بغداد-“القدس العربي”: واجهت الحكومة العراقية مواقف صعبة ومحرجة في القمتين العربية والإسلامية اللتين عقدتا في السعودية الجمعة الماضية، بسبب الهدف المعلن منهما وهو حشد المواقف الدولية ضد اعتداءات وتدخلات إيران في شؤون دول المنطقة، واضطرار الوفد العراقي للدفاع عن حليفته طهران.
وكان الموقف الرسمي العربي تجاه إيران، حاسما عندما شدد البيان الختامي للقمة العربية الطارئة التي استضافتها المملكة العربية السعودية، على إدانة الممارسات الإيرانية وتدخلها في شؤون المنطقة وتأكيد حق السعودية في الدفاع عن أراضيها ضد هجمات الحوثيين، وسط اعتراض العراق على نص البيان الختامي للقمة، حسبما أعلن الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط في بيانه.
وحذر رئيس العراق، برهم صالح، أمام القمة العربية الطارئة في السعودية، من “إن الأزمة الإقليمية والدولية مع إيران تنذر بالتحول إلى حرب شاملة إن لم نحسن إدارتها” معبرا عن أمله في ألا يتعرض أمن إيران إلى الاستهداف. كما اعتبر العراق، ان إيران دولة مسلمة جارة ولا نتمنى ان تتعرض للاستهداف وان أمنها من مصلحة الدول العربية والإسلامية، ما اقتضى قيام إيران والحوثيين، بمدح مواقف الوفد العراقي وإدانة قرارات القمتين.
ولم يكن وضعا مريحا للحكومة العراقية وهي تدافع عن تجاوزات إيران في المنطقة العربية، في مؤتمرين مكرسين لحشد الرأي العام والموقف الرسمي العربي والإسلامي ضد التهديدات والتدخلات الإيرانية في شؤون عدة دول عربية، إضافة إلى بحث تداعيات تصعيد النزاع الأمريكي الإيراني ووصوله إلى حافة المواجهة على المنطقة التي تشكل أهمية بالغة للعالم. وفي الموضوعين تحاول حكومة بغداد ان تعطي الانطباع بانها تقف على الحياد، وهو الموقف المتعارض طبعا مع توجهات وأهداف المؤتمرين المراد منهما حشد دول العالم ضد تجاوزات إيران حليفة حكومة بغداد.
ولم يكن موقف الحكومة العراقية بالاعتراض على بيان القمة العربية في السعودية مفاجئا للمراقبين، حيث سبق ان أعلنت وبوضوح، خلال استقبالها وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف، قبيل مؤتمر مكة “وقوفها مع إيران ضد التهديدات الأمريكية ورفضها استهدافها أو شن الحرب عليها”. وأعلن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في مؤتمره الصحافي الأسبوعي قبل لقاء السعودية، رفضه التصعيد الحالي بين طهران وواشنطن، ممتدحا الموقف الإيراني “وانهم لا يريدون الحرب، ولكن يرفضون أي سياسة لخنق إيران والتضييق عليها” مقرا ان العراق يلعب دورا مهما في هذا المجال” ومنتقدا “وجود أطراف معادية للبلدين تريد الحرب بين واشنطن وطهران، ونحن نسعى لنزع فتيل الأزمة”.
كما أن وزير الخارجية العراقي محمد علي الحكيم جدد خلال مؤتمر صحافي جمعه مع وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف قبل توجهه إلى السعودية رفض العراق للإجراءات الأمريكية تجاه إيران، مشددا على ان بغداد تقف بجانب طهران بكل الأشكال.
وبالتأكيد لا أحد يعتقد ان توقيت زيارة ظريف، إلى العراق قبل أيام من عقد مؤتمري السعودية، لا صلة لها بتنسيق المواقف بين البلدين حول كيفية التحرك في مؤتمر مكة. كما يعتقد الكثير من العراقيين، ان الزيارة السريعة لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي إلى قطر ولقاءات وزير الخارجية محمد الحكيم مع بعض الوفود الصديقة للحكومة العراقية خلال المؤتمر مثل الأردن وتونس لم تكن بعيدة عن هذا الإطار.
وفي محاولة لصرف الانتباه عن مؤتمري قمة السعودية ولدعم مواقف حكومة طهران، صعدت إيران حملتها لإحياء يوم القدس الذي أعلنه خميني عام 1979 إذ دعا المرشد الإيراني علي خامنئي إلى المشاركة الفعالة في فعاليات هذه المناسبة التي تصادف تاريخها مع انعقاد مؤتمري السعودية، والتي استجابت لها بعض الفصائل المسلحة الشيعية العراقية الموالية لإيران عبر تنظيم مسيرات حاشدة بالمناسبة في شوارع بغداد، رفعت خلالها صور الخميني وخامنئي، وهو ما يعزز المخاوف العربية من العلاقة المميزة لبعض القوى العراقية بطهران.
وما أشبه اليوم بالبارحة عندما كانت مؤتمرات القمة العربية في عام 1991غطاء للهجوم على العراق بعد احتلاله الكويت وقبيل غزو قوات التحالف الدولي له عام 2003 فها هي المؤتمرات واللقاءات العربية والإسلامية توجه الإدانات إلى السلوك الإيراني المثير لقلق المنطقة بالتزامن مع دق طبول الحرب الأمريكية ضد طهران التي تصر على مواصلة نهجها العدواني في التدخل في شؤون دول المنطقة.
والمؤكد ان الوفد العراقي كان في غاية الحرج وهو يتحرك وسط أجواء مؤتمري قمة السعودية، وكانت مواقفه متأرجحة بين محاولة اقناع المؤتمرين بعدم تبعية مواقف بغداد لطهران وبين عدم موافقتها على قرارات المؤتمرين وتوصياتهما ضد إيران. وقد نسف موقف العراق تجاه مقررات القمة، كل ادعاءاته بالحياد في النزاع الأمريكي الإيراني الذي صعّدت وتيرته قرارات مؤتمري السعودية، كما سيزيد من عزلة العراق عربيا ويعزز الشكوك العربية تجاه العلاقات المميزة بين بغداد وطهران التي بذلت حكومات ما بعد 2003 جهودا كبيرة لإزالتها.