ادارة بوش في الحضيض وسيكون من الصعب عليها جدا أن تجند تأييدا للأخذ بعقوبات اقتصادية وغيرها لايران

حجم الخط
0

حدود الدبلوماسية: طهران ونهاية مسيرة المعاهدة النووية

أنا أشتغل بالدبلوماسية الدولية وببحث الموضوع الايراني منذ 1992 علي الأقل. هذا الموضوع يجري كشيء تافه أحمق بسيط – كل شيء متوقع سلفا ولا يوجد أي توتر. هذه انعطافة وكلمة السر هي اليأس.

كانت في الماضي عدة فرص لمنع الوضع الذي نوجد فيه اليوم ـ نحن عند أعتاب عصر قدرة ذرية ايرانية، ولم تبق أدوات تقريبا لمنع ذلك. أريد أن أناقش قليلا التاريخ الدبلوماسي من اجل الدلالة علي العوامل التي وصلنا بسببها الي حيث وصلنا. تتحدث الأدلة من تلقاء نفسها، بلغ النظام الدولي لعدم نشر السلاح الذري نهايته. في ايلول (سبتمبر) 2005 وجدت فرصة للنهوض من العثرة ولمنع انحلال نظام مراقبة السلاح الذري، لكن انقضت سنة ولم يحدث شيء. آنذاك وبعد سنين من المباحثات ومحاولات التوصل الي مصالحة، أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومقرها فيينا، الي قرار أن ايران أخلّت بالتزامها اطار نظام ميثاق عدم نشر السلاح الذري.

بخلاف الهند، واسرائيل وباكستان، التي لم توقع قط علي ميثاق عدم نشر السلاح الذري ولم تلتزم قبول الخضوع لـ NPT، وقعت ايران، مثل عراق صدام حسين، علي الميثاق ونقضت نقضا فظا قواعد السلوك التي تقتضيها العضوية فيه. يصعب أن نقبل حقيقة أن تطلب دول الانضمام الي نظام دولي في مجال الاستراتيجية والأمن، وتعلن انها مستعدة للتخلي عن قدرة تقنية ما للحصول علي مساعدة، مع نقض وعودها.

نحن اليوم بعد 25 سنة من مهاجمة المفاعل أوزوريك في العراق، ولا يوجد اليوم برنامج ذري عراقي. لكن يبدو أن الايرانيين سينجحون حيث فشل العراقيون، سينجحون في خداع النظام الدولي وفي العبث بنظام الميثاق الدولي لعدم نشر السلاح الذري.

كيف حدث هذا؟ كيف وصلنا الي هذا الوضع؟ أبدأ بسنة 1992، بأن أتغاضي عن اخفاقات النظام الدولي لضمان رقابة مجدية علي برامج انتاج السلاح للابادة الجماعية في العراق. في فترة ولاية اسحق رابين الراحل رئاسة الحكومة حدثت نقاشات لموضوع خطر الذرة الايرانية. شاركت في بعض النقاشات الاولي. بحث رابين عن حل وكانت خطة اوسلو تهدف من جملة ما كانت تهدف اليه الي اقامة حاجز بين امكانية حصول ايران علي السلاح الذري وبين حلبتنا المباشرة ـ اذا لم توجد صلة جيدة بين ايران والفلسطينيين فان الخطر يكون أقل.

في المحادثات الاولي بين رابين وكلينتون في 1993 أُكّد الخطر الايراني. روي مشاركون في هذه اللقاءات أن الامريكيين لم يتأثروا كثيرا بالمعطيات التي عرضتها حكومة اسرائيل، لكن أُجريت نقاشات للموضوع. في التسعينيات أُجريت ايضا نقاشات في مستويات أدني مع الاوروبيين ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بعد حرب الخليج في 1991، وبعد الكشوف، وبعد محاولة الاونيسكوم، كنا نعتقد أن الحقائق المحددة عن محاولة ايرانية لشراء، ولبناء ولتركيب اجهزة للحصول علي مادة انشطارية ولبناء سلاح ذري، ستحظي باهتمام الجهات الدولية. انقضت 14 سنة منذ ذلك الحين ولم يتم شيء تقريبا. لماذا؟ أول كل شيء لان العالم كان مشغولا بموضوعات اخري. في منتصف التسعينيات كان الامريكيون والاوروبيون مشغولين بالموضوع العراقي ولم يروا التقدم الايراني خطرا. اجل عمل الامريكيون في مستوي ما. لقد أغلقوا الحنفيات قليلا وضيقوا علي روسيا وعلي الصين. وفي منتصف التسعينيات كف الروس عن نقل تقنيات متقدمة في مجال الصواريخ وفي موضوعات ذرية، عدا الاستمرار في دعم بناء محطة الطاقة في بوشهر، الي ايران. قد يكون تسرب التكنولوجيا تضاءل في نهاية التسعينيات. كان للصينيين ايضا صفقات لبيع ايران معلومات تتصل بتخصيب اليورانيوم لكن تم ايقافها.

نصل الي شبكة عالم الذرة آغا خان في باكستان. الشيء المفاجيء في هذه المسألة هو أنه لم تكن مفاجآت. إن من يتصفح من آن لآخر صحيفة نيويورك تايمز، والتقارير في الصحف في بريطانيا واوروبا يرَ وجود شبكة كهذه، ويبدو أن الشخص هذا يبيع دولا اخري في المنطقة آلات طرد مركزي متقدمة ضرورية لتخصيب اليورانيوم. يبدو أنه لم يكن استعداد لمواجهة الأنباء السيئة وللفحص عنها فحصا عميقا.

ان التحدي الكوري الشمالي ايضا لنظام الـ NPT منتصف التسعينيات استمد الكثير من الطاقة من النظام الدولي. كان الكوريون الشماليون معزولين هناك في ركن ما من شرق آسيا ولم يكونوا مؤثرين جدا في الشرق الاوسط، لهذا كان يمكن أن يُقال، لا ضير، لنلصق عددا من الملصقات ولنحافظ علي النظام الدولي لعدم نشر السلاح الذري. كان الهدف عدم إثارة أمواج، وعدم الوصول الي وضع يُحتاج فيه الي الاعتراف بأن هذا النظام لم يعد يعمل. إن مواجهة قضية الذرة في ايران أُجل مرة تلو اخري علي أمل أن تمر المشكلة. ماذا كان أساس الأمل؟ النظام الايراني نفسه قبل كل شيء. كانت تلك فترة الاصلاحيين، فترة خاتمي، وخرازي، ومختلف أنواع الوعود، والحوار الثقافي والديني. لم يُرد الاصلاحيون دخول مواجهة مع اوروبا. اعتقد الاوروبيون أن الايرانيين لن يريدوا تحطيم الأدوات ولهذا فلا حاجة للتضييق عليهم كثيرا في الموضوع الذري. وُجد كثيرون زعموا أن العملية الاصلاحية ستجتاز اجتيازا سريعا وستنجح أكثر من محاولة الحصول علي سلاح ذري. ولهذا لا يجب القيام بأية خطوة حاسمة.

وجدت ايضا مزاعم أن المجتمع الايراني ليس هو المجتمع الكوري الشمالي، وأن الايرانيين لا يريدون أن يكونوا في عزلة، وأنهم لا يريدون أن يكونوا تحت نظام عقوبات. لهذا ستكون ردود علي الضغط ولهذا يحسن التوصل معهم الي اتفاق.

في 2002 نشرت جهات معارضة ايرانية الكشوف الاولي عن مصانع تخصيب اليورانيوم في نتانز. وجدت ايضا معلومات عن بناء شيء ما يتصل بعملية فصل البلوتونيوم وانتاج الماء الثقيل. إن الكشوف الاولي، التي كانت معتمدة علي صور أقمار صناعية تجارية، والتي ظهرت في جميع شبكات التلفاز في الولايات المتحدة أفضت الي التضييق علي القادة في الولايات المتحدة واوروبا للقيام بعمل كدخول نقاش أكثر جدية مع الايرانيين. ضغط الامريكيون (بعد 11 ايلول ـ سبتمبر) علي مشرف رئيس باكستان. قيد الباكستانيون آغا خان، أعلن آغا خان انه نادم، وعبر الباكستانيون عن أسف لما حدث ووعدوا بألا ينقلوا تكنولوجيا بعد لأي واحد. وهكذا انقضت القصة.

منذ 2003 والامريكيون في العراق والاوروبيون غاضبون عليهم وغير مستعدين للتعاون معهم في الموضوع الايراني. لا يستطيع الامريكيون إجازة عمل دبلوماسي ـ سياسي، أو عسكري ـ استراتيجي، لمواجهة ايران بغير تأييد اوروبي. لهذا توجهوا الي الاوروبيين، الذين طلبوا اجراءات متعددة الأطراف، ومنحوهم القيادة. توصل الاوروبيون الي اتفاق يقضي بأن يجمد الايرانيون عملية تخصيب اليورانيوم. رأي الاوروبيون الاتفاق شق طريق وزعموا أن هذه نهاية المسيرة الذرية الايرانية. وليس هذا ما اعتقده الايرانيون. اعتقد الاوروبيون وآمنوا أن الاجراء سينجح. يُعبر هذا الاجراء عن الدبلوماسية الاوروبية التقليدية: مباحثات، وانفتاح ومصالحات ـ لا أزمة، ولا تهديد بالقوة والعياذ بالله.

حدثت مشكلات ايضا في مجال الرقابة الذرية. تصدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في كل ربع سنة تقريرا وفيه تفاصيل النشاط: في تاريخ ما حاول مراقبو الوكالة زيارة هذا الموقع أو ذاك الموقع، وكان المكان مغلقا في ذاك اليوم. كان عيدا، لم يجدوا المفتاح، وجميع التعليلات الاخري. بدا هذا مشابها جدا للقصص التي سمعناها من العراقيين في الزيارات الاولي لـ الاونيسكوم. ورويدا رويدا زيدت شهادات وتفصيلات، ووجدت عينة من اليورانيوم كانت أكثر إخصابا مما كان متوقعا. هنا وهناك وجدت ايضا شهادات علي موقع وفيه عدد من آلات الطرد المركزي التي كان مجرد استعمالها نقضا للميثاق. عندما تبينت التفصيلات قال الايرانيون العفو، نسينا الابلاغ، لكن هذا تجريبي فحسب. لقد عرضوا الكثير من التعليلات. وكانت النتيجة واضحة. بعد سنة ترك الايرانيون الاتفاق مع الاوروبيين بتعليلات مختلفة. بدأوا فورا عمليات تحسين قدرات تخصيب اليورانيوم، وقبل عدة اشهر سمعنا رئيس ايران احمدي نجاد يقول ان ايران أصبحت عضوة في النادي الذري. زعم أن ايران حصلت علي مكانة دولة تستطيع تخصيب اليورانيوم، ولهذا يجب أن تُري دولة ذات قدرات ذرية.

ان جميع المحاولات الدبلوماسية لاقناع ايران بالامتناع عن تخصيب اليورانيوم كانت مبنية علي آمال وأهواء قلب. من الواضح أن الاصلاح في ايران لا يتم أسرع من المسيرة الذرية، فضلا عن أن الاصلاح لم يعد موجودا. يوجد في ايران نظام حكم وقادة أكثر تطرفا ممن كانوا في الماضي. جميع الأحاديث عن الاستعداد لمفاوضة الغرب وعن عدم الرغبة في كونهم في عزلة، لم تعد موجودة في المباحثات التي تُجري مع الايرانيين.

أين يُبقينا هذا الآن؟ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ايلول (سبتمبر) 2005 أن الايرانيين نقضوا الميثاق. صوت الهنود تأييدا للقرار، وامتنع الروس والصينيون، في حين أن قرار عدم التصويت المضاد هو في الواقع كقرار التصويت المؤيد. علي حسب قواعد ميثاق الـ NPT، بعد استقرار رأي الوكالة علي نقض واضح للميثاق، انتقل الموضوع ليبحثه مجلس الأمن في الامم المتحدة، قرر المجلس اعطاء ايران مهلة اخري لتجميد خطة تخصيب اليورانيوم، لكن ايران تجاهلت الموعد المحدد الذي حدد في نهاية آب (اغسطس) 2006 . الموضوع التالي في جدول اعمال المجلس هو تحديد عقوبات لايران.

