اخوان مصر.. مراجعة تجربة الحكم قبل ان تقع الفوضى الممنهجة

حجم الخط
0

لم تشهد مصر معركة تركت خلفها من التوابع الاجتماعية والسياسية القاتلة، كما تركت معركة الاستفتاء على الدستور، لان الشقاق والانقسام والجروح التي زرعتها في نسيج المجتمع بكل شرائحه ونخبه وفئاته المتنوعة، لم تعرف مصر ايا منها في تاريخها الحديث، الاكثر من ذلك ان تيار الاسلام السياسي بوجهيه الاخواني والسلفي’الذي اقنع نفسه انه فاز بالغنيمة التي خطط لها، عليه ان يعمل بكل طاقته من اجل الاستقرار والامن والانتقال الفوري الى مرحلة الانتاج،
ولتحقيق مقاصد مشروع النهضة ولترتيب مؤسسات الدولة ‘وفق الصالح العام ‘ وليس استجابة لمطلب الدعاوى الايديولوجية التي تفرق جموع الشعب، بين مؤمنين وكفار.
نتوقع ان يتعرض هذا العمل الى نوع من ‘النضال السياسي’ سعيا وراء تحقيق هذه الاهداف التي اصبحت فاتورتها واجبة السداد، بعد مرور ستة اشهر على تولي الرئيس محمد مرسي منصب رئيس الجمهورية.
لان اقرار الدستور، بغض النظر عن النسبة التي وافقت عليه من بين الكتلة التصويتية وبالقياس لجموع الشعب المصري، لم يفتح صفحة جديدة في حائط الصد المجتمعي المقاوم لهيمنة تحالف هذا التيار على كافة مقدرات الدولة، بعد ان عاش المجتمع ـ مرغما – في ظل انقسام ديني بشع الصورة، شارك فيه شيوخ اجلاء حولوا العديد من مساجد مدن مصر الكبرى الى ساحات ليس فيها من الدين قدر ما فيها من ترويج لمفاهيم سياسية مغلوطة.
ولان اقرار الدستور، لم يُحقق للغالبية العظمى من ابناء الشعب الذين ساندوا ثورة يناير 2011 وحولوها ـ بعد ثلاثة ايام فقط – من ثورة شبابية تستخدم تقنيات ثورة المعلومات، الى ثورة شعبية تحتضن وتحمي وتقدم الشهداء، ما كانوا يصبون اليه من حرية تعبير وعدالة اجتماعية وحقوق موثقة في مجالات التعليم والعلاج والاسكان.
ولان اقرار الدستور،لم يُوقف سيل الفتاوى التي تُكفر المخالفين في الرأي، وتُحاصر غير الموالين وتَنتصر للتشدد، وتَتوعد الذين قالوا ‘لا’ وتُنذر المعارضة وتُحيل للقضاء من لا يرضى الموالون عنهم، وتصف المتظاهرين بكل ‘نقيصة’ وتخطط لاصدار مجموعة من القوانين الجديدة التي من شأنها ان تفرض العقاب على كل من خرج عن الصف وفكر في مواصلة الاعتراض.
ان لم يتحقق العمل او النضال السياسي من اجل احقاق الحق، فهي الفوضى بعينها.
بصراحة شديدة اقول، لم تترك معركة الاستفتاء على الدستور نسيج المجتمع المصري منهكا فقط، بل جعلته معرضا للكثير من الامراض المميتة التي ستهاجمه بلا رحمة، وربما تفتك به! اذا لم تنتبه مؤسسة الرئاسة الى انها حتى هذه اللحظة لم تنشئ اي جسور عملية مع رجل الشارع، ولم تقترب من تحقيق اماله في غد اشمل استقرارا واعمق امنا واكثر انتاجا واصدق وعدا..
مؤسسة الرئاسة ومعها جماعة الاخوان المسلمين في مأزق شديد الخطورة.
لقد انتظرت الغالبية الشعبية من التيار السياسي الاسلامي، الذي فاز بكل انتخابات جرت في مصر منذ منتصف العام الماضي، الكثير ولكنه خيب آمالها بعد ان حظي بالاغلبية في الانتخابات التشريعية، وفاز بمنصب رئيس الجمهورية، وحظي الدستور الذي سطروه بموافقة جعلته يمر مجتمعيا ـ وليس توافقيا ـ الى رحابة التفعيل.
