الجمهور الاسرائيلي قد تنازل عن يهودا والسامرة منذ حين. اغلبيته تُسلم بتقسيم البلاد بل وأكثر من ذلك: الاغلبية وصلت الي استنتاج بأن الدولة الثنائية القومية ستكون مآل المشروع الصهيوني من دون حدود وانفصال عن الفلسطينيين، لذلك كانت هذه مصلحة اسرائيلية صارخة ومُلحة متمثلة بالخروج من هناك.
من دون تخليص أنفسنا من هذه المصيدة سيتحول المكان الوحيد تحت الشمس الذي يعتبر فيه اليهود اغلبية، والذي يملكون فيه حق تقرير مصيرهم، الي مجرد مكان من بين الاماكن الكثيرة التي يعتبرون فيها أقلية. حلم عيش اليهود بقدراتهم الذاتية وارادتهم، سيتبدد.
ولكن التغيير الذي مرت به الاغلبية في اسرائيل والانعطاف نحو تقسيم البلاد ليس ملموسا تماما عندما ينظر الينا الناظرون من الخارج. من ينظر من الخارج ير آراء أقل وأعمالا أكثر. ومن السهل جدا علي خصومنا اقناع العالم بأن عملية السلام ليست إلا غطاء ولفتة فارغة ترمي الي إخفاء نوايانا الحقيقية: السيطرة الدائمة علي الضفة الغربية. الدليل علي ذلك، حسب قولهم، أن سنوات اوسلو كانت أكثر السنوات نموا في تاريخ المشروع الاستيطاني في يهودا والسامرة، والآن ايضا، بعد فك الارتباط، ما زال هذا المشروع مستمرا بكامل قوته. الصحف تغفو خلال نوبة الحراسة كعادتها، واغلبية الجمهور تفضل إغماض أعينها مُفترضة أن كل ذلك سيختفي مع التوقيع علي الاتفاق، وعندما يأتي الاتفاق. في غضون ذلك تتعمق سيطرتنا علي الارض وتترسخ.
حسب وزارة الداخلية، في نهاية العام الماضي بلغ عدد المستوطنين 268 ألفا، أي بزيادة 5 في المئة بالمقارنة مع عام 2005، وخلال عام 2006 نشرت عطاءات لبناء 952 وحدة سكنية في المناطق. وفقا لمعطيات مكتب الاحصاء المركزي سُجلت في عام 2006، 1272 بداية عملية بناء جديدة. شق طريق التفافي زعترة يتواصل حيث يُفترض أن يربط تكوع ونوكديم مع القدس. وفقا لما نشر في هآرتس 1/8/2007 طرأ ارتفاع بأكثر من 40 في المائة علي مبيعات الشقق الجديدة في الضفة في النصف الاول من 2007 بالمقارنة مع الفترة الموازية في السنة الماضية. حسب تقديرات حركة السلام الآن التي تقوم بجمع المعطيات التي أوردناها هنا، يتم اليوم بناء أكثر من 3 آلاف وحدة سكنية في أرجاء الضفة بعضها في 30 بؤرة استيطانية من المفترض أن يتم اخلاؤها. والآن، كما هو معروف، هناك ايضا كلية اكاديمية تحمل باعتزاز وصمة عار المناطق الأبدية، واسمها كلية يــهودا والسامرة الاكاديمية في اريئيل.
كل مساعي اسرائيل الاعلامية في أرجاء العالم تنفجر مثل بالون في مواجهة هذه المعطيات. نحن لا ننتبه اليها، ولكن العالم يلاحظ ذلك جيدا، ناهيك عن الفلسطينيين. لن نقنع أي أحد، ولن تُجدي كل محاولات تعزيز المعتدلين اذا واصلت أفعالنا الاشارة بصوت أعلي من صوت السياسيين الي أن: نحن نبني ونشق ونوسع وكأن الغد ليس آتيا.
الادعاء بأن اسرائيل تريد بالفعل تعميق سيطرتها في المناطق لا أساس له من الصحة. ولكن دولة اسرائيل تستسلم بثبات لمجموعة ضغط صغيرة نشطة موجودة تحت أنوفنا بطرق ليست طرقا خلافا للقانون أو من خلال إخضاع بنود ميزانية مجهولة وبصورة وقحة وتتآمر علي السيادة مستخفة بارادة الشعب ومحولة الديمقراطية الي أضحوكة، مُتمكّنة من ليّ ذراع السياسيين والمسؤولين الرسميين والضباط. لدي اسرائيل سياسة واحدة، وللمستوطنين سياسة اخري. وما يتم علي الارض ليس سياستنا وانما سياستهم. آن الأوان لأن تتوقف اسرائيل عن الانجرار كعملاق أعمي وراء أقلية مواظبة تدعي الصدق وتفتقر الي المسؤولية، لأن هذه الأقلية ستقودنا الي نهاية المشروع الصهيوني.
في هذه المرحلة المتأخرة حيث يتضح لكل ذي عقل بأن الاستمرار في السيطرة علي يهودا والسامرة سيجر اسرائيل الي وضع البوسنة والي حرب أهلية متواصلة داخل الدولة ثنائية القومية، كان علينا أن نستيقظ وأن نوقف تواصل البناء باصرار وسرعة، لانه حتي في اليمين نفسه قد فرغت الادعاءات المؤيدة لمواصلة الاحتلال، وما بقي هو فقط شعارات فارغة. اليكم مثلا ما كتبه ران بيرتس ردا علي قائمتي حول الحاجة الي الانسحاب من المناطق. ادعاءاتي حسب قوله مدحوضة لانه لا يوجد نظام احتلالي مطلقا: الفلسطينيون لا يعانون من احتلال سياسي، كتب، لديهم سلطات، ومجلس تشريعي ورئاسة، ومنظومة انتخابات. من الجيد أن الآباء المؤسسين للصهيونية لم يقبلوا تعريف السيد بيرتس للاستقلال لانهم لو فعلوا ذلك لكنا نعيش أو نموت تحت حكم المفتي. يتوجب منع الوضع الذي يتغلب فيه هذيان السيد بيرتس السياسي علي الدولة وعلي ارادة الشعب أكثر من إضاعة الوقت علي التجادل مع هذا الوهم.
غادي طؤوف(معاريف) 7/8/2007