ادارة بوش في الحضيض وسيكون من الصعب عليها جدا أن تجند تأييدا للأخذ بعقوبات اقتصادية وغيرها لايران، ولن تستطيع بالتأكيد أن تجند تأييدا لهجوم عسكري. في الولايات المتحدة خوف من ارتفاع أسعار النفط، وأصبحت الادارة واقعة تحت ضغط كبير بسبب ارتفاع سعر النفط اليوم. يشعر الاوروبيون بأنهم مخدوعون. لقد أدركوا ان حقيقة أنهم تولوا القيادة في 2003 وأتوا بالاتفاق، في ظاهر الأمر، لتجميد البرنامج الذري الايراني، مكّنت الايرانيين من أن يتقدموا تقدما أسرع. لكن لا توجد في اوروبا قيادة.

في 2003 خشي الايرانيون تهديدا عسكريا ولهذا وافقوا علي تجميد تخصيب اليورانيوم. لم يعودوا اليوم يعتقدون أنه يواجههم تهديد عسكري. انهم يقومون اليوم بتحليل بارد وعقلاني ويخلصون الي استنتاج أن احتمال عملية عسكرية مضادة للبرنامج الذري منخفض جدا. إن تغير التصورات في ايران صعب وسيقتضي إظهار قوة مؤثرا.

مع ذلك، لم نفقد الأمل بعد. قد تكون تصريحات ايران تدل علي عدم الثقة وعلي الضغط. لماذا يحتاج رئيس ايران احمدي نجاد الي أن يعلن بأنهم أصبحوا يملكون قدرات انتاج سلاح ذري أو تخصيب اليورانيوم وهم ما زالوا لا يملكون هذه القدرات؟ تريد ايران أن تكون في الوضع الذي توجد فيه كوريا الشمالية التي دخلت عملية تفاوض طويلة.

يصعب أن نعلم كم يحتاج الايرانيون من الوقت لاستكمال قدراتهم الذرية ـ سنة، أو سنتين أو ثلاثا. قد تكون لهم قدرات يخبئونها، وعندها سيستغرق الأمر زمنا أقل. لهذا ما زال يوجد القليل من الوقت للعمل ويوجد اليوم وعي دولي لم يكن موجودا في السابق. إن التصريحات المتشددة، غير الموجهة الي اسرائيل فقط، تخيف الاوروبيين. لا يمكن التوصل الي مصالحة علي كل شيء. ان التراث الاوروبي هو رفض كل تهديد باستعمال القوة. من الواضح أنه لتغيير اللعبة مع ايران يُحتاج الي التهديد علي نحو فعال والي اثبات أن القدرات الايرانية علي استعمال الارهاب ايضا للانتقام لا تكفي لردع الولايات المتحدة واوروبا.

ينبغي أن نخصص بضع كلمات لقضية روسيا. يفحص الروس عن الوضع في الأمد القصير ولا يشعرون بتهديد من قبل ايران. قد يشعرون بذلك بعد عشرين سنة، وعندها ستكون تلك قصة مختلفة. الآن يتمتع الروس بأسعار النفط المرتفعة، ويتمتعون جدا برؤية الولايات المتحدة متورطة في العراق. يسألون انفسهم هل يساعدون الولايات المتحدة، وماذا يمكن أن يربحوا من ذلك؟ ويثيرون امكانية صفقة تخفف بمقتضاها الولايات المتحدة ضغطها لاوكرانيا، أو لمنطقة وسط آسيا. انهم يرون في المناطق التي كانت واقعة تحت تأثيرهم قوات امريكية وتأثيرا سياسيا للولايات المتحدة. قد يكونون مستعدين للتعاون في الموضوع الايراني لقاء تفاهمات مع الولايات المتحدة في مناطق اخري. لا يريد الروس والصينيون استعمال حق النقض في مجلس الأمن في الموضوع الايراني، فهم لا يريدون أن يكونوا في عزلة وقد سلكوا هذا السلوك ايضا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية. علي أية حال لست أعتقد أنه يمكن أن توجد نهاية جيدة لموضوع القضية الايرانية.

البروفيسور جيرالد شتاينبرغ مركز بيغن ـ السادات العدد 21.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية