها الليل:/سواقي كلماتي/تختفي /بين أنين الناي/وصهيل الصبح. كلماتي / سفن يقذفها موج على شاطئ حلم. لكن لا بد من نقطة ضوء في آخر النفق كما يقال، هي النقطة التي تجعلنا نَحْيَا، ولهذا نجدُ الشاعر المعتمد يقول في مختتم هذه القصيدة، بله مختتم الديوان ككل: في تخوم الصمت تنمو/ وردة / تعلن بدءا لغوايات جديدة.
وثاني هذه الملاحظات هي أن هنالك نصوصا في المجموعة تتماهى مع تجربة شعر الهايكو، ليس في تركيبه المعماري، وإنما عبر استلهامها لشِعْريته، وخيرُ تمثيل لهذا، قصيدة «المئذنة» التي جاء فيها: (قمر/ نائم/ فوق مئذنة/ لا تصيح)، وكذا قصيدة «اغتيال»، التي يقول الشاعر فيها: (فجر/ يباغت ليله/ – غدرا- بطعنة ضوء). والقصيدتان معا ترصدان حالات الذوات في تحولات الزمن، وتعمقان الوعي بأثر هذا الأخير على الوجود الإنساني.
أما الملاحظة الثالثة، فهي متعلقة بقصيدة «هذا المهر»، والتي تقول: (لو يسيرُ/ على غير مهلْ/ أو يسيح/ بغير دليل/ لو يقول/ كلام البياضْ/ ويُقيم/ برأس الماء)، فالشاعر المعتمد الخراز على الرغم من تكراره لأداة الشرط «لَوْ» مَرتَين، فإننا لا نعثر على جواب لهذا الشرط، لتنتهي القصيدةُ مفتوحة على كل الاحتمالاتِ التأويلية والدلالية؛ لوْ كان الشاعر المعتمد أخلَص للنحو العربي، ماذا كان يا تُرى سيكون الجواب؟ ولا أظن أن المعتمد بمعرفته الدقيقة وتجربته المتمرسة في اللغة قد غفل عن أن أداة الشرط تحتاج بالضرورة إلى جوابٍ. ولهذا أرى أن المعتمد قد تعمد هذا الحذف في بنية الكلام الشعري، حتى إن لم يُعوضه بنقاط الحذف، كي يفتح مدارك القارئ أمام كل الإمكانات التأويلية.
وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن ما وقفنا عنده من معانٍ هي معانٍ عابرات لكل نصوص المجموعة تقريبا، خاصة في تجلي تلبس الشعر لماهية الوجود، وهذا ما يجعلنا نعبر بيقين أننا، أمام القصيدة الديوان من ناحية الدلالات والمعنى، لا من ناحية المعمار والبناء؛ هي مدونة شعرية واحدة تقول الذات الشاعرة فيها ذاتها وتعبر عنها وتصارحها، تخاطبها حينا وتحاججها حينا، تصور أعطابها حينا وتصور زمنها أحيانا، مترحلة إلى زمن آخر ماضٍ، فالديوان سَفَرُ الذات وسِفْرُهَا، وإقامتها حيثُ يجب أن تكون وتظل.
٭ ناقد من المغرب