اختفاء التكافل الاجتماعي الذي كان يوما أحد المميزات البارزة للمجتمع الاسرائيلي
اختفاء التكافل الاجتماعي الذي كان يوما أحد المميزات البارزة للمجتمع الاسرائيلي ذهبت لشراء الخبز من احدي شبكات الخبز في تل ابيب، كعادة الطبقة الوسطي ذات المعدة اللطيفة والقدرات الاقتصادية. دخلت امرأة بالغة، علي رأسها منديل، ويدها ممتدة نحو الواقفين في الدور. طلبت صدقة بهدوء. قالت لها البائعة (شابة، قد تكون في الخامسة والعشرين): إذهبي من هنا! . اعتقدت أنني لم أسمع جيدا. استمرت المرأة تتجول بين الواقفين في الدور، وحصلت من كل واحد علي عدد من القطع النقدية. قالت الشابة مرة اخري بصوت أعلي: إذهبي من هنا! . سألت البائعة لماذا تقول للمرأة أن تخرج. أُصيبت البائعة بالذهول. يبدو أنها اعتقدت أنها تعمل لمصلحتنا، نحن ذوي المعدات اللطيفة، الذين سيصعب عليهم هضم خبزهم وهو مُتبل برائحة الطبقات الضعيفة.أجابتني: لا يجوز لها! . سألتها: ماذا يعني لا يجوز لها؟ أهذا مخالف للقانون؟ هل كُتب علي باب الدخول الي الحانوت أنه لا يجوز للنساء البالغات أن يدخلن الي الحانوت ويطلبن الصدقة؟ . همست البائعة: انها تضايق الزبائن .ما الذي يُضايق، سألت نفسي، أحقيقة ان الواقع يطرق باب الفانتازيا، الذي يحاول الحانوت ـ والمشترون ـ انشاءه؟ أي نوع من إذهبي من هنا كان هذا؟ إذهبي من هنا لأنه بعد قليل سيأتي رب عملي ويصرخ بي، قائلا إن الاستجداء يُفسد تنظيم المكان . أهو إذهبي من هنا التي تُعبر عن أن الزبائن الدائمين سيقولون إن المخبز يتدهور ؟ أو قد تكون إذهبي من هنا المعبرة عن أنك تشبهين جدتي شبها فظيعا، لكنني خرجت من غيتو الضاحية وأصبحت من أهل تل ابيب أجتذب الأنظار، ولن يُفسد علي أحد شأني هذا ؟.ان الفتاة الشابة التي تطرد امرأة بالغة (أو شابة) من الحانوت، لانها تضايقها فقط في نظرها، هي نفس المواطنة التي لا يهمها، بل ربما تؤيد طرد اللاجئين السياسيين عن اسرائيل (لانه ماذا يعتقدون في أنفسهم؟ هل سيعيشون علي حسابنا؟)، وهي الجارة التي تطرح قمامتها خارج بيتها، لا في حاوية القمامة (يوجد عمال صحة! لماذا يحصلون علي الأجور؟)، وهي المرأة التي تنزل وعائلتها فندقا وتحرك عمال الفندق علي حسب نزواتها (لان هذا عملهم، أليس كذلك؟).يُحب الاسرائيليون التلويح بالتكافل. لم يعد شيء كهذا. توجد غربة متبادلة ووهم تكافل. بالضبط كما يوهم الجمهور الاسرائيلي نفسه أن الموساد هو الجهة الاستخبارية الأفضل في العالم، وان الجيش الاسرائيلي هو أفضل الجيوش في العالم، وأن العبقرية اليهودية ما زالت براقة، وأن الاسرائيليين ينهضون للشيوخ أو للنساء الحوامل في الحافلات. اذا ما عرض دودو توباز ولدا متخلفا عقليا، توشك مدرسته الداخلية أن تُغلق فمن المعقول ان نفترض مشاهدين كثيرا سيُجندون انفسهم من اجله. نحن مستعدون من اجل التخفيف عن انفسنا بازاء التلفاز ان ندفع الكثير. لكن كم منا مستعدون لأن ينشأ في حيّنا مأوي للمتخلفين عقليا؟. هذا الاغتراب يخدم بالطبع الطبقة التي يخدمها الجميع، الا وهي الرجال الأثرياء والبيض. عندما لا يوجد تعاطف بين الناس وبين الجماعات، تضعف القوة المدنية ومعها احتمال تغيير السلطة أو التأثير فيها علي الأقل. اذا كنت اعتقد أن المتسولة تلوث منظري، فلن أهتم بيقين بسلامتها أو بالظروف التي أفضت بها الي هذا الوضع. علي هذا ربّونا في السنين الأخيرة.ان أناسا مثل بيبي نتنياهو، الذي زعم ان العاطلين عن العمل لا يريدون العمل ببساطة، يُسببون أن يتنكر غير العاطلين عن العمل لاولئك الذين لا عمل لهم، وأن يكونوا بيقين غير معنيين بوضعهم، وبسوء حال ظروف البطالة، وألا يحتجوا ايضا علي هذه الظروف. هذا الاغتراب في الحقيقة يسحب البساط من تحت قدمي أي احتجاج، لأن العاطلين عن العمل لا يريدون العمل، ولأن الشرقيين غير معنيين بالتقدم، ولأن الأثيوبيين والروس لا يريدون الاندماج في المجتمع الاسرائيلي، ولأن الفتاة التي اغتُصبت أمس لم يكن يجب عليها أن تلبس لباسا قصيرا.شارون شاحفكانت مديرة العلاقات العامة في الهستدروت(معاريف) 11/3/2007