ادوارد بوند وآلن فرانسون وبحثهما عن الحالات الأكثر تطرفا
علي مسرح كولين الفرنسي:محمد سيفادوارد بوند وآلن فرانسون وبحثهما عن الحالات الأكثر تطرفاالدراماتورغ البريطاني ادوارد بوند والمخرج الفرنسي آلن فرانسون يتابعان بحثهما بلا كلل ولا ملل عن الحالات الانسانية الاكثر تطرفا. انهما يبحثان من خلال الكتابة والاخراج في وعن قدرة وامكانية الانسان الذي يُجرد عن ومن كل شيء ؟ يبحثان عن العالم المُخرب الذي يحاول ان يبقي فيه هذا الاخير علي قيد الحياة ؟ ان مسرحيتي (ولادة وكرسي) في مسرح كولين الوطني، تحاولان بطريقتهما الخاصة الاجابة علي هذه الاسئلة الصعبة، ولو بشكل غامض ومليء بالالغاز.يضعنا ادوارد بوند في مسرحيتي (ولادة وكرسي)، من خلال حالات محددة امام انفسنا من جديد، حيث ما هو انساني وفي غاية الجودة لا يتحقق بسهولة. والانسان الذي هو غريب في طباعه وعاداته يطرح اسئلة، ويسأل نفسه: ماذا يفعل علي هذه الارض، وفي هذه الحياة، وهذا العالم؛ الذي يتوجب عليه معرفته، والعثور عليه. لان الانساني هو ايضا هذا الذي نَسِي نفسه، وتشتت، وتفكك، وضاع. ان مسرح ادوارد بوند يجد نفسه في قلب هذه الحالات غير المحتملة والتي لا تطاق ويصعب قبولها. حالات من صنع الانسان نفسه ولكنها هربت منه وعنه، فهنالك قوي تضيق الخناق عليه، تعرض حياته للخطر، ترغمه علي عدم التلاؤم، علي الطاعة العمياء، وتمنعه من التفكير، مثلما لو ان بقاءه علي قيد الحياة مرهون بهذه القوي الحمقاء والمفسدة للعقل.في وسط هذه الحالات المشكوك فيها والمريبة والمعقدة يُمركز (ادوارد بوند) ابطال مسرحياته بتفنن، بحيث تبدو في غالب الاحيان، كما لو انها تعبر مسافة مليئة بالفخاخ، التي لا تخرج منها سليمة معافاة، ولكن في اختبار المخفي والمُغيب والمتلاشي هنالك امكانية للعثور علي مخرج.وهذا بحد ذاته مسار متناقض، طريق صليبي، ان صح التشبيه، لا سيما ان الصليب اداة تعذيب في القدم ورمز المسيحية، في عالم خال من الالوهية، اذن فهو بلا امل وبلا قيامة. انه عالم منهار مدمر، وساكنوه هم ايضا مدمرون، ومنكسرون من الداخل. الانسان في هذا العالم الذي يرسمه لنا ادوارد بوند بكل اناقة ولا معقولية، لا يستطيع ان يعتمد الا علي نفسه في بناء نفسه، لذلك عليه الاعتماد، بادئ ذي بدء ،علي الخيال. ولاجل هذا فقط عليه العثور اولا علي نفسه، والعثور في داخله علي هذا الذي يمكن ان يلتحق بشيء ما يسمي انسانية. بمعني آخر، لا بد من ان يجدد نفسه عمليا انطلاقا من اللاشيء.قصة مسرحية كرسيفي ليلة من الليالي، عام 2051، (آليس) فعلت شيئا كان عليها ان لا تقوم به ابدا. آوت طفلا كان مرميا امام فتحة صندوق من الكارتون. وبدلا من ان تسلمه الي مكتب البحث الاجتماعي، احتفظت به.