ثمة ملاحظات تحيط بالمجموعة القصصية ‘بنات أحلامي’ لعزة رشاد قبل الدخول في تفاصيلها وتحليلها نقديًا. فالقصص العشر التي تشكِّل المجموعة ترويها نساء، أو رجل يروي عن علاقته بنساء، وهذه القصص تجري في الغالب في إطار ضيق من العلاقات يضم الأهل والأقارب والأصدقاء المقربين، وما قد يحدث لهم على أيدي غيرهم. والملحوظة الثالثة أن العنوان وهو ‘بنات أحلامي’ قد طبع المجموعة بصبغة فانتازية مفارقة للمنطق المعتاد في سريان الأحداث، حيث في الحلم تغيب سيطرة العقل ليحل محلها اللاشعور، مثلما يترك العنوان الرئيسي آثاره على اختيار العناوين الداخلية التي تسيطر عليها بالمثل رؤى هلامية مضببة تضج بالأشواك والإحباط والرؤى والكوابيس. وهو ما يلاحظه المتلقي لأول وهلة عند انتهائه من القراءة.
يقع عبء الرواية في المجموعة على عاتق امرأة، فتاة في الغالب في مطلع شبابها، فإذا لم تكن تلك الفتاة هي ‘الراوية’ فهو فتى في مطلع الشباب كذلك ولكن يروي عن علاقته بفتاة تربطه بها صلة ما، ومعنى هذا أن مجموعة الرواة ممثلون في الحكي كأبطال مثلاً، وأن الرواية لذلك تأتي عبر ضمير المتكلم بوصفه صانع الأحداث أو الذي تدور حوله الأحداث. سوف يلفت النظر هنا أن تقارب عمر الرواة في المجموعة، وتوحد العالم الفاتنازي بتجاربه الغريبة في معظم القصص، وتشابه مواصفات المكان والزمان في المجموعة كلها، يجعلنا نشعر أننا بإزاء رواية ذات عشرة فصول رغم كل ما يقال نقديًا عن الفرق بين الرواية والقصة القصيرة . واللافت للنظر كذلك أن كل الأحداث التي تمر في المجموعة تمر عبر عيون الراوي في حالة وعي في البداية، ثم تبدأ الرؤية في الضبابية حتى يضيع سلطان العقل ليحل محله عالم من الأحلام الكابوسية والفانتازيا، العجيبة، وهي ظاهرة مرَّت بصورة مشابهة في مجموعة نصف ضوء بشكل خاص.
إذا عندما يمر المكان عبر وعي البطل فسوف يكون مصبوغًا بلون الحلم الذي يعايشه، أو يعاينه، بما يجعل المكان أقرب إلى العالم الفانتازي. صحيح إن المكان يبدأ واقعيًا، حيث المدن والريف والحدائق والبيوت والطرق والسيارات وما حولها من معالم، ولكن أبدًا لا يظل متمتعًا بهذه السمة الواقعية، المكان واحد لا يتغير، ولكن الذي يتغير هو وعي البطل وإغراقه في الكوابيس بحيث يغيب المكان والأحداث والشخوص المألوفة لتحل محلها دنيا أخرى لا صلة لها بالواقع، المكان يتحول إلى رقعة شديدة الغرابة وانكسار المألوف والمتوقع.
وكما مَرّر الراوي مكانة عبر وعيه في حلم الكابوسي، فإن الزمان بدوره يأخذ سمة الكابوسي والغرائبي بوصف المكان وعاء للزمان سوف يبدأ زمنًا واقعيًا ينتمي إلى المتعارف عليه من الوقت المألوف لنا جميعًا ليل ونهار وصباح، ومساء، وسيروه مضطردة، ولكن ما إن يبدأ وعي الراوي في الدخول إلى منطقة الضباب والأحلام حتى يأخذ في التشظي، والتهشم، لكي تضيع طردية الزمان وسيرورته للأمام ليحل محلها أشكال من آليات السرد زمنيًا مثل الاسترجاع (الفلاش باك) ثم التحام الماضي باللحظة الآنية، ثم استرجاع فاستباق (القفز إلى المستقبل زمنيًا ) فيما يشبه النبوءة ثم عودة للآني أو الماضي، وهكذا حتى يصاب القارئ بالإجهاد رغم أن القصص كلها قصيرة بل وبعضها بالغ القصر.
تتعرض معظم شخوص القصص في مجموعها العام إلى ضغوط نفسية وعصبية بالغة القوة، تتركز في استلاب وهجوم مؤسسي شرس من الأسرة (الأب الأم الأبناء أحيانًا) ثم من الأقارب والأرحام (أعمام، عمات، بنات عم وأبناء خال) أغراب يمثلون مراكز قوى شديدة البطش والسطوة، حيوانات، تشبه حيوانات الأساطير (قطط سوداء، جمال، حشرات) تلعب نفس الدور الاستلابي والتدميري (ذبابة زرقاء) وأخيرًا ذلك الحضور الطاغي للموتى الذين يعودون للتحكم في مصائر الشخوص، والأشباح والرؤى الهلامية المتكررة. نحن إذًا بإزاء مؤسسة مكتملة الأركان للقوة والتسلط تدار بجهامة شديدة وتحكم وثاقها حول الجميع فلا ينجو منها أحد، فمن تسلط الأم في الياسمين الشائك وتجارتها الرابحة الخاسرة في بناتها وبخاصة هند، إلى تسلط الأب على الزوجة التي رحلت في شرخ الشباب والابنة وردة في (لو أنك وردة) والحبيب الخائن المنصاع لأوامر مؤسسة الأمهات في شجو اليمام إلى تسلط الآخر العدو على العلاقات الإنسانية الناعمة في (عن ترميم الأحلام) إلخ. هذه الأنواع من توظيف القوة واستلاب المقادير والمصائر، بكل المسميات المشروعة الخوف على والحماية من، والغيرة، فضلاً عن الاستلاب السياسي الذي أدى إلى ثورة يناير وما نتج عنها من شهداء من شبان وشابات في عمر الورود، ويبدو لي أن رواة المجموعة وأغلبهم من الفتيات اليافعات لم يكن بمقدورهن تحمل هذه الضغوط المروغة، فظل اللاشعور يتلقى رسائل الإحباط والتشويش، والاستلاب والقهر، ويودعها في الطبقات المظلمة العميقة منه، ولم يكن ثمة مفر والأمر كذلك من أن يحدث أحد أمرين إما التمرد العنيف وهو ما لم يحدث إلا مرتين أو ثلاثا مثلاً وبخاصة في حالة هند أخت الراوية في الياسمين الشائك ووردة راوية (لو أنك وردة) وراوية قصة قطوف نائية، حيث التمرد من جانب الفتيات قد يبدو أمرًا بعيدًا عن متناول معظمهن في مواجهة مؤسسة القوة والبطش والسطوة المرتكزة على العرف والعادات والتقاليد والدين بل والسلطة السياسية كما مَرّ بنا.
أما الأمر الثاني فهو ذلك الانهيار النفسي والعصبي الذي أحال أحلام رواة القصص إلى كوابيس مرعبة، وأشاع الفوضى والضبابية وكل ما يمثل كسرا للمنطق والعقل والإنسان وهو ما حدث فعلاً في معظم قصص المجموعة.
والغريب أن مؤسسة القوة هذه التي مارست قهر شخوص العمل في أحيان كثيرة، لم تكن ترتكب ما تركبه من تسلط وقهر إلا باسم الحب والمودة والرغبة في الحماية ومن هنا كان اسم التدليل لهند بطلة الياسمين الشائك هو مانجايتى بإضافة ياء المتكلم التي تعبر عن الملكية، وكذلك (وردتي) في لو أنك وردة، ومثل ذلك كثير.
