الملحون يمشي علي قدمين
برلين ـ “القدس العربي” ـ من ادريس الجاي: في صبح قائظ، استقللت القطار من مراكش عائدا الي الدار البيضاء. كانت العربات مكتظة بالمنسلخين مثلي عن المدينة الحمراء القاصدين المدن الغربية والشمالية مدفوعين بغايات متعددة. في زحمة مقصورة مكيفة، لا تسنح بادني شك، اننا خلفنا جهنم متأججة خارجها، كان يجلس الي الجهة اليمني مني، المحاذية مباشرة لمدخل المقصورة وديعة قسمات وجهه مثل بشارالخير، (اسم استعارة للفراشة في الدارجة المغربية)، سابح بنظراته في عوالم لا تفضح اثرا واضحا عن مكنوناته، وإنما عن ألغاز عميقة، مستترة في ذاكرة عميقة وغنية. كانت عيونه خلف نظاراتها السميكة غائرة في وهاد الزمن البعيد، مسربلة في لفاف رمزمطلسم اهداها جلال شيخوخة حية ويقظة. فقد زادته البدلة الزرقاء، الغامقة التي ما الفته فيها، تغريبا عمقه جسم مسافربدين اخرالي جانبي، كان حالا بيني وبين الرؤية الواضحة الي ذلك الشيخ المحاط بهالة الصمت. لحظة رن تلفونه المحمول فهتف: نعم يا بني، سأجعلهم ينادون عليك أنشاء الله. إنني الأن في طريقي الي الرباط لإعداد الحلقات الرمضانية. في رعاية الله. لم يدع لي جمال لغته العامية الراقية مجالا للريب، أنني اسافر في معية اهم باحث مغاربي في أدب الملحون (الادب التراثي) الأستاذ احمد سهوم.
احمد سهوم أحيا الملحون ويحيا به، بل لنا الحق ان نقول، انه الملحون يمشي علي قدميه، خزانة متحركة، غنية المعارف متجسمة في هذ الرجل النحيف القصير القامة. شاعر، اديب، باحث ومنشد قصائد هذا النوع من الادب العربي، الذي تعود جذورتكوينه المبكرة الي الفترة الاخيرة من الوجود الاسلامي في الاندلس، قد اثار اهتمام الكثير من الباحثين شرقا وغربا وفوق الكل في شمال افريقيا وبوجه خاص في المغرب، الذين قدموا اعمالا قيمة اغنت الخزانة الادبية العربية بالكثير من الاطلالات الثرة علي عالم التحول في اللغة العربية كالدكتور عباس الجراري، الاستاذ محمد الفاسي، الاستاذ عبد الله شقرون واسماء اخري لا تقل عطاء عنهم. كما خصصت الاذاعة المغربية عدة برامج لهذا الفن استمرت بدءاً من فترة الاستعمار الفرنسي حتي الزمن الحاضر، استهلها سنة 1948 الاستاذ محمد ابا حنيني (وزير مغربي سابق للثقافة) وابتداء من منتصف الخمسينات تسلم أحمد سهوم المنبر، وكان له الفضل الكبير في تعميق المفهوم والبعد الادبي لهذا الفن التراثي الذي يغلب عليه النقل الشفاهي. كما تخللتها مساهمات اخري لعدد من الباحثين امثال الاستاذ عبد الرحمن الملحوني وحتي الوقت الحاضر يواصل الاهتمام بهذا الفن ثلة من الشباب المثقف عبرالكتابة الادبية او البرامج الاذاعية والتلفزيونية كالاستاذ محمد المرزوقي، احمد عيدون، نبيل الجاي، او مساهمات النشر العديدة ومنها مساهمة بيت الشعر، الي جانب إصدارعدد من الاعداد الخاصة لادب الملحون في المجلات الثقافية المغاربية. لكن ما يميزالاستاذ احمد سهوم عن غيره من الباحثين في مجموع شمال افريقيا لا في المغرب وحده، هو انه الوحيد الذي تجتمع فيه صفات الباحث، الشاعر، الحافظ والمنشد لقصائد هذا الفن من الادب العربي الشعبي. لقد امتطي شعراء هذا الفن من الشعر موازين ومقاييس الشعرالعربي الفصيح القديم منه الحر لكن قبل الشعر العربي الحديث بفترة ليست بالقصيرة ونسج كذلك علي منوال المقامات ما يعرف بالحراز والرباعيات. فهو لم يستمد من الشعر العربي الشكل فقط بل تخطاه الي عمق المضامين، التي عرفها، من مدح، هجاء، رثاء، فخر، ثناء وغزل، غير ان سهوم ينكرها علي الادب الملحون وهو يقول: الملحون لا يعرف الغزل. لان الشعر الغزلي هو معادلة موضوعية لكائن متجسد او متخيل كقصائد قيس او جميل. اما الشاعرالملحوني فقصائده اشارات اشواق غير انها لا يمكن ان تخرج الا عبر مسميات لاهي موجودة ولا متخيلة. مع كل العقبات التي عرفها الملحون في الفترة الاخير ولا زال يعرفها حتي اليوم، يتفائل الأستاذ احمد سهوم جدا بمستقبل الملحون المغربي حيث يري: ان حاضر أدب الملحون هو أفضل من أي وقت مضي. فقد قدمت فيه، وهو ما لم يحدث في أي فترة سالفة، 32 اطروحة واكثر من 70 بحث لنيل الإجازة في المغرب وحده وقد تزايد الوعي بهذا الفن لذا الاجيال الصاعدة من حيث امكانياته المتعددة في ما يخص قدرته علي التعبير في اللغة العامية. فتاريخ الملحون عرف مراحل من التطورالجاد ابتداء من القرن 16 علي عهد دولة السعديين… . لكن ما هي الضرورة الادبية والفنية الان لادب الملحون في عصر الالكترون والغزو الاعلامي الفضائي؟ قاطعته بسؤالي. إننا في امس الحاجة الي الرقي بالتذوق الفني، اللغوي والجمالي. فقد علمنا الملحون فن نحت الكلمة، صياغتها كما منحنا امكانية تذوق سحرالتعبير، سلطته وابعاد قوته. فلغة الملحون قوامها لغة عربية عريقة فهي إما ذات طبيعة تعبيرية عربية مغاربية اندلسية او شرقية قديمة، وقد ظلت تحمل جذورسماتها الاولي، التي جاء بها التوسع الاسلامي الي شمال افريقيا. فإذا لم يعد هناك راع ادبي لتذوق، الذي ما فتئ فن الملحون يحرس علي القيام به إبتداء من عصر المنصورالذهبي حيث انتقلت الثقافة الشفاهية من الشمولية الي الخصوصية المغربية والمغاربية، فسيصبح محكوما علي هذا التذوق، بسبب وضع الخطوط الحمر، التي علي الشاعر لها وعدم تجاوزها، وذلك عن طريق إنحشارالفقهاء مثلا في مجالات لزوم ما لايلزم، بمصير الاندحار. فككل الحركات الادبية العربية الاخري، عرف الملحون مراحل التقييد وتحديد المقاييس الفنية، التي تشكل خطرا علي تطوره مثل ما حصل مع الشعر العربي الجاهلي في مرحلة انتقاله الي المجتمع الجديد. فقد كان شعرعنترة مثلا يزخر بالمروءة والذوق الرفيع ككل شعر مرحلته، التي اعتبرها ارقي مرحلة شعرية في التاريخ الادبي العربي، فقد كان هذا الشعرلا يعرف تحديدات اخلاقية او نقدية معينة إلا حين بدأت توضع امامه وذلك تحت اسماء متعددة كالورع، الاخلاق والتدين، خطوطا حمراً ما جعله يتدرج منذ ذاك من مستوي بداهة الخلق الي حالة من الصناعة الشعرية.
لقد حمل احمد سهوم ولا زال يفعل حتي الان، علي عاتقه، مهمة التعريف، الدفاع والإجتهاد لاجل إيصال هذا النوع الادبي الي مسامع العامة والخاصة معتمدا في ذلك علي ارضية شعرية، لغوية عربية وقرآنية بغية المقارنة والشرح بلغة أقل ما يقال عنها لغة التجاوب. إنني اعتبرك رجلا اطال من خلال هذا الاصرار المتواصل في عمر الملحون و… والملحون اطال عمري هو كذلك، قاطع سؤالي، إنني الان ابلغ بضعاً وسبعين سنة من العمرغير أنني لا اجد وقتا للشيخوخة، فللملحون اعيش وبه احيا. حتي وإن كان الملحون قد جرعلي اول حياتي وانا لازلت يافعا اتعلم وامارس صنعة الخرازة في مدينة فاس، بمصاعب جمي، وذلك راجع الي انني لم اتبع قشورالملحون وكما كنت لا زلت شغوفا بطرح الاسئلة عن مضامينه وخلفياته واغراض رموزه التي رافقتني طيلة رحلة حياتي حتي اليوم الحاضر. ففي اغراض الرموز بالقصيدة الملحونية بدأ سهوم كتابة دراسة من اثني عشر جزءا سبعة منها انهاها منذ سنتين وهو الان بصدد العمل علي اتمام الاجزاء المتبقية معتمدا في هذه الدراسة، قصيدة العقيقة للشاعرالجزائري سيدي بوعثمان احد معاصري الشاعر والفقيه المغاربي عبد العزيز المغراوي فالملحون، يقول سهوم هو اكثر من قصيدة مغناة بل هو دلالات لم ُيرد بها الاطراب فقط. فحتي وإن كانت القصائد تتحدث لغة لا تفشي غيراشواق قد تبدو للوهلة الاولي مجرد عبارات عابرة، فهي تجميع واختزال لنظرة الشاعر ولفلسفته في الحياة. بعد ريادة طرب الملحون بقصائده الغنية بالعبارات والمواضيع الشيقة لفترة طويلة في غرب شمال افريقيا يتربع الان فن الراي عرش موسيقي الغرب العربي الا تري أن هذا الفن الموسيقي قد زاحم طرب الملحون الي حد الزج به في الظل حيث حصد تزايد اهتمام الشباب به في الفترة الاخيرة؟ إن معني موسيقي الراي يقول الاستاذ احمد سهوم، في الاصل هو الرأي الحر، لها جذور فنية عميقة في المجتمع الجزائري خاصة في منطقة غرب الجزائر، حيث لعبت في صورتها الاولي التي تعرفت عليها في رحلاتي الي الجزائر في اواخرالاربعينات من القرن الماضي عندما كان المغاربة والجزائريون يتبادلون الزيارات الفنية والتجارية متحدين بذلك الحدود والحواجز الوهمية، التي حاول الاستعمار الفرنسي وضعها بين الشعب الواحد، لعب هذا اللون الفني في مرحلة المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار دورا هاما في تحريك الهمم قصد المناهضة. فاحدي هذه الاغاني تحفز المرأة علي المقاومة: إحرقي الخيمة وحاربي بوتدها. وبعد فترة انتهاء المقاومة لم تعد هناك ضرورة للحرب، فقلبت الاغنية الي: إحرقي الخيمة وكحلي برمادها. فهذا مثال علي التحولات التي لحقت بفن الراي ما جعله في كثير من الحالات لم يعد المعبرعن روح المقاومة التي كان يجسدها. غير أن الملحون عماده هو الكلمة البليغة اما الايقاعات التي ادخلت عليه، إن هي إلا نوع من التطويع قصد التداول. الاستاذ احمد سهوم معروف عنك انك… نعلن للسادة المسافرين المتوجهين الي كل من الرباط، المحمدية، القنيطرة، مكناس، فاس، أن القطار، سيدخل محطة الدارالبيضاء. 2