خيبة’املها ستتعاظم اذا استمر هذا التيار عاجزا عن عرض رؤيته لابعاد مشاكل الوطن والمواطن المتازمة، وظل متحجرا في تقديم مقترحات عملية وواقعية تؤدي لحلها في الغد القريب..
خيبة املها تراكمت طبقات فوق طبقات منذ ان نزل تيار الاسلام السياسي باحزابه الى الساحة السياسية، عارضا افكارا سياسية واقتصادية مبهمة، وحلولا تحمل في طياتها شعارت اسلامية غير قابلة للتنفيذ وبرامج دعائية ما انزل الله بها من سلطان.
خيبة املها ستنفجر اذا لم يتعايش المجتمع مع خطة ذات جدول زمني متسارع لوقف الانفلات الامني، واذا لم يُحس المواطن البسيط بان عجلة الانتاج والتشغيل بدأت تدور لصالحه ولاستيعاب العاطلين من ابنائه ولتوفير ضمانات مستقبل كريم لعائلته، واذا لم تعمل الحكومة على انقاذ ميزانية الدولة مما تعاني منه من تدهور يكاد يقودها للافلاس، واذا لم تشمل برعايتها مبادرات المصالحة الوطنية التى تمطرها السماء فوق رأسه بلا انقطاع..
الغالبية العظمي من ابناء الشعب، حتى من بقي منهم مؤيدا للتيار السياسي الاسلامي، تريد ان تضع رئيس الجمهورية في مقام ‘رجل الدولة’ ذي الرؤية الثاقبة، بعد ان صبروا عليه كثيرا وهو يرتدي ثوب الداعية.. وتريد ان تضعه في مقام القادر على لم الشمل ومنع الصدام مع قوى سياسية ومجتمعية كثيرة معارضة، بعد ان عانت من معظم قراراته المتسرعة الصادمة، التي اثرت بشكل مباشر على امورها المعيشية.. وتريد ان تسمع منه انه يُدرك بشكل واقعي ابعاد الانسداد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، الذي يأخذ بخناقها، وانه يملك القدرة القيادية على دعوة كافة الاطراف التي تمثل الطيف المصري للتوافق حول رؤية مستقبلية لمواجهة الموقف المتردي وفق جدول زمني يُقنع المواطن بانه يشارك بجهده ومهاراته وآرائه في ابعاد الدولة المصرية عن مصير لا يعلمه الا الله، وان لم يتحقق هذا، فهي الفوضى بعينها.
بصراحة اشد اقول، ليس بيد احد غير رئيس الجمهورية الاقدام الفوري على هذه الخطوات..
عليه اذا كان يؤمن بانه رئيس كل المصريين، ان يعمل ما في وسعة لنيل دعمهم..
الكل يطالب الاعلام المصري العام والخاص، ان يكون بناءً وان يسمو فوق الصغائر
ونحن معهم ونضم صوتنا الى صوتهم.
بداية نقول للمهيمنين الجدد على مجلس الشوري واعلام الدولة المرئي والمسموع وصحفها القومية، بالاضافة الى قنواتهم الفضائية الخاصة وصحفهم الحزبية، كونوا قدوة في فرض نموذج الاعلام البناء الذي يسمو فوق الصغائر..
وبدلا من ان تواصل ادواتكم هذه ترديد وعود التغيير التى لم يَعد يصدقها الغالبية، اعترفوا من خلالها بان كافة الشعارات التي طرحتموها منذ استفتاء اذار/مارس 2011 الشهير بغزوة الصناديق، مثل ‘الاسلام هو الحل’ و’مشروع النهضة وضرورة التمكين’..الخ.. كانت شعارات عمومية واجندات غير واقعية وافكارا غير مؤسسة على حقائق مُعاشة.
وعليكم مراجعة الاسباب الحقيقية التى ادت الى تراجع مؤشرات قناعة المواطنين بها على مدار العشرين شهرا الاخيرة (مارس 2011 كانون الاول/ديسمبر 2012) التي تنحصر في عدم القدرة على الانجاز.
وعليكم ان تتوقفوا فورا عن التمسح بإرث الماضي، لان استيعابكم سياسيا واجتماعيا لهذه التركة، كان يفرض عليكم وعلى منابركم الاعلامية الاعداد الكامل لكيفية التعامل مع مفرداتها وانتم تخططون لتصدر المشهد السياسي..
اطالب مع غيري بهذه المراجعة الموضوعية، لان تجربة التيار السياسي الاسلامي قصيرة الاجل في مجلس الشعب، تدل على هذا الخواء الذي ساهم في اطالة الفترة الانتقالية او الفوضوية ان شئنا الدقة.
ألم يتقاعسوا عن تبني مشاريع تساعدهم على الوفاء بوعودهم الاقتصادية وتعهداتهم بترجمة شعارات الثورة الى واقع ملموس، وتعالج الفجوة الفاحشة بين اقصى الاجور وادناها، وترتب لتقنين عادل لتوزيع الثروة، وارساء مرتكزات العدالة الاجتماعية.
في نفس الوقت لم يبادروا لوضع ضوابط وخطط متدرجة لتطهير مؤسسات الدولة من الفساد والمفسدين..
ألم يتاجروا بخلافاتهم المتتالية مع حكومة الدكتور كمال الجنزوري، بسبب قصور رؤيتهم السياسية والاجتماعية من ناحية وسعيهم الدؤوب لتمكين كوادرهم من مفاصل الدولة التي ظنوا انهم ورثوها من ناحية ثانية، وانكبابهم على تمهيد الطريق بشتى السبل لفوز’مرشح حزب الحرية والعدالة في نهاية جولة الانتخابات الرئاسية الثانية بالمنصب الرئاسي من ناحية ثالثة، ان لم تكن هذه هي الفوضى بعينها، فبماذا نسمي عدم قدرة الرئيس المدني المنتخب على الوفاء بوعود المئة يوم التالية لتوليه السلطة، كما وعد في برنامجه الانتخابي؟
نعلم ان جماعة الاخوان المسلمين وحزبها الحرية والعدالة، ارجعوا عدم القدرة على الوفاء بهذا الوعد الى سببين: اولهما المؤامرات الخارجية التي تحاك ضد الرئيس، سواء بتمويل من دول عربية او اقليمية وبتأييد من قوى غربية، وثانيهما الاموال الطائلة التي يُنفقها الفلول بتأييد من مؤسسة القضاء ولم يعترف اي من قادتها ولا كوادرها بالتقصير او سوء الادارة او عدم توافر الرؤية المستقبلية المرتبطة بالواقع.
وبنفس النسق تواصل حديثهما ـ اي الجماعة وحزبها – عن الحاجة للاستقرار السياسي لكي يتمكن الرئيس من تفعيل برنامجه الانتخابي، وفي المقابل ابدت العديد من طوائف الشعب ونخبه السياسية قدرا هائلا من الاندهاش الممزوج بالاستنكار حيال هذا الحديث، في ظل امساك الرئيس وحكومته بالسلطتين التنفيذية والتشريعية بحكم الاعلان الدستوري المكمل.. وتساءلوا بــصــوت عال: ماذا يحول دون فرض سياسة امنية صارمة؟ وماذا يمنع من البدء فورا في ارساء متطلبات الاستقرار السياسي؟ ولماذا يتأخرون في اقرار خطة اقتصادية فورية قصيرة الاجل، لحين ما يستقرون على ملامح خطة متوسطة وطويلة المدى.
دعونا نقول: ارقام الناخبين الذين صوتوا بنعم او بلا للدستور لم تعد ذات اهمية، فالامر المؤكد ان النسبة الاكبر هي التي قالت نعم.
يَهمنا في هذا المقام، ان نتساءل هل حان وقت زوال مبررات هذه الفوضى؟ بعد ان أوكل لمجلس الشوري بشكل مؤقت القيام بدور تشريعي ومن ثم بدأت خارطة الوضع المستقر تتبلور.. وهل من الممكن ان تبدي كلتا السلطتين استعدادا اكبر لتحمل مسؤولية وقف استنزاف هذه الفوضى لاحتياطيات الشعب المصري المادية والمعنوية؟
وهل كلتاهما على استعداد للقيام بدورها التنفيذي والتشريعي لوقف تداعي التراكمات العشوائية التى اثقلت كاهل الوطن والمواطن الى درجة الغليان، قبل ان تنفجر الحمم ويتعاظم حجم التصادم بين القوى الشعبية والسياسية بما يسمح بمزيد من الفوضى؟ هذا هو المأمول، وان غدا لناظره قريب.

‘ استشاري اعلامي مقيم في بريطانيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية