اذا رأيتَ الكلبَ…
الياس خورياذا رأيتَ الكلبَ… اذا رأيت الكلب في ايام دولته فأصنع لرجليك اطواقا من الزردِواعلم بأنّ عليك العار تلبسه من عضةِ الكلب لا من عضة الأسدِ .كتب ناصيف اليازجي هذين البيتين من الشعر، كي يتكلم بلغة الكناية عن زمن افول الدولة العثمانية، وعن مناخات الانحطاط والضعة والقمع التي صاحبت ذلك الأفول. ومن المرجح ان لا يكون قد خطر في بال صاحب الدعوة الي استفاقة العرب، ان تتحول كنايته حقيقة. فعندما تتحول الكنايات والاستعارات حقائق، يكون المجتمع قد دخل في مرحلة من التوحش لا ضابط لها. والواقع ان المشروع الاسرائيلي كان في احد وجوهه محاولة لتحويل الأسطورة الي تاريخ. واذا كانت اسرائيل قد نجحت في تحويل اسطورة الشعب المختار الي دولة، فهذا لا يعود فقط الي ضعف الفلسطينيين وعدم قدرتهم علي مواجهة تحد لا سابق له، بحسب استاذنا اميل حبيبي، بل يعود ايضا الي الكلبية الاوروبية التي رأت في مشروع الدولة اليهودية مخرجا من مأزقها الاخلاقي الناجم عن هول المحرقة النازية ووحشيتها.المسألة التي اريد الاشارة اليها لا تتعلق بالكلب ككناية او استعارة. فالكلب الذي قرأت عنه حقيقي وقادر علي الدفاع عن اسرائيل في مواجهة الارهابيين الفلسطينيين، وقد تحول اليوم، بفضل الاساليب الحديثة التي يستخدمها جيش الدفاع الاسرائيلي الي احتياطي استراتيجي لقوات الاحتلال في مشروعها لترهيب الفلسطينيين واخضاعهم واذلالهم.نعود الي الكلب الحقيقي ونقرأ تحقيقا صحافيا اعده جدعون ليفي ونشره الملحق الاسبوعي لصحيفة هآرتس (3 ـ 3 ـ 2006)، عن الكلب. تقول الحكاية ان كلبا اسرائيليا اعتدي علي سلحة الديك 78 عاما، ونهش ذراعها اليسري. والمرأة الفلسطينية الكهلة لا تزال طريحة الفراش منذ ثلاثة اسابيع في مستشفي نابلس.والواقع ان المرأة الفلسطينيية الكهلة ليست الضحية الأولي لكلاب الجيش الاسرائيلي. وحدة اللسع او العض (اوختز)، في الجيش الاسرائيلي بدأت منذ مدة في استخدام الكلاب في عملها. ويشير ليفي في تحقيقه الي ضحيتين قبل السيدة الديك: محمد قسام (12 سنة)، الذي عضه الكلب في قدمه وجرجره علي درج منزله في مخيم جنين، وباسل ابو داوود (11 سنة)، من مخيم بلاطة، والذي رقد في مستشفي الرفيدة في نابلس لمدة عشرة ايام بعدما عضه الكلب الاسرائيلي في قدميه ويديه.ليس الموضوع حادثة معزولة، انه جزء من رؤية عسكرية للتعامل مع سكان البلاد الأصليين، اطلق عليها الصحافي الاسرائيلي اسم سياسة الكلب .في الثانية من فجر 13 كانون الثاني ـ يناير المنصرم استيقظ افراد عائلة الديك في قرية كفر الديك في الضفة الغربية علي اصوات الجنود الاسرائيليين الذين داهموا القرية بحثا عن احد احفادها الكثر الذي يدعي رامي.دخل الجنود الي المنزل حيث كانت سليحة نائمة الي جانب زوجها مصطفي، امروا الرجل بالخروج الي ساحة القرية حيث تمّ تجميع الرجال، وبعدما اطلقوا النار في المنزل دخل الكلب. عندما روت سليحة عن الكلب استخدمت كلمة: اكلني . اذ قفز الكلب الاسرائيلي الأحمر علي المرأة، غرس اسنانه في يدها اليمني، وبعد مقاومة المرأة ترك اليد اليمني ليلتقط ذراعها اليسري بأنيابه ويبدأ في نهشها. لا تدري المرأة الوقت الذي استغرقته عملية النهش هذه، لكنها تذكر الرعب والصراخ. صرخت طلبا للنجدة، لكن النجدة لم تأت، وفي النهاية دخل الجنود ليجدوا الكلب يلغ بدم المرأة. لكنه كان كلبا مدربا، اذ ما ان سمع امر رؤسائه بالتوقف، حتي تراجع الي الخلف وغادر المكان. القصة لم تنته عند هذا الحد، المرأة لا تزال طريحة المستشفي، والجيش الاسرائيلي اكتفي باصدار بيان يعتذر فيه عن قيام كلابه بعض بعض المواطنين الفلسطينيين اثناء عملية بحثه عن بعض العناصر الارهابية.انتهي الخبر الاسرائيلي، لكن الحكاية لا تنتهي هنا، فالكلاب لا تزال تبحث عن ضحاياها، وجيش الاحتلال لن يتوقف عن مطاردة الفلسطينيين الا بعد ان تعترف حماس باسرائيل وبحقها في الوجود.هذا الكلام سمعناه من زمان علي ما اظن. طلب من منظمة التحرير ان تعترف، فاعترفت، لكن الاحتلال لم يتوقف كما ان سعار الاستيطان ازداد حدة، وها هي الكلاب تدخل في الفصل الجديد من القمع.ثم ما معني الاعتراف؟كانت حيلة اوسلو محاولة لارضاء القاتل، رضي القتيل لكن القاتل لم يرضَ، وسنبقي في هذه الدّويخة التي لا تنتهي، دولة تمتلك اسلحة نووية وتدعي الخوف من رماة الحجارة وحملة بنادق الكلاشينكوف او صواريخ القسام اليدوية الصنع!انها الأحجية التي لن يجد احد حلا لها. وربما كان خطأ السلطة بعد عرفات، انها اعتبرت من قبل الاسرائيليين والامريكيين تحصيل حاصل، فدارت المفاوضات بين امريكا والاسرائيليين كأن الفلسطينيين لا وجود لهم. لهذا، وليس بسبب الفساد وحده، خسرت فتح الانتخابات، وعادت الأمور الي البديهيات. الحكومة الاسرائيلية اسقطت اوسلو وليس السلطة الفلسطينية، وهذا يعني ان من يريد اعترافا عليه ان يعترف اولا بأنه يحتل اراضي شعب آخر، وان ثمن السلام هو الانسحاب الكامل الي حدود الرابع من حزيران، وتفكيك المستوطنات، والتخلي عن لغة ميتة تقول ان القدس هي العاصمة الابدية لاسرائيل، لأن لا ابد في التاريخ، ولأن القدس عاصمة فلسطين والا لن يتوقف هذا الصراع.الشرط الفلسطيني من اجل اي حوار يجب ان يبدأ بالكلاب، اسحبوا كلابكم اولا، وتخلوا عن سياسة الأنياب كي نقبض كلامكم. اما الاصرار علي سياسة الكلاب فلا يعني سوي ان الحكاية لا تزال في بدايتها.0