اختلاس : رواية سعودية تخترق المحرم
هاني نقشبندي يكتب اول اعماله روايتان في روايةمحمد السمهوري اختلاس : رواية سعودية تخترق المحرم انا سيدة سعودية في العقد الثالث من العمر، علي قدر من الجمال، ومن اسرة جيدة .. كان هذا مقطع من الرسالة الاولي التي حطت علي مكتب هشام رئيس تحرير مجلة نسائية في لندن والتي كانت محور العمل الروائي اختلاس ، تلك الرسالة التي تبعتها رسائل اخري تشرح فيها سارة معاناة المرأة السعودية وتبرز خلال كتابتها الي رئيس التحرير القابع في مكتبه اللندني ما هو مكتوم خلف جدران البيوت وحزن النساء الذي طال، وطالت معه انفاس الضحية المرأة هناك. كان مشهد الروائي اختلاس التقاطة مهمة وحوارا داخليا لما يجول داخل افراد المجتمع السعودي علي تنوعاتهم وطبقاتهم الاجتماعية، مثلت اختلاس الحصار والنزيف للقيم الانسانية.فبطل الرواية ايضا له معاناته التي اوردها في هذه العبارة المختصرة من العمل والتي تدل علي شيء من فساد مستشر في بعض المؤسسات ومنها نورد هذا المقطع: ما زلت حتي اللحظة اسمع صوت الارملة السعودية التي جلست ذات يوم تنتظر المثول امام القاضي، للمرة الرابعة، واليتيم الصغير الي جانبها. كانت عيون الرجال الذين التحي بعضهم تختلس كل جزء منها.كان الاختلاس من القوة بحيث مزق عباءة المرأة وغطاء وجهها!اتي صوت المرأة رخيما برغم انوثته، رافضا بكبرياء ان يحولها الاختلاس الي بقايا.فهبت عن مقعدها واقفة تلعن كل الرجال والقاضي الذي لم يأت، وتمضي برفقة الصغير الي مصيرها.. هذا مقطع هو بمثابة مدخل ليعبر عن وضع المرأة السعودية في الرواية الاولي اختلاس لهاني نقشبندي الصادرة عن دار الساقي 2007، وفي الرواية ما يمكن لنا ان نطل عليه من مشهد مليء بالمسكوت عنه، لتسجل اختلاس ـ الرواية ، ولتسجل هذا الرواية التي تعد رواية تسجيلية قصة كل النساء عبر امراة واحدة هي سارة الشخصية الرئيسية التي حاولت ان تعبر عن نفسها من خلال رسائلها الي رئيس التحرير هشام المقيم في لندن وسط ضبابه الشخصي، وتناقضاته وطريقة حياته التي سجلتها الرواية بشكل يمثل كل محاولات عدم الزيف، فقد استعرضت رواية – اختلاس شخصية بطلها بكل ما فيها من تناقضات واختلافات واكاذيب وصدق، ورصد هذا العمل الادبي المشغول بطريقة تسجل لكاتبها نقشبندي انه استطاع ان يكتب روايتين في رواية واحدة، سياقين في جسد واحد.رواية اختلاس تحكي قصة امرأة تعاني الامرين في حياتها الاجتماعية والانسانية والقيمية. امرأة تسجل رفضها للقيم التي تظلم المرأة ومن خلال روايتها الشخصية تقول كلامها المتأخر، تروي بشغف كبير كيف يمكن للانسان ان يحتفل بنفسه، بعيدا عن الظلم الاجتماعي والمفاهيمي الذي تتعرض له المرأة السعودية، فقد مثلت سارة – المرأة السعودية : السؤال الوجودي والانساني حول الاعراف وما يجب ان تكون عليه، في الوقت نفسه كان بطل الرواية في لندن يبحث عما يكتبه ليغطي وجه الصفحة التي تنتظره وليكتب مرة عن حقوق المراة وتارة اخري عن تضامنه من برجه العاجي. الي حين وصول رسالة توثق فيها سارة معاناة متجذرة في حياة المجتمع السعودي وهي تبوح وترصد نمط حياة المرأة وعملية القهر المستمرة ضدها.بل تذهب بطلة الرواية سارة الي ابعد من ذلك وهي تزيح الرمل عن عيون من يقهرون المجتمع ونساءه تحت ذرائع ومسميات دينية وتقليدية اجتماعية اعتادها المجتمع، فلم يكن لهذه السيدة المحشورة بين جدرانها المختلفة، والمتحركة في بيتها، الا ان تحتفل بنفسها وقهر جسدها الذي لم يفهم لا من قبل زوجها ولا من قبل التاريخ المليء بالكوارث الانسانية التي تحض علي احتقار المراة في جانب وتبرزه في الملذات الشخصية والتي يمكن ان يسمح لها من خلال وجهات نظر مكبوتة ومهمشة لرجل هنا او رجل هناك يبرر لنفسه ما يمكن ان يسكت شهوته العابرة.ورواية اختلاس كتبت باكثر من اتجاه، فهي تسجل احداثا كثيرة ومشاهد مؤلمة لما هو خلف الحجاب، وترصد عمليات القهر المدروسة التي تعانيها المرأة السعودية، بل تشرح الاسباب في كثير من المشاهد وتخرج عن المسكوت عنه لتبرز المرأة بعيدا عن هواجس الجنس بل لتقترب اكثر من همومها ومشكلاتها في مجتمع اعتاد علي ادانتها، وتحميلها الخطايا. تحاول رواية اختلاس شطب السواد المرسوم علي عباءات الانسان – المرأة، بل ذهبت هذه الرواية الي ابعد من ذلك في رصد حياة المرأة السعودية من خلال بطلتها وعدد من النساء وما يعانينه من قهر وظلم علي يد رجل يمثل الحق الاجتماعي والتراثي، بل ان سارة ادانت كل الذكورة التي تسلبها انسانيتها في الكثير من المواقف التي عبرت عنها، باستثناء والدها الذي مثل الجانب الانساني المعاصر والمتفهم والمتسامح مع نفسه وافكاره. كان والد البطلة هو الشخص الذي يمكن مجادلته ومحاورته، في الوقت الذي مثلت الام والاخوة الموقف المناهض لها، بل الموقف التقليدي والسائد في المجتمع السعودي، وهو ان المرأة هي عبارة عن فضيحة يجب اخفاؤها وراء اسوار الزواج او العباءة السوداء او الطاعة الابدية والمستحيلة في الوقت نفسه.فالرواية اعتمدت بالاساس علي رسائل سارة الي رئيس التحرير الذي يدير مجلة اسبوعية اجتماعية نسوية حيث وصلته اول رسالة تلفت انتباهه: لم يكن سهلا اخفاء صرخات النساء الصادرة من هذه الرسائل، كأرواح عالقة بين برزخين تبحث عن نهاية. لو قدر للمراسل الانجليزي ان يزور هشام ذاك الصباح وهو وسط رسائله، لسمع بنفسه تلك الصرخات . فقد اختصرت سارة بطلة الرواية كل ما تعانيه المرأة في السعودية الي مقارنتها بوضع المراة قبل الاسلام بأنه افضل مما هو عليه الان، بل وذهبت بعيدا في محاكاة وضعها ووضع المراة في السعودية الي طرح الكثير من الاسئلة التي تتمحور حول حقوق الانسان ومقاربتها بظروف المرأة الاكثر انتهاكا لحقوقها. وإن شئنا الحقيقة، فإن وضع المرأة قبل الاسلام يبدو افضل منه بعد الاسلام، ليس بسبب الاسلام ذاته، وإنما بسبب ما اعطاه من حقوق للرجل أساء استغلالها، بل انه تعسف في استخدامها ضد المراة، والغريب أن المرأة ارتضت ذلك، حتي اعتادت أن تكون ضحية، ثم تحول التعود إلي استلذاذ بدور الضحية .