الان، نحن في عام 2077، (بيلي) الطفل كبر واصبح عمره 26 عاما. طيلة هذه السنوات المتراكمة، بيلي لم يخرج ابدا من باب غرفتي اليس الصغيرتين. ان هذا مستحيل، وخطر، في ذات الوقت. لان مكتب البحث الاجتماعي لا يسمح لنا بان نخالف القوانين التي تضمن وتحمي المنفعة العامة، لا سيما ان السلطة عندما تواجه مشكلة من المشاكل، تقصيها. اليس هذا هو الحل والطريقة الوحيدة التي تعالج فيها دائما وابدا المشاكل ؟ بيلي يكبر وهو ينظر الي العالم من خلف النافذة، من خلال الستارة، دون ان يكشف عن نفسه ابدا. في الجهة الثانية من النافذة، العالم خطر، ولا يمكن ضبطه. الحياة فيه ليست سهلة دائما، لهذا بيلي يقضي اغلب الوقت في اختراع القصص ويرسم العالم بقلم رصاص. (اليس وبيلي) خلقا نظامهما الخاص، مع جميع الالعاب التي تتلاءم معه. وبهذه الطريقة يعيشان. ولكن في صباح من الصباحات، آليس تقلق، وتعتريها الحيرة والخوف، عندما تشاهد عسكريا في الشارع يبحث عن سجين. فجأة، كل شيء ينقلب رأسا علي عقب، لان حياة اليس وبيلي لا يمكن ان تستمر او تدوم. بيلي يجب ان يترك البيت ويذهب نحو العالم الذي كان يراقبه من خلف الزجاج.لا انسانية المجتمعان مسرحية (كرسي) تشترك في سلسلة من ثلاث مسرحيات قصيرة كتبها ادوارد بوند في الاصل للصغار ولكنها ايضا للكبار. تجري احداثها في مجتمع قمعي جدا: في عام 2077، كل انسان خارج بيته مشبوه او يمكن ان يصبح مشبوها به سريعا. اذن، ان فعل البطلة (اليس) التي تجرأت علي انتهاك القوانين، لا بد ان يقودها نحو صراع نهائي.ان ادوارد بوند في هذه المسرحية يجعلنا نخطو خطوة اضافية نحو فكرة لا انسانية المجتمع. بالكشف لنا عن حالات وحشية تراجيدية. انه يستمر في تحريض واثارة الجمهور شعوريا بنفس الكثافة التي يقوده فيها، في ذات الوقت، للقيام بكل شيء من اجل تجنب مستقبل يعلن عن فقدان نهائي للانسانية. ان الاسلوب في نصوص ادوارد بوند دائما هو دقيق، مكثف، مليء بالدلالات. احداث مسرحياته تجري بلا صدمة او معارضة عنيفة، البناء الدرامي وتداخلاته وتشابكاته مرنة، بدقة متناهية، ولكن هناك دائما حزن، كآبة وغضب يختبئ خلف حوار صاف ونقي، يؤكد عليه الكاتب، من خلال منافذ ومداخل يتعذر كبتها. وهكذا تسير وتتقدم مسرحية (كرسي) ببطء نحو الكارثة.مسرحية ولادة في مسرحية ولادة توجد اولا صورة ذلك الطفل الموضوع فوق طاولة علي حافة نافذة مفتوحة. انه لم يترك او يُهجر، وانما وبكل بساطة، انتقل ابواه الي بيت جديد فوضعاه هنا، فوق الطاولة. وكأنهما قد نسيا او بالأحري تخلصا من شيء ما في فجر حياتهم الجديدة. ان الفصل الاول او اللوحة الاولي من مسرحية (ولادة) تشرح بطريقة ما كل ما تبقي في المسرحية.في اللوحة التالية، عشرون عاما قد مرت. الطفل (لوقا) يكبر، ويصبح رئيس دورية بوليسية. يقتحم بيت ابويه مع رجاله ويستولي عليه، دون ان يشعر بأي رحمة باتجاه ابيه او امه.في اللوحة الثالثة، رئيس الدورية (لوقا) يقوم باستجواب ام وطفلها بطريقة قاسية. الذي يفاجئ في هذا التحقيق، اولا، هو طبيعة الاسئلة، غير المتوقعة من قبل رجل شرطة. ان لوقا، يريد ان يعرف بأي ثمن ما هي الكلمة التي ننتظر ان نسمعها في النهاية عندما سوف نموت. نري لوقا اثناء التحقيق يتصرف كالمجنون، بحيث انه يرمي الام وطفلها نحو حائط السجن الحديدي، بكل قسوة ومجون.اللوحة الرابعة تقدم نفسها كنتيجة فاجعة ومشؤومة لكل هذا الذي حدث من قبل. دورية البوليس ضائعة، فاقدة لعقلها بسبب تصرفات قائدها. واحد من افراد الدورية يصبح مجنونا. يبدأ بفتح النار علي رفاقه وكأنه مُسَرنِم. لوقا، يظل دائما في متابعة الفكرة التي تستحوذ عليه. يريد ان يعرف: (ماذا يحدث عندما ننظر الي فوهة بندقية، ونحن نعرف انها النهاية)، يظل يكرر هذا الكلام وكأنه انسان يهذي او شيء ما تغير فيه لا شعوريا. لم يعد نفس الشخص الذي كان عليه من قبل. يتفوه باشياء غريبة لا يمكن ان تصدر عن رئيس دورية بوليسية. (لو استطيع سماع صوت ـ لا غير ـ مثلما لو انني لم اقل شيئا ـ اثناء كل هذه السنين ـ ولم اتعلم الكلام ـ ربما هذا).اللوحة الخامسة يمكن ان تحمل عنوان (غذاء الموتي). انها تعطي لجميع اجزاء المسرحية بعدا رؤيويا، وقوة شعرية. دونا، ام لوقا، تسير بين الجثث وهي تطعمها بمغرفة. وكان كل ما حدث قد حدث بعد النهاية وفي فضاء لا يتموضع فيما وراء الحياة، وانما في رؤية او بالاحري، في حلم. وكان باقي المسرحية ينعكس بأكمله في هذا الفصل الاخير. لوقا، ما زال علي قيد الحياة، يزحف بين الجثث، يطلب من امه ان تطعمه، ولكن الام لا تهتم الا بالموتي. فتربطه علي كرسي. وهنا يحدث حدث مذهل، اذ تحاول الجثث جاهدة متعبة جمع قطع جسد طفل متناثرة علي الارض حتي تعيد جميع اوصاله الي مكانها. عالم من خوف ان نص (ولادة) يحفر، ويبحث بمهل ومثابرة خلف اخاديد الملحمة التراجيدية التي من خلالها يريد ادوارد بوند مساءلة عصره؛ انه يرسم عالما غير انساني حيث لم يُطرد منه هذا الاخير، وانما هو فيه مراقب، محاصر، معذب. عالم من خوف، يزدحم بالنساء، والرجال، والاطفال الراضخين للسلطة البوليسية العسكرية، التي تهدده، وتقصيه، وتنتزع منه ارضه ووطنه، وتقتله باسم السلطة الكلية، الموجودة في كل مكان، ولكن بشكل غير مرئي.ان هذا المسرح، الذي من خلال وحشية فصوله وافكاره، يجبر المتفرج علي مواجهة المشاكل وليس الفرار من امامها. ان ادوارد بوند، في هذا النوع من الكتابة، يخاطب مسؤولية الانسان ازاء مستقبله، يدعو خياله وعقله؛ ينادي هذين المركبين الضروريين لجعل الانسان (انسانيا) وضروريين لكي لا تصبح الديمقراطية من اكثر الاشكال انجازا (للعبودية)، وضروريين ايضا من اجل الدفاع عن مسرح لا يكون (متجرا بين المتاجر الموجودة في اسواق النخاسة). ان ادوارد بوند قد كتب عملا مقلقا، مشوشا يصدم متفرجيه الي درجة مغادرة القاعة احيانا، وهذا ما حدث مؤخرا، في مهرجان افنيون الفرنسي. لقد خلق هذا الدراماتورغ البريطاني عالما خياليا، نشعر عند مشاهدته بالقلق والتهديد. فهو يمنح الانسانية حتي، للجلاد وقاسي القلب، والفظ، لان هؤلاء يجسدون، وبكل بساطة، نظاما هم ضحيته، وهذا ما يقوي من حدة تساؤلنا ويترك لنا الباب مفتوحا قليلا.ان مسرحيتي (كرسي وولادة)، تنتميان الي المسرح السياسي الجديد الذي يمثل القرن الواحد والعشرين. انه مسرح سياسي يقدمه لنا المؤلف، مبنيا بناء دقيقا وبلغة مشوقة. انه مسرح ملتزم، رافض لكل انواع التجارة الثقافية. مسرح يقترح اسلحة جديدة لاولئك الذين لا يريدون ان يصيبهم مرض العماء. نظرة موجزة حول مسرح ادوارد بوند ما هذا الذي يُمثل فوق خشبة المسرح ؟ امام الم وعذاب العالم، امام الاسئلة التي تظل بلا اجوبة، ربما ما يُمثل علي الخشبة، هو مسألة بدء تسامح كل واحد منا امام هذا الذي لا يطاق وغير المحتمل.وربما ايضا، يطرح اسئلة جوهرية مثل تلك التي تدور حول الانسانية التي لم تمنح لنا، والتي تبقي في حالة صنع وعمل. واسئلة حول خفايا واسرار الموت والاموات، وعن تلك الرابطة التي لا زالت يمكن ان تجمع الاحياء بالاموات؟في طبيعة هذه العلاقة ربما يكمن تعريف هذا الذي يصنع ما هو انساني. واذا انحل ما هو انساني، يجب علينا في مسرح ادوارد بوند امتلاك الشجاعة لرؤية الي اين يريد ان يقودنا هذا الاخير، من اجل تجنب هذا الانحلال.ان ادوارد بوند في كتابته وآلن فرانسون في اخراجه، يطرحان اسئلة مقلقة، مزعجة، مثل: ان مسألة التطرف لم تكن مشكلة ذاكرة وانما مشكلة زمن حاضر، لا سيما ان القرن الذي مضي لم يترك لنا سوي الالم، وهذا الذي لا يطاق. ويكفي ان نلقي نظرة سريعة علي الارشيف، او نرجع بالذاكرة الي الوراء قليلا، يجعلنا نبحث في مسألة معرفة ما هذا الذي يتوجب علينا تقديمه علي المسرح، ولاي غرض، ومن اجل اي امل.بالتأكيد، اننا امام مسرح لا يستدعي الكوابيس القديمة، ولا يتعكز علي ما في اروقة التاريخ من جرائم، وانما يضعنا مباشرة ما بين الوحشية التي نحن علي استعداد لتقبلها هذه الايام والوحشية التي ستحدث قريبا بسبب تغافلنا ورفضنا رؤيتها،لاننا، وبكل بساطة، شركاء بارتكابها. اننا، في حاضر يحمل مستقبلا يهددنا، ليس من خلال ذكريات آلامنا، و تعزيتنا، وانما من خلال وجودنا فيه. لان ألمه يمكن ان يكون بلا ذاكرة، مثلما يمكن ان يكون حاضرا جدا الي درجة يصعب تجنبه او نسيانه، لانه ملح.ان الزَمانيّة، في مسرح ادوارد بوند، وعمل آلن فرانسون، وعمل الممثلين، محزنة، مُؤثرة، ومَمَزِّقة، لانها ليس لها علاقة بالرسم التخطيطي للسرد او علاقة مع ذاكرة القصة. انها تعبر جسد الممثلين والمتفرجين، ومن اجل استقبالها كما يجب لا بد من امتلاك الشجاعة. ان مسرح ادوارد بوند لا يعمل علي بعث واحياء شيء ما نعرفه مسبقا. ان المتفرج غير موجود جسديا اثناء التمارين، ولكن في مشاركته الخاصة يوجد هنالك شيء ما لا يزال لم يقع، ولكنه يمكن ان يقع فيما بعد، وهنا يكمن خطر مغامرة ان تكون ممثلا وضحية في ذات الوقت. مسرحي من العراق يقيم في باريس0