عزت القمحاوي ليس من المفيد تذكير باراك أوباما بدموعه التي سفحها في جامعة القاهرة على معاناة الفلسطينيين، وليس بوسع أحد أن يقنع الشاب الذي اكتهل في عامين ونصف العام بأن البلاغة قد تكون جميلة أو رديئة. ولكن جمال وقبح البلاغة لا يضمن أبدا أن يكون الكلام منطقيا أو صحيحا.’الاختصارات في التاريخ ضارة، ولا يمكن لدولة أن تقام إلا عبر المفاوضات’ هذه هي بلاغة داعية حقوق الإنسان عديم النفع، لكنها بلاغة عديمة المنطق.
ربما تكون الاختصارات غير ممكنة، لكن الإطالة مستحيلة كذلك، والدول لا تنشأ بالتفاوض أبدا؛ بل توجد كظواهر الطبيعة كما في حالة مصر والصين أو تقام بالحرب أو الثورة كما في معظم حالات الدول ذات الحدود الرجراجة، من أوروبا صاحبة أقدم حراك للحدود إلى جنوب السودان صاحبة أحدث حدود.
والذي يحدث غالبا أن التعب من الحرب، هو الذي يجبر المتحاربين على الجلوس إلى طاولة مفاوضات تسوي الأمر على النحو الذي انتهت إليه حركة الجنود في الميدان أو الجماهير في الشارع.
ولابد أن أوباما يدرك هذه الحقيقة، لكنه يراوغ ويفتح الباب لاستمرار مراوغة إسرائيل، داعيا إلى الصبر على مفاوضات على الرغم من أن مفاوضات فلسطين مستمرة من دون جدوى منذ قرار الجمعية العامة بالتقسيم في 1947 أي ما يساوي عمر أوباما مع عمر كبرى ابنتيه.
ومشكلة فلسطين لم تحل حتى الآن بسبب انعدام التوازن بين الحرب والمفاوضات في مسيرتها؛ فالعرب يُساقون سوقا إلى المفاوضات بعد الهزيمة أو بعد نصر محدود. وهكذا ضاعت فرصة قرار التقسيم، ثم بدأت مبادرات الحل بعد النكسة، ثم كامب ديفيد بعد حرب التحريك في تشرين الاول/ أكتوبر، ثم المفاوضات من دون حرب أو إمكانية حرب من خلال أوسلو التي كانت الخيار الوحيد لياسر عرفات بعد أن ضاقت عليه الدنيا، ولم يجد في الأرض العربية مكانا يؤوي المنظمات الفلسطينية. كانت تعليمات واشنطن قد صدرت واضحة للأنظمة التي لم تزل تقاوم السقوط في مصر وتونس واليمن بعدم استضافة منظمة التحرير، وغني عن القول ان دوافع السعودية والخليج كانت ذاتية وأمريكية في الآن نفسه.’ ‘ ‘معركة محمود عباس الدبلوماسية الحالية جاءت في توقيتها، حيث تخفف القرار الفلسطيني من ضغوط الساقطين العرب الذين طالما كانوا عبئا على القضية الفلسطينية لا معينا. وحسنا فعل أبو مازن بتمسكه بقراره رغم البلاغة الأوبامية السخيفة ورفض حماس المضحك. أكتب هذه الكلمات قبل ساعات من خطاب عباس أمام الجمعية العامة، وكل الأمل أن يصمد ويستمر في مسعاه الوحيد الباقي، ليس لحل القضية الفلسطينية؛ فللقضية شعب يحملها قبل عباس وبعده، بل لأنها الفرصة الأخيرة لبقاء القيادة الفلسطينية مع شعبها يدا واحدة، ولا تتشقق إلى يدين، وهي بالتأكيد فرصة لتعرية العدالة الأمريكية قبل تعرية العنصرية الإسرائيلية العارية أصلا.
نصيحة باراك حول استحالة الاختصارات في التاريخ، خاطئة تماما سواء صدرت عن غباء أو سوء نية؛ فعندما يكون هناك حق واضح يمكن لإرادة دولية نزيهة أن تضع ثقلها في كفة الضعيف وتخلق أفقا للحل يجنب الطرفين مزيدا من الآلام. وما يفعله أوباما هو بالضبط ما يفعله كل رئيس أمريكي موشك على الانتخابات، يشتري أصوات الحمقى من المتطرفين اليهود بصرف النظر عن الدماء التي تسيل في فلسطين، حتى دماء اليهود الذين ينافقهم لا تعنيه؛ تعنيه أصواتهم فحسب.
ربما لم ينتبه شهود خطاب أوباما المخزي الأربعاء الماضي إلى أن محاولته رد الفلسطينيين من أمام أبواب المنظمة الدولية هي أكبر إساءة للأمم المتحدة من فوق منبرها. لأن نصيحته بتسوية الأمور مع إسرائيل تمثل طعنا صريحا في اختصاص الأمم المتحدة بنظر القضية الفلسطينية. وهو من جــــهة أخرى يمثل طعنا في شرعية إسرائيل التي قامت على أرض الغير بقرار من الأمم المتحدة ذاتها!
هذه الملحوظة الذكية الأخيرة ليست لي في الواقع، بل للكاتب محمد سلماوي في جريدة ‘المصري اليوم’ أمس الجمعة، وأحسب أن على الرئيس الفلسطيني أن يكمل رحلته إلى المنظمة الدولية، وأن يضمن خطابه هذه الملاحظة: ‘إذا استمعت الدول الأعضاء للفرية الأمريكية وسلمت بعدم اختصاص الجمعية العامة ومجلس الأمن بالقضية فيجب نزع الشرعية عن قرار التقسيم الذي أنشأ إسرائيل’.’ ‘ ‘لا أحد يتوقع أن يعود عباس من نيويورك محاطا بجيش أممي لتثبيت حدود الدولة الفلسطينية ورفع أعلامها؛ فالولايات المتحدة، غير المضطرة إلى إخفاء نواياها في مواجهة الحق الفلسطيني، أعلنت بوضوح أنها سوف تدفع الدول الأخرى إلى رفض القرار، فإن لم تستطع وضع الرفض على لسان غيرها ستلجأ إلى الفيتو.
لكن تعطيل القرار لا يبرر الامتناع عن خوض التجربة في عالم يتصاعد فيه دور الرأي العام ويمكن فيه الوثوق بضمائر المنتفضين عبر العالم أكثر ألف مرة من الثقة في مؤسسات الحكم هنا أو هناك. الخطوة تفضح الولايات المتحدة، وهذا الهدف بحد ذاته كاف لكي يصر عباس على المحاولة. أوباما وإدارته والربيبة العنصرية إسرائيل يدركون ذلك، ويحاولون حصار الطلب الفلسطيني من أجل تلافي الفضيحة التي ستعني الكثير ضد مصالح الولايات المتحدة.
ومن الغريب أن يلتقي رفض حماس مع الرفض الأمريكي الإسرائيلي. وقد انقسم متحدثوها في تسويغ أسباب الرفض، بعضهم يقول إن الوثوق باستحالة الخطوة يجعلها غير ضرورية، والبعض يذهب أبعد بتصور نجاح الخطوة وصدور قرار اعتماد دولة فلسطين وهذا يعني إلغاء مبرر وجود المنظمة!
ولا يشبه هذا التخوف سوى نكتة مصرية عن ساذجين يتدارسان المشكلة الاقتصادية، قال أحدهما: نعلن الحرب على أمريكا، فتهزمنا وتحتلنا وتصبح مسؤولة عن إطعامنا بوصفها قوة احتلال. وإذا بالآخر يرد عليه: وإذا انتصرنا في الحرب، من أين سنطعم كل هذا العدد من الأمريكيين؟!
لن يحصل عباس على القرار المأمول، لكنه سيضيف إلى الرصيد السيئ للولايات المتحدة الذي تصنعه الآن بلؤمها مع الثورات العربية. وليت الطبقة السياسية الفلسطينية تمد حبل ذكائها وشجاعتها إلى آخره، فتتخذ بعد تصويت مجلس الأمن خطوة أخرى بالتخلي عن أوسلو وحل السلطة الفلسطينية، ليعود الفلسطينيون شعبا تحت الاحتلال يحرر أرضه بثورة سلمية تتناغم مع ثورات تحرير البلاد العربية المحتلة بالعملاء السماسرة.