وراحت الرواية الي ابعد من ذلك بوصف ما يعانيه المجتمع السعودي من قهر اجتماعي يأكل ابناءه من فم مفاهيم بالية ما زالت تطلق احكامها التراثية علي شكل حياة وسلوك الناس اليومي وما بعد اليوم، فقد رصدت نساء الرواية حياتهن بالسجن الذي بني فقط لهن مرة عبر اسوار البيت وكيفية خروجهن ودخولهن، ومرة من خلال الاسوار الداخلية التي قتلت خطوط التواصل مع ازواجهن واهلهن ومجتمعهن. فرئيس تحرير مجلة نسائية قد يكون الملاذ الاخير لامرأة تبحث عن مستمع تبكيه احزانها وقد تجاهلها الجميع، ابتداءً بزوجها، حتي المطوع الذي يملك صلاحية الضرب بالعصا وإن كانت الضحية امرأة.رئيس التحرير قد يكون الملاذ الاخير، أجل لكن هذا الرئيس يعجز عن منع ضربة عصا المطوع عنه هو نفسه .مضت الرواية في صفحاتها تدين شكل الحياة التي تحتكم الي عصا المطوع، وتفضح سلوكيات هذا المطوع والمؤسسة التي ينتمي لها، فقد ضاق الناس ذرعا بهم، وها هم يرصدون ذلك في اشكال ابداعية وادبية تعبر عن طبيعة سلوك هؤلاء الرجال الذين يقومون بمهام رجل الدين والاخلاق وحماية المجتمع كما يدعون، الرواية رصدت العديد من المشاهد المعبرة عن شخصية المطوع وكيفية بنائها لتكون كذلك في مجتمع بح صوته الداخلي وتعود وجعه الخارجي.شخصية المطوع ليست حاضرة فقط في اختلاس بل منتشرة في كافة الاعمال الروائية السعودية والتي أفرد لها مساحة كبيرة وسلط الضوء عليها باعتبارها من الاشكال التي يعانيها المجتمع خاصة من النواحي الانسانية والقيمية.في هذا العمل الابداعي الرافض للمسكوت عنه والمتمرد علي اشكال كثيرة في التعبير الادبي تخرج رواية اختلاس عن الكثير من الضوابط الاجتماعية لتصل الي الاحساس الانساني عبر صفحاتها وبداخل القارئ الذي يشتبك معها، فقد وصفت الرواية في احد مقاطعها الرقيب علي النحو التالي: ماذا يريد هذا الرقيب أأكتب أننا أمة لا تكف عن الصلاة والدعاء للاخرين بالسعادة والمحبة، أأكتب ان الفضيلة تغطينا من رأسنا حتي أخمص قدمينا؟ .طرح الروائي هاني نقشبندي الكثير من الاسئلة ليست فقط التي تتعلق بشكل الحياة الاجتماعية او الانسانية، فقد نبش عبر روايته اسئلة وجودية واكثر تعلقا بالمستقبل الذي يعد غامضا بالنسبة لمجتمع السعودية او علي وجه الخصوص للحريات ومواكبة العصر الحديث.من لندن كان هناك حوار جاد وخلاب بين رئيس تحرير وامرأة سعودية تعبر عن قهر المجتمع لها بل قهر اكثر المقربين لها: زوجها، امها، اخوتها، عاداتها تقاليدها قيمها التراثية التي لم تنقذها ولن تفعل كما ورد في الكثير من التساؤلات، كانت تسرد فقط لتسرد ما تعانيه وما ممكن ان يشكل وجعا تاريخيا محصوراً في مكان واحد الذكر هو كل شيء لا قبله ولا بعده كل شيء يساعد هذا الذكر علي الوصول الي مبتغاه ومسعاه مهما كانت الضحية.كان بطل الرواية هشام يخاطب نفسه: عندما نقول ان الجمال في الروح والعقل والاخلاق، فنحن ايضا خائنون، فالجمال الذي نقدسه هو الشكل فقط، ولو سكنته روح شيطان وعقل شيطان واخلاق شيطان. تراثنا الذي صنعته آهات الجميلات، هو ايضا نتن. كله يبدا هكذا : وبينما الامير يتفقد ضيعته، راي فتاة اسقطه جمالها عن حصانه.ويتساءل بطل الرواية عن ماهية الجمال لدي المراة وهو في تداخلاته وسخونة موقفه الذي يغلي كما بركان بعد ان صفعته رسائل المراة السعودية وجراتها لو كانت للخنساء عينا الغنم لا البقر لما سمع بها احد ولو كان لولادة المستكفي جمال ام كلثوم ما خلد ابن زيدون .وما شفع لام كلثوم سوي جمال صوتها، اما شكلها فلا شفيع له الا الله تعالي.بطل الرواية كان ينبش اسئلته من قبر الماضي وبكل صدق مع نفسه وصراحة ملفتة لان المرأة هي الفاكهة المحرمة الا علي المقتدرين. ولأنها هدية الاله للصالحين في الجنة .ويتسأل ايضا للرجال الحور العين، فماذا سيكون للنساء يا تري؟ الحور العين، الحور العين. من عطشنا الي النساء، تستلهم الجنة هيبتها هذا الحوار الداخلي الذي كان يدور في خلد بطل الرواية بعد لقائه البطلة الاخري او الشخصية التي سارت الي حد معين في العمل الروائي اختلاس وهو باحثة اسبانية تدعي ايزابيل التي تحاول دراسة الشرق، واصبحت فيما بعد الحبيبة التي تقاسم معها البطل هشام احاسيسه ثم خانها، عند اول امراة اخري.والسؤال الذي تركه الروائي نقشبندي في وجه الرجال في السعودية كان كالتالي: مليارات انفقت علي مصانع تحلية المياه في السعودية، ولا يزال الرجال عطاشا . كان يقصد اشياء كثيرة يود الكاتب قولها من هذه العبارة والعبارات الاخري ومن معاني اللغة التي استخدمت في اختلاس كان يريد ان يدين نفسه والاخرين، كان يريد الاعتذار عما بدر من ظلم صاغه البطل هشام رئيس التحرير الذي غيرت حياته الرسائل التي ترسلها سارة تلك التي تجلس وحيدة تداعب روحها وتمارس تفاصيل تدل علي وعي انسانة مختلفة، تلك التي ملت عدم اهتمام احد بها فاستبدلته في لحظة مع سائقها وعادت وبكت بكاءها اللامتناهي.تلك المرأة التي مثلت الشريحة الكبيرة من السعوديات في هذا العمل الروائي حاولت ان تفكر بصوت عال، لكنها ووجهتْ ليست فقط من الرجال بل حتي من النساء واقرب الناس لها.وهنا تعبر سارة عن نفسها في احدي الرسائل سمعت الكثير عن زوجات ينفرن من ازواجهن، اخذن الي شيوخ كي يطرد الجان من اجسادهن، ولو بالضرب والعصا.ياله من تفكير رائع: تنفر الزوجة من زوجها، ولا يسألون الزوجة عن السبب!ابكي انا فيسألون الاخرين عن سبب بكائي ولا يسألونني أنا، ثم يقولون هو الشيطان لعنة الله عليه! .صاغت رواية اختلاس الكثير من معاناة المراة السعودية مرة بصوتها هي ومرة بصوت البطل من مكانين مختلفين. رواية كتبت وجعا بصوت مبحوح، سألت اسئلة جديدة، كانت لدي سارة صديقة ترسم الشيطان علي انه وسيم وجميل، تلك المراة التي كانت تمتدح الشيطان، لانها قهرت من المجتمع، والنظرة الدونية في التعامل مع النساء. صاغت صورة مجتمع بالكامل قهر نفسه كما تسرد الكثير من الاحداث التي دارت ما بين لندن واحدي المدن في السعودية.ختم بطل الرواية عمله بالاستقالة من عمله كرئيس تحرير لمجلة نسائية كرد فعل علي عدم تحمل كل ما يدور برأسه او كل ما تشكله قناعاته، التي تكسرت علي صخرة سارة تلك المرأة التي صارحته بنفسه من خلال رسائلها وحكايتها، ووضعته امام اسئلته المخفية.كاتب وصحافي مقيم في الامارات 0