احلام كرة القدم

حجم الخط
0

أمجد ناصر

اي صبي في العالم لم يحلم ان يصبح لاعب كرة قدم؟

لا يوجد، علي ما اظن، ذلك الصبي الذي لم تراود احلامه تلك الكرة الجلدية الثقيلةوالفانيلة التي تحمل رقم لاعبه المفضل والملعب العشبي المخطط بالابيض والمرمي الخشبي الثابت بشبكته التي تحتضن الكرة المنتصرة، بدلا من (كرة القماش) او البلاستيك والفانيلة الداخيلة البيضاء والفسحات الترابية بين الاحياء المكتظة والحجارة التي تشكل حدودا ومرمي مفترضين.

تتدرب القدم علي كرة من القماش او البلاستيك اولا ثم تحلم بكرة حقيقية.

يلعب الصبي في الحارة ولكنه يحلم بالملعب البلدي او الستاد.

يكون جمهوره اطفالا مثله ثم يصبو للجمهور المهتاج علي المدرجات.

كلنا حلمنا ذلك الحلم في يوم ما ولكن قلة هم الذين حققوه، انه امر يشبه الكتابة التي يمر عليها الجميع في فترة الجيشان العاطفي والرغبة الملحة في التعبير عن الذات ولكن قلة هم الذين يواصلون تلك المتعة المرة.

الفارق بين الحالمين والذين يحققون الحلم ليس الفرصة ولا الحظ: انها الموهبة.

اي واحد يستطيع ان يركل الكرة وان يلهث علي طول الملعب، مثلما يستطيع اي طالب ان يستخدم القلم في كتابة موضوعات انشائية او التعبير عن نفثات صدره، ولكن الذين يصبحون لاعبي كرة قدم محترفين اوكتابا وشعراء متحققين هم الذين تسكنهم جمرة الرقص مع الكرة او الكلمات، ففي الحالتين هناك هاجس داخلي قوي ومراوغة واجتراح طرق واسلوب وشخصية خاصة.

ويخطر لي ان اكثر نشاطين يستحوذان علي اذهان الاطفال والمراهقين هما كرة القدم والكتابة، علي الرغم من تناقض هذين النشاطين تماما، ففيما كرة القدم تجري امام جمهور وتلحظ معني المشاركة والتلقي المباشر واستعراض المهارات التي تلاقي رد فعل فوريا، فإن عملية الكتابة تنطوي علي عزلة وفردية وظلمة، ولكن علي رغم هذا التناقض بين كرة القدم والكتابة فقد تكونان اكثر نشاطين عارضين يسيطران علي حياة الاطفال والمراهقين الي ان يتم عبورهما الي (الاحتراف) او اي شيء آخر.

كنا نلعب في الفسحات الترابية النادرة في حي (جناعة) حيث تتكوم الانفاس والاجساد والنفايات في اضيق حيز مكاني في العالم، فلم تكن المدارس الابتدائية او الاعدادية تتوافر علي ملاعب من اي نوع، بل كانت من الاكتظاظ، خصوصا، بعد النزوح الفلسطيني عام 1967، بحيث استحدثت دوامين واحد صباحي والثاني مسائي.

كان علينا ان ننتظر الانتقال الي المدارس الثانوية كي يكون هناك ملعب لكرة القدم او اليد او السلة، ولكنني ما ان بلغت هذه المرحلة حتي تراجعت احلام كرة القدم لتحل محلها احلام الكتابة.

ولكن قبل ذلك كان هناك حلم اللعب في (الملعب البلدي) الذي يفصل بين حي (جناعة) البائس وحي (المسيحيين) المترف (بمقاييس تلك الايام)، هناك كانت تلتقي الفرق المحلية مع بعضها البعض او مع فرق قادمة من العاصمة، ولا اعرف ان كان ثمة دوري لكرة القدم في الاردن يومذاك، او فرق من الدرجة الاولي والثانية، ما اعرفه، واتذكره الآن، ان اهم فرق في الزرقاء كانت (الجيل) و (القوقازي) و(شباب الزرقاء)، الفريقان الاولان مكونان، اساسا، من الشيشان والشركس الذين استوطنوا الزرقاء في اواخر ايام السلطنة العثمانية واعادوا الحياة اليها بعد انقطاع تاريخي كبير، اما فريق (شباب الزرقاء) فهو تابع لمخيم الفلسطينيين في المدينة.

خرجت من الاردن وقد تحول موقفي من كرة القدم من حلم اللعب بفانيلة محترفة او متعة متابعة رقصة الاجساد مع الكرة، الي عداء مشحون بالايديولوجيا تجاه تلك (الملهاة) التي تلهي (البروليتاريا) عن موعدها العاجل والحاسم مع التاريخ.

صارت كرة القدم وام كلثوم وعبد الحليم حافظ، في فكرنا الثوري، ادوات في يد الرجعية العربية الحاكمة، وكان دليلنا واضحا وضوح الشمس، فالتجمعات والجمهرات الوحيدة التي تسمح بها السلطات العربية هي المتعلقة بمباريات كرة القدم او الحفلات الغنائية. والي حد ما كان هذا التشخيص صحيحيا، فقد امتصت الملاعب والمهرجانات الفنية كل زخم الشباب وقننت من خلالها انحيازاتهم في معظم الدول العربية.

فالرغبة في التجمع والتظاهر والتحزب التي تتملك الشباب عموما جري صبها في الملاعب وفرق كرة القدم وحفلات الغناء واعلامه المشهورين.

ويبدو ان ازدراء كرة القدم واعتبارها معبود (الرعاع) لم يقتصر علي شريحة كبيرة من المثقفين العرب، فإدواردو غوليانو الذي وضع كتابا ممتعا عن كرة القدم بعنوان (كرة القدم في الشمس والضوء، ترجمة صالح علماني) يقول ان بورخيس اختار ان يقدم محاضرة له عن الخلود في بيونيس ايريس في الساعة نفسها التي كان يخوض فيها المنتخب الوطني الارجنتيني اولي مبارياته في مونديال عام 1978! لا يخبرنا غوليانو عن عدد حضور تلك الامسية الاستفزازية لواحد من اعلام الثقافة ليس في الارجنتين وحدها بل في العالم، لكننا لا نحتاج الي الضرب في الرمل لنعرف انهم، علي الاغلب، لم يتجاوزوا اصابع اليدين الاثنتين.

فليس هناك ازدراء للارجنتينيين المولعين بكرة القدم من القاء محاضرة ايا يكن صاحبها او موضوعها في الساعة نفسها التي يلعب فيها منتخبهم الوطني في المونديال.

الامر لبورخيس النخبوي مجرد ازدراء لـ (الرعاع) اما لنا فكان في حرف (الجماهير الكادحة) عن مهامها التاريخية.

المشكلة عنده في (الجمهور) اما عندنا ففي (تسييس) كرة القدم من قبل النظم الحاكمة لإلهاء الجمهور.

المفارقة العجيبة انني لم اشهد ايا من مباريات المونديال، ذلك العرس الكروي الكوني، الا في حصار بيروت عام 1982. والفضل في ذلك يعود، لمزيد من المفارقة، الي حسن عصفور، الكادر البارز في الحزب الشيوعي الفلسطيني يومذاك، (قبل تحولاته السياسية السحرية التي قادته من الشيوعية الي اتفاق اوسلو)، فقد كان حسن عصفور مولعا بكرة القدم الي درجة انه كان مستعدا ان يخاطر بحياته تحت القصف الاسرائيلي السجادي لبيروت الغربية لحضور بعض مباريات المونديال.

ولحسن حظ حسن عصفور، الذي انضم الي الاذاعة الفلسطينية مثل كثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب اثناء الحصار، ان شقة عائلة الشهيد هاني جوهرية التي استخدمناها مقرا للاذاعة بعد قصف مقرها بالقرب من المدينة الرياضية، كان يتوافر علي تلفزيون، ولكن المشكلة لم تكن في وجود جهاز تلفزيون او عدمه بل في الكهرباء التي وضع الاسرائيليون وحلفاؤهم من القوي اللبنانية ايديهم علي مصدرها في بيروت الشرقية وصاروا يستخدمونها كأداة ضغط علي قيادات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.

في وضع كهذا كان حسن عصفور يتابع المباريات التي تهمه علي تلفزيونات عند الذين يملكون مولدات كهربائية خاصة بهم ويعود ويخبرنا بالنتائج.

كانت الكهرباء تعود مع تقدم المفاوضات الدولية مع ياسر عرفات (نجم الحصار بحق) وتنقطع مع تقهقرها.

هكذا قدر لنا مع اواخر ايام الحصار ان نشهد من علي تلفزيون مقر الاذاعة المؤقت المباراة الختامية التي جمعت بين ايطاليا والبرازيل وكان انحياز معظمنا، كما اذكر، لايطاليا بسبب مواقفها السياسية من الحصار الاسرائيلي، الي درجة شاع بيننا ان الفريق الايطالي اهدي كأسه الي المحاصرين في بيروت.

انحسرت الايديولوجيا بعد الخروج من بيروت وعاد بعض الشغف الاول بكرة القدم، ولكن ليس الي فريق بعينه ولا دوري او بطولة قارية، بل فقط الي المونديال الذي لم افوت دورة منه، منذ سطوع نجم ماردونا في مونديال 86 الي يومنا هذا.

افتقد في مونديال هذا العام ابطالي المفضلين الذين اقعدهم الكبر (شيخوخة لاعب كرة القدم تبدأ في عز شبابه) ولم اتعلق بأبطال جدد، ما يزال روبرتو كارلوس وزيدان وفيغو وبيكهام ودل بييرو هم الذين يجذبون انتباهي في زحمة لاعبين جدد لم اكون معهم ذاكرة مشتركة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية