لندن ـ «القدس العربي»: نجح علماء في زراعة كلى بشرية داخل خنازير لمدة 28 يوما، في إنجاز قد يحدث ثورة في مجال زراعة الأعضاء، كما أنه يعطي الأمل بالنسبة لملايين المرضى حول العالم الذين يأملون بزراعة أعضاء لهم وينتظرون متبرعين عاديين من البشر.
وهذه هي المرة الأولى في تاريخ العلم والطب الحديث الذي ينجح فيه الباحثون في زراعة وتنمية كلى شبه بشرية داخل خنزير، بما يمكن أن يؤدي لاحقاً إلى استخدام هذه الطريقة في علاج مرضى الفشل الكلوي دون الاضطرار للحصول على متبرع من الأشخاص.
وحسب تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي» فإن هذا التطور الكبير قد يؤدي إلى تجنيب آلاف الأشخاص الموت أثناء انتظار عملية زرع الأعضاء، حيث أن زراعة الأعضاء البشرية في الحيوانات قد تكون بديلاً مناسباً، ما يخلق إمدادات غير محدودة دون الحاجة إلى انتظار المتبرعين بالأعضاء البشرية.
ولا يمكن للعلماء ببساطة زرع كلية بشرية في خنزير، لأن الجهاز المناعي للحيوان سيرفضها. ولكن الباحثين تمكنوا الآن من الحصول على أنثى خنزير حامل لتنمو جنيناً -خنزير صغير في المراحل الأولى من التطور- بكلية بشرية تقريباً.
وكما هو الحال في التلقيح الصناعي، يتم إنشاء جنين الخنزير الصغير في المختبر عن طريق تخصيب البويضة بالحيوانات المنوية، ولكن يتم هندسته وراثيا لجعله أكثر تقبلا للخلايا البشرية.
وأضاف العلماء الخلايا الجذعية البشرية «متعددة القدرات» والتي يمكن أن تصبح أي نوع من الخلايا الجذعية في الجسم، وقاموا بزراعة هذه الخلايا في مرق كيميائي خاص حتى تتطور إلى كلى مصغرة. وتم وضع أجنة الخنازير داخل إناث الخنازير البديلة، كما هو الحال في التلقيح الاصطناعي، لإحداث الحمل.
ومن المثير أنه بعد مرور شهر تقريباً في الرحم، أصبحت الكلى داخل أجنة الخنازير ذات بنية طبيعية. كما قاموا بتطوير حزم الخلايا التي تربط فيما بعد الكلى بالمثانة لطرد فضلات الجسم.
والأهم من ذلك، أنه على الرغم من نموها داخل جنين خنزير، إلا أن الكلى كانت نصفها بشرية على الأقل، وتحتوي على ما يصل إلى 60 في المئة من الخلايا البشرية و40 في المئة من خلايا الخنازير. ويشير ذلك إلى أنه إذا سمح لها بالتطور بشكل أكبر، فإنها يمكن أن تصبح كلى عاملة مفيدة لعمليات زرع الأعضاء البشرية.
ومع ذلك، فإن زراعة الأعضاء لدى البشر داخل الخنازير لا يزال أمراً بعيد المنال لسنوات، وفقاً للخبراء.
وعلى سبيل المثال، لا تزال الكلى في الدراسة الحالية تحتوي على أوعية دموية للخنازير، حيث سيتم رفض الأوعية الدموية البشرية من قبل الجهاز المناعي لأنثى الخنزير الحامل. وسيتطلب الأمر هندسة وراثية أكثر تعقيداً للتغلب على هذه المشكلة، لذلك كانت الكلى مناسبة للزراعة في البشر.
ووجدت الدراسة الحالية أيضاً أن عدداً صغيراً من الخلايا البشرية قد دخل إلى دماغ جنين الخنزير والحبل الشوكي. وهذا يثير مخاوف أخلاقية، إذا ذهبت التجارب إلى أبعد من ذلك وأصبحت أجنة مثل هذه في الواقع خنازير حية ذات أدمغة نصف بشرية بشكل أساسي.
وقال كبير مؤلفي الدراسة، الدكتور لاي ليانجكسو، من معاهد قوانغتشو للطب الحيوي والصحة: «تم إنتاج أعضاء الفئران في الفئران، وتم إنتاج أعضاء الخنازير في الخنازير، ولكن المحاولات السابقة لتنمية الأعضاء البشرية في الفئران أو الخنازير لم تنجح».
وأضاف: «يعمل نهجنا على تحسين دمج الخلايا البشرية في الأنسجة المتلقية ويسمح لنا بتنمية الأعضاء البشرية في الخنازير».
وقام الباحثون بزراعة أجنة الخنازير في مواد كيميائية ساعدت في تغذية الخلايا البشرية والخنازير. كما قاموا بهندسة الخلايا الجذعية البشرية وراثيا لجعلها تتكامل بشكل أفضل مع خلايا الخنازير، دون تدمير نفسها.
وفي الوقت نفسه، قاموا بإزالة جينتين مهمتين لنمو الكلى من جنين الخنزير الصغير، بحيث يتم سحب الخلايا البشرية لتنمية الكلى بدلاً من ذلك.
وإجمالاً، نقل الباحثون 1820 جنيناً إلى 13 أنثى خنزير. وقاموا بتحليل خمسة أجنة بعد فترة تصل إلى 28 يوماً، ليجدوا أن كليتيهم قد دخلت المرحلة الثانية من التطور بشكل طبيعي. وانتهى الأمر بالخلايا البشرية في الغالب في الكليتين، كما كان مأمولاً، وليس في أجزاء أخرى من الجنين.
ويريد الباحثون بعد ذلك السماح للكلى بالتطور في جنين الخنزير لفترة أطول، ما يساعد على فهم التطور المبكر لهذه الأعضاء وكيفية ظهور الأمراض. ويهدفون أيضاً إلى محاولة إنتاج أعضاء بشرية أخرى مثل القلب والبنكرياس.
وتعليقا على البحث، قال دوسكو إيليتش، أستاذ علوم الخلايا الجذعية في كينغز كوليدج لندن: «هذه خطوة رائدة في استخدام الخنازير، القريبة منا بيولوجيا، كحاضنات لنمو الأعضاء البشرية».
وأضاف: «بما أن المحاولات السابقة لإنشاء أعضاء صناعية في المختبر لم تسر بشكل جيد، فإن استخدام الحيوانات أصبح الآن محور البحث».
وأكد أن «التقدم في الهندسة الوراثية يسمح لنا بتخليق كلى نصف بشرية وجزء خنزير، ولكن هذه الاستراتيجية الجذابة لا تزال تواجه العديد من التحديات – ليس أقلها الحاجة الملحة لمنع الخلايا البشرية من دخول دماغ الخنزير».