اخذوا كاميراتهم وفيها حياتنا الحقيقية

حجم الخط
0

عناية جابر

انت لا تحزن علي فقد اثنين من أهم مخرجي السينما، لأنهما كفا عن امتاع العالم الي الابد. تحزن لأنهما كفا عن امتاعك، انسحبا من وجودك الذي ما زال من دونهما. خانا القرابة الروحية ما بينك وبينهما، وخلفاك من دون متع باهظة كأنما يعاقبانك بالفراغ الذي يصنعه رحيلهما. انغمار برغمان ومايكل انجلو انطونيوني والساعات القليلة الفاصلة بين غياب الاول والثاني قصمت ظهر الجمال بالنسبة لك. ثمة الجميل الكثير، ما دامت الحياة، لكنه نوع جمالك الذي غاب الي الابد.

خيانة صديقين لم ترهما، لكنك عرفتهما. برغمان علمك كيف تري الي نفسك علي الشاشة، سعيدا او حزينا وما الفرق؟ انت نفسك لم تكن تعرف نفسك حتي جاء هؤلاء، أرباب الفن السابع، السينما الرهيفة، سينما برغمان فأنضجت معرفتك. انت هنا، في الشاشة المضيئة، جسمك وروحك، بطئك وتلعثمك كسلك ولهوجتك وآلامك. علمك برغمان كيف تطرق باب الصمت، تدخل وتقعد وتراقب من دواخلك. علمك كيف لا تعود مهووسا بالدقة والكمال، الدقة والكمال طاردي الروح واعدائها.

علمك برغمان ان الامور حين تبدو علي ما يرام، فاعرف ان ثمة ما هو سيء، وان عليك مباشرة الامور من جديد. القناعة الحسية، الناس الاقوياء في عزلاتهم، مستقلين وخلاقين. فيلليني، كوروساوا، بونويل، تاركوفسكي، انطونيوني وميليه.. تواجدوا في الدرب نفسه، كياروستامي والموفودار وسكورسيزي، سبيلبرغ وودي ألن، منحونا عصبا اضافيا سريا ومحفزا في اعصاب ابصارنا. ابصارنا قبلهم لم تكن تسجل رفعة الظلام، وكبرياء الشمس، والاضواء الكالحة الذليلة.

الشعور المدوخ في عتمة الصالات. الظل الصامت او الناطق يستدعي الاكثر سرية فينا. تفوح من افلام بعضهم رائحة الوحدة المختمرة. تذبحنا فتنة صورهم الرجراجة ـ البدائية المتعمدة ـ والخاطفة الذكية. بيرسونا (الشخص او القناع) حيث اشتعلت عواطف المخرج برغمان مع ممثلته ليف اولمان. الاشارات الحسية، تصوراته الاعمق عن الاشكال والتناسبات والالوان والآفاق والاصوات واحوال السكون والانعكاسات والاضواء البخيلة. برسونا الأمان، التبسيط والتناسب، التوتر والانفراج. ليف اولمان في المهاجرون، الوثيقة الفيلمية عن الجمال. ساعة الذئاب والفواصل الموسيقية التي تتردد كما في قصيدة جيدة جدا. الحب موجود ـ اكتشف برغمان ـ الحب موجود حقا في عالم البشر. همسات وصرخات امسية لاعبي السيرك، مشاهد من الحياة الزوجية، صيف مع مونيكا… الصنعة الفيلمية الايروسية القوية والثقة امام الكاميرا، ثم الثقة الوهمية في التوتر والتقاط الانفاس، يا إلهي كم كان مهينا لنا، نحن في الصالة، في مشاهد من الحياة الزوجية.. كم كان حقيقيا هذا الذي يجري.

انطونيوني رحل بعد برغمان بساعات. وصفه الاخير بأنه وقع في افلامه في ضجر نفسه. كان ضجرا حقا، وكم احببت ضجره! قدم لنا حكاية علاقة غرامية كاستهلال مذهل لفيلميته التي تريثت طويلا قبل ان يقرر اطلاقها. واقعية جديدة وتوليف حر، متفلت مشاكس متمرد، لكنها الوحدة والعزلة دائما في افلامه. لماذا نميل الي نوع عزلاتهم؟ لانها عزلاتنا ولاننا نرتع فيها وسط ملايين البشر، ولاننا احتجنا نوع سردهم البصري هذا لنتملي حقيقتنا، نقشر عنها وهم الجمع ووهم الصحبة ووهم الغرام الذي لا يفعل سوي تعميقها.

سينما انطونيوني جوانيه ـ علي غرار مشهد بارع لبرغمان، يصور امرأتين لا غير علي شاطئ خال وشاسع وطوال الفيلم يحدقان او تحدق كل منهما الي يديها وتصفهما كل منهما علي طريقتها ـ المغامرة تحفة انطونيوني الحقيقية، التكيف والسوداوية والمزاجية، والبحث ابدا ـ في كل افلامه ـ عن طريقة ما، رهيفة بالضرورة، للتواصل بين البشر.

انشغل انطونيوني بالمكان ودلالاته والبحث عن الحقائق السبع الاخيرة كما في الليل، واردف فيلمه هذا بـ الليل ايضا ثم الكسوف في ما يشبه الثلاثية. جوانية وهواجس بايقاع بطيء، وبأقل الكلمات، وبالتلعثم الجميل لعناصر السرد البصري. برسونا برغمان! منْ من الشعراء كتب قصيدة افضل؟ خسرنا الكثير برحيل هذين الماكرين، وقد انتزعا احشاء لنا، وفرداها امام اعيننا، فأرسلنا عيونا ماصة للشاشة، وتملينا حيواتنا التي تدور امامنا، مملحة بدمها الجاف، وبوحداتها، اقسي مما نستطيع.

لم تكن افلامهما اكثر من كذبة عجائز. حكايا علي الارجح، لكننا صدقنا عيشنا فيها.

الرجال الذين صنعوا تلك السينمات الباهرة، رحلوا تاركين لنا ظلال حياة. اخذوا الكاميرات وفيها حياتنا الحقيقية. اي جنون ان لا نري بعد في مرآتنا؟ ان نقف امام نوافذنا المغلقة من دونهم، وننظر فحسب انعكاس وجوهنا المتعبة ووحدة اجسادنا. ان افلامهما قد خربت الوهم وضربت في صميمنا الانساني. لن نتمكن بعد، تملي كل ذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية