اختبار السياسة الاقتصادية يحدد كيف سيذكر الأتراك اردوغان سياسيا

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

يبدأ رجب طيب اردوغان فترة رئاسية جديدة يقود فيها تركيا في عصر يغلب عليه تدريجيا تحالف القوى البرية الصاعدة، الصين وروسيا وإيران وتركيا، في مواجهة القوى البحرية والفضائية في الولايات المتحدة وأوروبا. القوى الأخيرة تنتظم في تحالف عسكري كبير وممتد هو حلف شمال الأطلنطي، الذي تكون من القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية باستثناء روسيا. فوز اردوغان جاء مخالفا للتيار الرئيسي للتوقعات الغربية لنتائج الانتخابات الرئاسية، حيث كانت دول حلف الأطلنطي تتوقع، وفي الحقيقة تتمنى، فوز كمال أوغلو كليتشدار بالرئاسة. ومن ثم فقد جاء فوز اردوغان بمثابة صدمة كبرى لهم. لكن واقع الحال الآن يقتضي منهم التعامل مع الوضع الجديد، خصوصا وأن تجربة الانتخابات الأخيرة في تركيا أثبتت أن هذا البلد يعيش حالة ديمقراطية تحظى بثقة المواطنين، كما تجلى ذلك في معدل الإقبال على التصويت.
وهناك اتفاق بين الجميع تقريبا في داخل تركيا وخارجها على أن الاقتصاد هو التحدي الأكبر الذي يواجه حكم اردوغان وهو نفسه يعرف ذلك. لكن النظرة السلبية إلى سياسة اردوغان الاقتصادية التي تنطلق من منصة صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، وتنتشر في التقارير الاقتصادية والإعلامية، من المرجح أن تطارده وحكومته في الأسابيع والأشهر المقبلة على الأقل. ببساطة تسعى الدوائر الأوروبية والأمريكية لإجبار تركيا على دخول مصيدة «صندوق النقد الدولي» وذلك بالتركيز على ضرورة رفع سعر الفائدة على الليرة التركية، وترويج التقارير بشأن انهيار سعر الليرة منذ اليوم التالي لإعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية. ونظرا لأن الأتراك صوتوا في انتخابات الرئاسة والبرلمان على «ورقة الهوية» وليس على ورقة «الأزمة الاقتصادية» فلا شك أن الناخبين كانت لديهم المبررات الكافية لجعل الأزمة الاقتصادية القضية رقم 2 وليس رقم 1 في اختياراتهم التصويتية. ولذلك نجد أن من الضروري فهم مبررات الناخب الرشيد الذي صوت لصالح اردوغان وحزب العدالة والتنمية. ويجب التنبيه هنا إلى أن فهم هذه المبررات لا يحمل في طياته أي إسقاطات ذات طابع أيديولوجي أو عقائدي أو سياسي على أنظمة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، لأن كل شعب من شعوب المنطقة، له اختياراته التي قد تختلف عن الاختيار التركي.
وسوف نناقش هنا باختصار شديد قضايا تستخدم في الهجوم على سياسة اردوغان الاقتصادية والطعن في مصداقيتها، ومصداقيته السياسية، أهمها ارتفاع التضخم، وتدهور الليرة، والفقر، ونزيف احتياطي النقد الأجنبي. وبعد ذلك سأحاول من الناحية النظرية التحليلية أن أضع الفرق بين سياسة اردوغان وبين ما يطالب به صندوق النقد الدولي في سياقه الصحيح.

أولا: ملامح البصمة الاقتصادية التركية

تركيا هي الدولة رقم 19 بين القوى الاقتصادية العالمية، حيث يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من تريليون دولار، ويبلغ متوسط دخل الفرد أكثر من 10 آلاف و660 دولار سنويا، وتتمتع بمعدل اندماج عالمي مرتفع، يعتمد أساسا على قوة صادراتها الصناعية وليس على صادرات الطاقة أو المواد الخام. وهي دولة ينخفض فيها معدل الفقر إلى حوالي 10 في المئة فقط على أساس تقدير خط الفقر القومي بما يعادل 6.85 دولار يوميا، وليس 1.9 دولار كما تقدره دول أخرى نامية.
ومن أهم ملامح البصمة الاقتصادية لتركيا أن العجز المالي يبلغ حوالي 3.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى صحي يعكس قوة الاقتصاد. كما أن الدين الحكومي الداخلي والخارجي هو أيضا في حدود آمنة، لا تبعث على القلق. إذ بلغ بالعملة المحلية والعملات الأجنبية في الربع الأخير من العام الماضي حوالي 459 مليار دولار بما يعادل 31.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منخفضة قياسا للأوضاع الاقتصادية التي تواجهها تركيا والعالم، وقياسا إلى الديون الحكومية للدول النامية أو الصناعية.
وتواجه فترة الرئاسة الجديدة لاردوغان ثلاثة تحديات داخلية رئيسية أهمها الأزمة الاقتصادية، إلى جانب إعمار ما خربته الزلازل التي تعرضت لها مناطق جنوب شرق تركيا أوائل العام الحالي، وإعادة اللاجئين السوريين إلى تركيا منذ بدء الاضطرابات في سوريا عام 2011 أو خلق واقع جديد لاستيعابهم وتوفير فرص عمل ملائمة لاستيعاب قوة العمل التركية، بحيث لا يكون وجود اللاجئين في تركيا عبئا على سوق العمل وتوفير فرص العمل الضرورية للمواطنين الأتراك الباحثين عن العمل. ومع أن نسبة البطالة الرسمية في تركيا تبلغ حاليا 10 في المئة ويمكن أن تصل في أسوأ الأحوال إلى 14 في المئة، فإن برامج الاستثمار وإتاحة فرص عمل منتجة وملائمة تبشر بزيادة كافية في الطلب على تشغيل العاملين في قطاعات الاقتصاد المختلفة.
ومن المتوقع أن يكون برنامج إعمار مناطق زلزال شباط/فبراير الماضي علامة أساسية من علامات خطة التنمية التركية في السنوات الخمس المقبلة. ونظرا لأن الزلزال ضرب مناطق يسكنها أكثر من 16 في المئة من سكان تركيا، وتسبب في خسائر تعادل أكثر من 9 في المئة من الاقتصاد، وأن عمليات إعادة البناء والإعمار يقدر أنها ستتكلف حوالي 70 مليار دولار، فإن تركيا ستشهد نشاطا اقتصاديا مرتفعا خلال السنوات المقبلة، إذا نجح فيه اردوغان، فإن كل تركيا ستذكره عبر التاريخ بهذا النجاح. ومن المعروف أن فترات الإعمار في أعقاب الحروب أو الزلازل والكوارث الطبيعة تتميز بارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي ومعدلات النمو، وتسهم في زيادة طاقات الإنتاج وتوفير فرص استثنائية للاستثمار وتشغيل العمال. ولذلك فإن من المتوقع أن يرتفع معدل النمو الاقتصادي في العام المقبل عما هو عليه في حاليا، ليصل إلى 4.3 في المئة تقريبا، مقابل ما يتراوح بين 2.7 إلى 3.2 في المئة في العام الحالي.

ثانيا: تحديات التضخم والليرة

لكن خطوط البصمة الاقتصادية لتركيا وسياسة اردوغان الاقتصادية، رغم ملامح الصورة الكلية الإيجابية، تتضمن أيضا نقاط ضعف جوهرية، يمكن أن تضعف عوامل القوة، كما يمكن أن تستخدم في إصابة مصداقية السياسة الاقتصادية. أخطر نقاط الضعف الجوهرية هي التضخم المتسارع، وضعف الليرة التركية، ونزيف احتياطي العملات الأجنبية. خطورة نقاط الضعف هذه تؤثر بشدة على الأداء الاقتصادي في الأجل القصير، وعلى التصنيف الائتماني لتركيا، وهو ما يعني أن اردوغان يمكن أن يواجه صعوبات شديدة في الأشهر المقبلة، وهو ما يعد اختبارا مباشرا لسلطته أو شعبيته غداة نجاحه في الانتخابات العامة.
ومن الملاحظ أن حدة تسارع معدل التضخم، الذي يمثل الهم اليومي للأتراك قد تراجعت كثيرا خلال الأشهر الأخيرة. وقد انخفض معدل التضخم حاليا إلى 40 في المئة، وهو ما يزال مرتفعا بكل المقاييس، لكنه أقل من نصف ما كان عليه في تشرين الأول/أكتوبر الماضي عندما سجل 85.5 في المئة. وتقدر مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني أن متوسط التضخم للعام الحالي ككل سيكون في حدود 56.5 في المئة. هذا يؤكد اتجاه حريق التضخم للانحسار، بدون اللجوء إلى وصفة صندوق النقد الدولي التقليدية برفع سعر الفائدة، الذي يبلغ الآن 8.5 في المئة. ويتعرض اردوغان لضغوط قوية من كل من صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي لرفع سعر الفائدة، لكنه يرفض ذلك حتى الآن. وربما يلجأ إلى زيادته زيادة طفيفة، في محاولة لتحقيق توازن نقدي أكبر، مع تجنب إصابة المستثمرين الصناعيين ورجال الأعمال الحقيقيين بالضرر.
نقطة الضعف الثانية هي نزيف احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، إذ تشير بيانات نهاية الربع الأول من العام الحالي أن قيمة الاحتياطي بلغت 120 مليار دولار نهاية اذار/مارس، مقابل 129 مليار دولار في نهاية العام الماضي 2022. ومن المتوقع أن يستمر الاحتياطي في الانخفاض ليصل إلى 105 مليارات دولار فقط في نهاية العام الحالي. خطورة نقص الاحتياطي تعود إلى إسعاف قدرة تركيا على تمويل احتياجاتها من الخارج (الاستيراد) حيث يغطي الاحتياطي الحالي تمويل ثلاثة أشهر فقط من الواردات. كما أن نقص الاحتياطي إلى هذا المستوى يضعف درجة التصنيف الائتماني لها ويضعها عن حافة التصنيف «B» مع نظرة مستقبلية سلبية. ومع ذلك فإننا نلاحظ أن هذا التصنيف لم يضعف قدرة تركيا على الاقتراض، ولم يقلل إقبال البنوك على شراء السندات السيادية التركية. وقد أصدرت تركيا سندات سيادية بقيمة 11 مليار دولار منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ومن المتوقع أن تستمر في الاقتراض من الخارج، لتمويل احتياجات إعمار مناطق الزلازل، والاستمرار في مشروعات التنمية الصناعية.
ومن الطبيعي أن يترك التضخم المرتفع، ونزيف احتياطي النقد الأجنبي تأثيرهما على سعر الليرة التركية. وقد ظهر ذلك بوضوح في الأيام الأخيرة، حيث هبطت قيمتها لمستوى قياسي جديد عند 22.9 مقابل الدولار مساء الأربعاء الماضي، قبل أن تنحسر الخسائر صباح الخميس. وخسرت الليرة حوالي 18 في المئة من قيمتها منذ بداية العام، وفقدت أكثر من 90 في المئة من قيمتها على مدار العقد الماضي معظمها في العامين الأخيرين، إثر مرور الاقتصاد بدورات من الازدهار والكساد ونوبات من التضخم المستفحل. وسوف يؤدي استمرار تدهور الليرة إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، وهو ما يصب المزيد من الوقود على حريق التضخم.
ويبدو أن سياسة اردوغان الاقتصادية لا تعطي اهتماما كبيرا لمحاربة التضخم عن طريق السياسة النقدية المتشددة، برفع أسعار الفائدة وتخفيض مستويات السيولة المتاحة في السوق عن طريق سياسة التشدد الكمي. وهذه هي نقطة الخلاف الرئيسية بين اردوغان وصندوق النقد الدولي. ويتبنى اردوغان على العكس من ذلك سياسة غير تقليدية لامتصاص تداعيات التضخم بطريقتين، كل منهما تكمل الأخرى: الأولى هي تعويض المستهلكين عن انخفاض القوة الشرائية لليرة بزيادة الأجور والمرتبات. وفي هذا السياق فقد تم تعديل خط الفقر في تركيا عام 2023 إلى 33 ألف ليرة تقريبا للفرد، وهو ما يعادل أربعة أمثال الحد الأدنى للأجور الذي يبلغ 8506 ليرات للفرد المشتغل، حسب تقرير صادر عن اتحاد النقابات في تركيا في نهاية نيسان/أبريل الماضي. كما تم تعديل الحد الأدنى ومتوسط الأجور بشكل عام بنسبة تفوق التدهور في القيمة الشرائية لليرة. ويتم تمويل الزيادات في الأجور من زيادة حصيلة الإيرادات العامة للدولة المتولدة من زيادة النشاط الاقتصادي. ويحقق الاقتصاد التركي نموا حقيقيا بمعدلات معتدلة رغم الظروف العالمية والمالية السيئة. وتتراوح تقديرات النمو المتوقع في العام الحالي بين 2.5 في المئة طبقا لمؤسسة فيتش، و2.7 في المئة طبقا لصندوق النقد الدولي و3.2 في المئة طبقا للحكومة التركية، مع نظرة إيجابية أفضل وتوقعات نمو أكبر للنمو المتوقع في العام المقبل. وفي ظل السياسة الحالية، فإنه من المتوقع أن يستمر التضخم في الانحسار، وأن تقل الضغوط على الليرة في النصف الثاني من العام الحالي. هذا من شأنه أن يساعد على خلق مناخ إيجابي أو ما يطلق عليه الاقتصاديون feel better factor يعزز مصداقية السياسة الاقتصادية، ويزيد ثقة المواطنين في قدرة اردوغان على مواصلة مسيرة ناجحة في إدارة الاقتصاد.

