اختراق كبير أمام تحدي التنفيذ: الاتفاق على خريطة طريق لـ”عهد جديد” من العلاقات التركية الأوروبية

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

تهدف المحادثات الاستكشافية بين تركيا واليونان إلى إرساء الأسس لحل في بحر إيجة وشرقي المتوسط، والمياه الإقليمية ونزع سلاح الجزر اليونانية في هذا البحر، ومناطق عمليات البحث والإنقاذ والتنقيب.

إسطنبول-“القدس العربي”:بعدما وعد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ببدء “عهد جديد” من العلاقات التركية الأوروبية في إطار خطة إصلاحية جديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، أعلنت أنقرة وبروكسل التوصل إلى اتفاق لرسم “خريطة طريق” من أجل تحسين وتطوير العلاقات وذلك في ظل جهود للمصالحة مع فرنسا ومباحثات عسكرية وسياسية مع اليونان وجهود لبدء مباحثات حول قبرص، إلا أن التحدي الأكبر يبقى حول مدى قدرة الجانبين على تنفيذ هذه الوعود على الأرض بدون الوقوع في أزمات جديدة.

وعلى مدى يومين، زار وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو بروكسل، والتقى كبار قادة الاتحاد الأوروبي وسط أجواء إيجابية مختلفة تماماً عن أجواء التهديدات والعقوبات التي سيطرت على أجواء العلاقة بين الجانبين خلال العام الماضي والتي وصلت إلى أسوأ مستوياتها مع تصاعد أزمة شرق المتوسط والاحتكاكات العسكرية هناك والأزمة المتشعبة مع فرنسا، وغيرها من الأزمات.

ورغم هذه التوترات التي انتهت بفرض عقوبات أوروبية “محدودة” على تركيا، اعتبرت أنقرة ذلك انتصاراً للدول “العقلانية” داخل الاتحاد التي رفضت فرض عقوبات كبيرة عليها، أعلن اردوغان أن بلاده منفتحة على بدء صفحة جديدة في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وذلك في إطار حملة إصلاحات واسعة أطلقها تهدف بالردحة الأولى إلى تجاوز الخلافات مع الكثير من الدول والأطراف الدولية لتحقيق الاستقرار السياسي والعسكري في المنطقة وصولاً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي عقب تضرر اقتصاد البلاد في السنوات الأخيرة من سلسلة طويلة من الأزمات إلى جانب الآثار الاقتصادية الصعبة لانتشار فيروس كورونا.

مباحثات مع اليونان

بما أن الأزمة مع اليونان كانت أبرز مسبب لتوتر العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، فإن أي تقارب وتجاوز للخلافات التركية الأوروبية يبدأ من احتواء الخلافات مع أثينا، وهو ما تمثل بالفعل في العودة إلى اجتماعات “فض الاشتباك” في إطار الناتو، والعودة إلى المباحثات الاستكشافية لأول مرة منذ نحو 5 سنوات.

وزارة الدفاع التركية أعلنت، الاثنين الماضي، انعقاد الاجتماع الفني بين الوفدين العسكريين التركي واليوناني لبحث “أساليب فض النزاع” في مقر حلف شمال الأطلسي “الناتو” وذلك لضمان التنسيق العسكري، ومنع حصول أي صدام بين قوات البلدين، حيث توقفت هذه اللقاءات مع تصاعد الخلافات والتهديدات في الأسابيع الماضية.

من جهتها، أعلنت الخارجية التركية أن مدينة إسطنبول سوف تستضيف في الخامس والعشرين من الشهر الجاري جولة من المحادثات الاستكشافية مع اليونان، وذلك في ظل تراجع أجواء التوتر من شرق المتوسط وتراجع عمليات التنقيب الخلافية وتوقف المناورات العسكرية من الجانبين والتي أشعلت التوتر هناك طوال الأشهر الماضية.

وتهدف المحادثات الاستكشافية بين تركيا واليونان إلى إرساء الأسس لحل عادل وشامل يكون مقبولا من طرفي المشكلة في بحر إيجة وشرقي المتوسط، لا سيما فيما يتعلق بملفات المياه الإقليمية في الجرف القاري لبحر إيجة، ونزع سلاح الجزر اليونانية في هذا البحر، والمجال الجوي، ومناطق عمليات البحث والإنقاذ والتنقيب لكلا الجانبين.

ورغم أهمية استئناف المباحثات الاستكشافية بضغط من ألمانيا على الجانبين، إلا أن الأهم هو مدى التقدم الذي يمكن أن يحرزه الجانبان في الملفات المعقدة والصعبة العالقة بينهما، حيث ما زال الجانبان يختلفان حول أجندة الاجتماعات وما يمكن مناقشته فيها قبيل الانتقال للحديث حول مدى الاختراق التي يمكن أن تحققه في الوصول إلى حلول نهائية للأزمة. لكن وفي كل الأحوال فإن مجرد الحوار حتى ما دون حدوث اختراق كبير يساعد في الحفاظ على علاقات تركية أوروبية أفضل ويضع حدا للتوترات العسكرية والتهديدات المتبادلة وهو ما يدعم جهود تحسين العلاقات التركية الأوروبية.

مباحثا حول قبرص

كشف وزير الخارجية التركي عقب مباحثاته في بروكسل الجمعة عن أن المحادثات حول جزيرة قبرص المقسمة ستجرى في مدينة نيويورك خلال الشهرين المقبلين بمشاركة الأمم المتحدة التي تسعى منذ عقود لإعادة توحيد قبرص المقسمة بين جنوبية يونانية، وشمالية تركية، وهي القضية التي تعتبر جوهر الخلاف التركي اليوناني وبالتالي التركي الأوروبي.

وقال جاوش أوغلو إن تركيا واليونان وبريطانيا، وهي الدول الضامنة للجزيرة، والأمم المتحدة سيجتمعون في محادثات مع طرفي النزاع القبرصيين في أواخر شباط/فبراير أو أوائل آذار/مارس، مع حضور الاتحاد الأوروبي كمراقب، لكنه اتهم الاتحاد الأوروبي مجدداً بتجاهل حقوق الجانب التركي في قبرص.

وعقب فوز أرسين تتار المقرب من أنقرة برئاسة قبرص التركية أطلق إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان دعوات صريحة لأول مرة بضرورة حل القضية القبرصية على أساس حل الدولتين والتقاسم الكامل في كل شيء، معتبرين أن حل الدولة الواحدة لم يعد قائماً في تحول جوهري بطبيعة الصراع، وهو ما قد يجعل من إمكانية التوصل إلى اختراق حقيقي في المباحثات المقبلة أمراً ليس سهلاً لكنه سيساهم في العودة لأجواء الحوار بدل التهديد والنزاع.

مصالحة مع فرنسا

وفي خطوة أخرى لا تقل أهمية، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، الخميس، أنه اتفق مع نظيره الفرنسي جان إيف لودريان على “خريطة طريق لتطبيع العلاقات بين البلدين” وذلك خلال زيارته إلى البرتغال التي هدفت أيضاً إلى دفع جهود تطوير العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

ولفت الوزير التركي إلى أن الاتصال مع نظيره الفرنسي “كان مثمراً للغاية” وأنهما اتفقا على خريطة طريق لإعادة تطبيع العلاقات وأن “الجهود المشتركة في هذا الصدد أحرزت تقدماً جيداً حتى الآن” مشيراً إلى أن تركيا وفرنسا لا تعارضان بعضهما بشكل قاطع.

وقبل أيام، كشفت مصادر فرنسية عن أن ماكرون وجه “رسالة ودية” إلى اردوغان في 10 كانون الثاني/يناير الجاري ردا على رسالة للأخير وجهها في 19 كانون الأول/ديسمبر الماضي إثر إصابة ماكرون بفيروس كورونا متمنيا له الشفاء، وعبر ماكرون في الرسالة عن آماله بعودة الاستقرار في القارة الأوروبية بمساهمة تركية في 2021.

ونقل الرئيس الفرنسي، أطيب تمنياته للشعب التركي وللرئيس اردوغان، مستهلا رسالته بعبارة “عزيزي طيب” باللغة التركية، وأعرب عن سروره لمناقشة مستقبل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا وبدء تحسن العلاقات التركية الفرنسية، كما توقعت المصادر عقد لقاء بين الزعيمين قريباً.

عضوية الاتحاد الأوروبي

والجمعة، أعلن وزير الخارجية التركي توافق أنقرة والاتحاد الأوروبي بخصوص العمل على “خريطة طريق” من أجل تحديد خطوات ملموسة يمكن اتخاذها بشأن العلاقات بين الجانبين، لافتاً إلى أن المسؤولين الأتراك لمسوا الجدية ذاتها لدى نظرائهم الأوروبيين نحو تحسين العلاقات، مؤكدًا رغبة أنقرة بترجمة ذلك عملياً.

واعتبر أن الاتحاد الأوروبي يدرك أهمية العلاقات مع تركيا، قائلا: “الجميع يعلم أن المشاكل لن تحل بوقت قصير، وهناك تصميم لجعل هذه المرحلة (الإيجابية) دائمة من خلال العمل على خريطة الطريق التي تحدثت عنها، وتحديدها، واتخاذ خطوات ملموسة”.

من جهته، أعرب رئيس المجلس الأوروبي شارك ميشيل عن ترحيبه بمناخ الحوار الإيجابي القائم خلال لقائه وزير الخارجية التركي، مؤكداً أهمية خفض التوتر شرقي البحر المتوسط بشكل دائم. وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي ينتظر تحقيق تقدم في المحادثات الاستكشافية بين تركيا واليونان، وبدء المفاوضات القبرصية، لافتاً إلى إمكانية لقاء اردوغان قريباً في أنقرة لمناقشة ملفات مثل الهجرة وتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي، التي تولي لها أنقرة أهمية كبيرة جداً.

ولخص وزير الخارجية التركي مطالب بلاده من الاتحاد الأوروبي على النحو التالي: “إحياء عملية عضوية تركيا، وتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي وتطبيق اتفاقية رفع التأشيرة عن المواطنين الأتراك” وهي ثلاث ملفات كبرى ما زالت عالقة من عقود بين الجانبين ولا يمكن حلها من خلال هذه الجولة التي ما زالت في مرحلة إعادة بناء الثقة وتجنب التصعيد ولم تصل بعد إلى مرحلة الحديث عن خطوات جوهرية لا سيما عضوية تركيا في الاتحاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية