شيئاً فشيئاً بدأنا نعتاد على صحبة الموت حتى في غرف نومنا وأسرتنا وصار ممكناً أن نضحك للنكتة بدلاً من أن نتجهم ونشرد عنها، وصار في الامكان أن نمضي إلى المقهى بدلاً من أن نلازم بيوتنا حذراً من التفجيرات الطائشة التي تكاثرت حتى غدت أشبه بالصراخ في مسرحية مملة.
حتى لقد غدت عادة الخروج إلى بساتين الغوطة في أيام الجمعة ممكنةً إذ صارت العائلات الدمشقية تحتال على حرمانها من الغوطة الشرقية المعرضة للقصف ليل نهار بالذهاب إلى الحدائق العامة الناجية، حتى الان من الدمار في بعض أحياء دمشق واختلاس الفرح هناك في غياب الوحش الجائع والمتعطش للحم والدم ولو على الأرصفة المجاورة لهذه الحدائق .
ما أصعب الحياة وما أبهجها في هذه الأيام على أهل الشام كما تسمى دمشق في الأحاديث الجارية اليومية، إذ كيف يتجاور الفرح والموت في سياق واحد وكيف للمجروح أن يغفل عن نزيفه الدائب كي يشارك في رقصةً ما؟!
كل ثورة كما يبدو معرضة إذا ما طال أمدها إلى أن تخسر بعضاً من طهارتها وبالتالي إلى أن تتناقص عظمتها في ظل الخلافات والتشرذمات التي تطرأ عليها كي تغدو أشبه بنشرة اخبار متكررة حتى الإملال.
حتى الحب كما يروي لي بعض الشبان صار مناسبة مهددةً مخيفةً وحين يحتال عليها العشاق يسيطر على حواراتهم ونجاواهم حديث الموت الذي يقصف أعمار الأطفال أو يطردهم من بيوتهم، فكيف للعشاق أن يجدوا المتعة التي كانوا يجدونها من قبل في لقاء الحبيب ولا نجوى بينهم سوى فظائع الموت والتشرد؟!
هل من نسمة أمل أن تمر على هذا الجحيم فتطفئ جذوةً من نيرانه أم هي حرب المائة عام تتكرر في سوريا بالذات، بلد الوئام والسلام والتقى والورع بلد الياسمين وورد الشام، دمشق الخضراء المبهجة التي تلج حتى إلى داخل البيوت الشامية في ما يشبه البساتين الصغيرة التي تصاحب سكان هذه البيوت حتى في فصل الشتاء. هل من أمل في أن تعود لبلدي قسمات وجهه المشرق بالصباحةِ والحب؟
يدفعني كل هذا إلى تذكر ديواني الأخير الذي سميته ‘ديوان الفرح’ وكتبت له مقدمةً طويلة دفاعاً عن هذه التسمية، أعود اليوم إلى هذه الأفكار وقد بدأ الشك يراودني في صحة ما كتبته. هل الفرح موجود حقاً أم أن الألم هو الحاضر الذي يستأثر بوجودنا كله؟
يا له من سؤال عريق طالما شغل بال الفلاسفة والأنبياء، أيهما الأصل في الوجود البشري اللم أم الفرح؟
لعل الأمير الهندي ‘سيد هاتا غوتاما’ الذي لقُب ببوذا فيما بعد حين رفض حياة الترف في القصور التي كان يعيش فيها فهجرها وذهب إلى الناس مباشرة يتقصى آلامهم والطرائق المعينة على تجاوزها وإبعادها من دون الضياع فكرياً في البحث عن جذور وأسباب الألم، فالألم كما يقول ‘بوذا’ موجود دوماً أمامنا ولا نعرف لماذا وكيف.
من هذا الموقف الفكري تنطلق البوذية في الاقتراب من فكرة الفرح على أن الفرح ظاهرة غير مستحيلة ذلك لأن البشر في امكانهم التخفيف من الألم أو إلغاؤه تماماً من خلال تدريبات محددة، وبهذا المعنى تكتفي البوذية كعقيدة فلسفية دينية باعتبار أن الألم هو نتيجة لجهل البشر قدراتهم على التحرر من سطوة الألم عبر قدراتنا الحيوية وصولاً إلى حالة من اليقظة خارج الحلم الذي نعيش فيه يسمونها ‘النيرفانا’ وهي حالة من الإشراق يكف صاحبها عن الاكتفاء بوجوده في إطار العالم الخارجي كما يغدو في صميم مضمونه.
هل أنا بحاجة حقاً إلى البوذية كي أتحرر من حالة الحزن والرعب التي أعيشها في هذه الأيام ؟ وهل النيرفانا التي يتحدثون عنها ممكنة في سوريا اليوم؟ ولماذا لا نمضي أبعد من سوريا إلى كوريا الشمالية وأفغانستان والصومال والدول الأخرى التي لا تعرف معنى للفرح إلا في مظاهره المفتعلة التي تطبل لها الأنظمة المستبدة الحاكمة وكأن لا وجود للفرح إلا في التطبيل والتزمير والإذعان المطلق للأخ الأكبر زعيم البلاد!
ها أنذا أتفلسف وأتسلى بأفكار الآخرين كي أروح عن نفسي في بلد لا يستحق هذا المصير ذلك لأنه كان دوماً كما يقول التاريخ الواحة التي يستريح فيها المسافرون عبر الصحارى المحيطة بالبلاد ويتذوقون طعم الفرح الحقيقي وسط حفيف أشجار الغوطة وخرير مياه الفروع السبعة لنهر بردى الذي جف أخيراً …..
بلى فرحي موجود بالتأكيد وهو من صنعي أكثر مما هو صنع الآخرين وعبر ايماني بالإنسان نفسه أنه قادر على من أعماق وحول ومستنقعات العالم …………
*كاتب سوري