تبدأ مجموعة ‘بنات أحلامي’ بقصة الياسمين الشائك، وتنتهي بقصة قطوف نائية، والقصتان تمثلان قوسين يحتضنان بينهما مجموعة من القصص مثل عن ترميم الأحلام وضباب وعن النجوم البعيدة، وغزوة الأزرق، وشجو اليمام، ولو أنك وردة ومن ديوان المظالم، وبن للحاجة، بحيث تبدو القصتان الأوليان أشبه بقوسى المستحيلات والفانتازيا الكابوسية حول المجموعة . ولنتوقف أولا عند عتبة المجموعة وأعني بها العنوان الرئيسي بنات أحلامي ثم باقي العناوين الفرعية.
ذلك أن العنوان دخل في تناقض معكوس مع المتعارف عليه (بنات أفكاري) ولم يجرالعرف على القول بنات أحلامي، والمشترك بينهما لفظة (بنات) أما المختلف فهو تغييب العقل لصالح النوم أو الغيبوبة أو ما شابهها مثل الزهايمر وخرف الشيخوخة. العنوان الرئيسي إذا يزيح
المنطقي والعقلاني والمعترف به لصالح نقيضه تمامًا، بل أن صورة الغلاف للفنان مصطفى حسين يبدو فيه محتويا على فتيات يافعات في حالة غياب عن الوعي جميعًا والخلفية شديدة الظلمة فلا إشارة لأي مصدر ضوء محتمل أو موجود. يبدو الجميع بما فيها أم البنات وكأنهن في قعر جب، مظلم حالك السواد قد يكون إشارة إلى ما قلته من أن العنوان يغيب الوعي لصالح سواه . فإذا تقدمنا خطوة أخرى في قراءة العناوين القوس الأول أو بداية سياج المجموعة الياسمين الشائك، فالياسمين الذي نعرفه نقي هش سريع الذبول لكن عطره يدوم ويتألق لفترات طويلة، لا شوك حوله ينبت، وإنما أغصانه تمتد لتفرش خلالها وعبيرها لكل من يقترب، بلا مقابل أو عناء، فمن أين بالشوك إنه من الإحباط والتهميش والقتل المعنوي الذي جعل للياسمينة الصغيرة (التي تدلل بالسردينة الصغيرة) أظافر وأنياب تصل إلى الشرطة والرقابة، والابتزاز انتزاعًا لحقوقها المشروعة التي لسوء الحظ انتهبها أولو الأرحام، ومن قبلهم الأم، التي خاضت غمار ما يشبه المتاجرة بحسن ابنتها جلبًا للمال الذي فقدته بعد أن غيب الموت الأب مبكرًا.
أما قوس السياج الأخير فكان عنوانه قطوف نائية ونحن نعرف عن طريق التناص المعكوس القطوف الدانية، في الدنيا وفي الآخرة، ونعرف كذلك أن ثمة شجرًا يطرح ثمارًا قطوفها نائية مثل النخيل للبلح وجوز الهند والدوم وغيرها، لكننا لا نشير إلى اسمها بأنها أشجار القطوف النائية. إذا النأي وهو البعد المبالغ فيه جعل الوصول إلى الثمار شبه مستحيل، وإذا كان الوصول للثمار شبه مستحيل فكيف نحصل عليها وهل ما سنجنيه يكافيء الجهد شبه المستحيل كذلك للحصول على هذه الثمار. إن هذه القصة تتحدث عن العقل وعن الذاكرة وعن الوعي التي تتعرض صاحبتها لاستلابها منها جميعا ، طوعًا أو كراهية، ولكنها ترفض فتدخل بسبب الضغوط إلى باحة الكوابيس المرعبة من أوسع أبوابها لكنها تتخلى عن حياتها ولا تتخلى عن ذاكرتها، وعيها وعقلها وكأنها تصادر على كل الاستلاب والابتزاز الذي تعرضت له المرأة، بل والرجل أحيانًا على يد مؤسسة السلطة.
فإذا رحنا نتبع العناوين النوعية بين القوسين فسوف تواجهنا الأحلام المتهرئة التي هي بحاجة إلى ترميم واهتراء الأحلام أو تهدمها أمر غير معروف، ومألوف كذلك، فما سبب التهدم وكيف نرممها إلا بإيقاف أو ترشيد مؤسسة السلطة بكل أشكالها، ثم هناك الضباب وبعد النجوم وكلاهما يؤدي إلى عدم وضوح الرؤية والتخبط الشديد بل والضياع، ثم شجو اليمام الذي كان سجعا فتحول بالاستلاب إلى شجو حزين مقهور، وعن ديوان المظالم وغزوة الأزرق والحشرات (الذباب الأزرق) وهو بالمناسبة ذباب يأتي من جيف الموتى التي لم يكتمل تحللها بعد، ووجوده شعبيا، علامة على تواجد الأموات أشباحًا غير مرئية في حياتنا، فحين يحدث غزو أزرق من هذا الباب فالموتى بدورهم يساهمون في مؤسسة السلطة في الاستلاب والإحباط وأخيرًا كان الأمر بحاجة إلى ديوان مظالم ترفع مطالب الجوعى والمرضى، والمسنين والأطفال وتدفع عنهم كيد الخائنين فإذا بالأمر يتحول إلى حلم كابوسي حقيقي تغيب فيه الراوية عن الوعي، لكي تكتشف أن ثمن دفع الجوع والخوف والمرض عمن يعانون منه كان مئات الشهداء من الشباب بنين وبنات.
هل أستطيع أن أقول أن عزة رشاد وبنات أحلامها يجدن السباحة عكس التيار في السياسة، وأن صخب السياسة ونزعتها الخطابية المميزة، وهدير الثورة والثوار قد استحالوا جميعًا عبر مشرطها المرهف إلى رفيف ملائكي أثرت مهنتها كطبيبة أطفال في أن تجعله مقبولاً مستساغًا، وإذا كان كثير منا ينفر من خطاب الإيديولوجيا الزاعق بحكم الطبيعة الخاصة لها، فإذا بنا أمام خطاب سياسي رافض تمامًا للصراخ المعبر عن واقع مهترئ طال العهد به حتى تحول إلى كابوس حتمي التخلص منه، ولكنه رغم ذلك لا ينسحب ولا يقبل التهميش والاستلاب والابتزاز. هكذا هي في كل كتابتها السابقة التي سعدت بمناقشة ثلاثة منها حتى الآن ولأستعير جزءا يسيرا مما كتبته في القصة الأخيرة قطوف نائية … المجموعة ص 105.
‘نعم فص صغير (تشير إلى كابوس إمكان استئصال جزء من مخها مختص بالذاكرة والمخيلة) ولكن .. ما قيمة أن أمشي بدون جناحين يحملاني إلى عوالم تعجز قدماي عن الوصول إليها. ما قيمة أن آكل أو أشرب دون أن أحذر دفق الماء في النهر وانزلاقه ليروي الأرض حتى تنطلق البذرة … ما قيمة عيني إذا لم أجرؤ على كتابة هذا النص المشعوذ’.
كما أستعير جزءا آخر من قصة شجو اليمام : ‘
‘لست ثرثارة و لذا لم أخبر أحدا كيف صار حالي بعد أن هبت عاصفة مفاجئة وسطت على سجع اليمام الذي كان لي، كما لن أخبر أحدا عن الجحود وما يفعله بالقلوب الرهيفة كقلب تلك الصبية التي تعلمت أن تخفي وجعها ولوعتها وتتظاهر باللامبالاة …………….
أنا لا اكره أحدا بالوجود بقدر ما أكره أولئك الذين يسطون على ما ليس لهم، أولئك الذين يتسللون وينتزعون من عينيك ألوان القمصان وإشعاعات العيون، أولئك الذين يجبرونك على هجر صدقك وثقتك وبساطتك والإبحار إلى الشاطىء الآخر .
‘ ناقدة وباحثة أكاديمية مصرية