ثالثا: الوفورات الجيواقتصادية

قلنا إن برنامج إعمار ما دمره زلزال شباط/فبراير الماضي سيكون رافعة رئيسية من روافع النمو أو التنمية في تركيا خلال الفترة الرئاسية الجديدة لاردوغان. ومن الثابت تاريخيا أن فترات الاعمار تتميز بمعدلات نمو سريعة. وفي حالة تركيا التي تعتمد على قطاعات إنتاجية قوية ومترابطة إلى حد كبير، فإن ضغوط تمويل احتياجات الاعمار خارجيا ستكون أقل، وأن فرص توسيع طاقات الإنتاج المحلي ستكون أكبر، وهو ما سينتج آثارا إنمائية قوية. وسوف يستفيد الاقتصاد التركي من سياسات التوسع والتيسير النقدي أكثر مما يستفيد من سياسة التشدد، وهو ما يعزز احتمالات استمرار سياسة اردوغان الاقتصادية غير التقليدية. ومع ذلك فإننا لا نستبعد أن يلجأ اردوغان في الوقت نفسه إلى اتباع سياسة أكثر توازنا في إدارة الطلب المحلي، في مقابل سياسته الجريئة في إدارة جانب العرض وتعزيز فرص الإنتاج.
كذلك يبدو أن رجب طيب اردوغان يتجه في فترته الرئاسية الجديدة إلى إقامة علاقات متوازنة بين تركيا وجيرانها في المنطقة، وهو ما سيفتح أبوابا كثيرة لتوسيع أسواق المنطقة أمام السلع والخدمات التركية. ففي أسواق السلع ستتوفر للصناعات التركية فرصا أكبر في أسواق دول الخليج، ومصر. وفي أسواق الخدمات يمكن أن تستقبل تركيا المزيد من السياح العرب، والكثير من صفقات شراء المساكن بواسطة مواطنين خليجيين على وجه الخصوص. ومن ثم فإن تحسن العلاقات الإقليمية سوف يحقق وفورات أكبر للاقتصاد التركي، مع استمرار سياسة الانفتاح وتنشيط المبادلات الإقليمية في الاتجاهين، بما في ذلك ضمان حصول تركيا على احتياجاتها من الطاقة من مصادر اقليمية قريبة مثل الغاز من مصر وإيران، والبترول من إيران والعراق.
وعلى ذلك فإن الفترة الرئاسية الجديدة للرئيس رجب طيب اردوغان ربما تحمل من الفرص أكبر مما تحمل من المخاطر والصعوبات، قياسا بالفترة الرئاسية السابقة، التي تميزت بتحديات جائحة كورونا، والحرب في البحر الأسود، وتقلبات أسواق العملات الأجنبية، وتوتر العلاقات الإقليمية. ومع أن كثيرين يراهنون على حدوث انقلاب في سياسة اردوغان الاقتصادية، فإن الفترة الرئاسية الجديدة قد تصيب هؤلاء بخيبة أمل ثقيلة، لأن الرئيس التركي سيظل يراهن على نجاح سياسته مع بعض التعديلات الضرورية فيما يتعلق بإدارة الطلب المحلي. وستكون برنامج إعمار مناطق الزلازل، والتنمية الصناعية، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على واردات الوقود التقليدي، علامات بارزة في سياسة اردوغان الاقتصادية خلال فترة الرئاسة الجديدة والأخيرة على الأرجح. رجب طيب اردوغان يريد بكل تأكيد أن يكون ختام حكمه لتركيا على طريقة «ختامها مِسْك».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية